|
القاهرة 16 يونيو 2026 الساعة 11:46 ص

بقلم: إيناس محمد عتمان
1ـ فخاخ "البيست سيلر" ووهم صناعة الكاتب
الإبداع الأدبي اليوم بمأزق حرج لم تشهد له الساحة الثقافية مثيلاً من قبل. لعقود طويلة، كان فعل الكتابة طقساً مهيباً ورصيناً، تحكمه آليات فرز طبيعية وصارمة؛ من لجان نشر تزن الكلمات بميزان الذهب، ومحررين يملكون عين الصقر، ونقاد كبار يوجهون الذائقة. أما الآن، وفي زمن "السيولة الرقمية"، فقد شُرعت الأبواب على مصراعها لكل من هب ودب، بعدما تحولت منصات التواصل الاجتماعي وخوارزمياتها الصماء من مجرد نوافذ للتواصل، إلى صانع افتراضي للمشهد الأدبي يفرض شروطه التجارية الجافة، وعلى رأسها فخ "البيست سيلر" أو الكتاب الأكثر مبيعاً.
دعنا نكون واضحين؛ لا تكمن المشكلة في رغبة الكاتب بأن يقرأه الناس، فالوصول إلى قلوب وعقول القراء هو الغاية الأسمى لكل مبدع منذ فجر التاريخ. لكن الأزمة الحقيقية تولد من رحم هذه "الترس الممسوخ" لآلات الدعاية الإلكترونية. لقد جرى تسليع النص الأدبي بدم بارد، وتحول من أثر باقٍ يمس الوجدان إلى مجرد سلعة استهلاكية سريعة الصلاحية، تخضع لمنطق "التريند" الأعمى والمعارك الافتراضية، بدلاً من أن تُحاكم إلى معايير الجمال الفني والبناء السردي المتماسك.
هذا الواقع المربك وضعنا أمام شرخ عميق وفجوة هائلة بين نموذجين في عالمنا الثقافي:النموذج الأول: صاحب المشروع الأدبي الحقيقي وهو ذلك المبدع والمثقف الذي يتعامل مع الكتابة كرحلة عمر، ومشروع مستدام ينضج على نار هادئة بالخبرة والقراءة والقلق المعرفي.
الرواية أو القصيدة عنده لا تولد إلا بعد مخاض فكري طويل ومعاناة حقيقية، لتضاف إلى رصيد يبني جسراً من الثقة والمكاشفة مع قارئ نوعي، يبحث عن العمق لا التسلية العابرة.النموذج الثاني: الظاهرة الرقمية العابرة وهو "الكاتب المؤقت" الذي تصنعه المجموعات الافتراضية وحملات الترويج المدفوعة والممولة.
هذا النمط من الكتاب لا يشغله تطوير أدواته أو صقل لغته، بقدر ما يشغله إرضاء مزاج الخوارزمية الرقمية. إنه يكتب وعينه تترصد ما يطلبه "جمهور الشاشة الحالية"، فيقدم نصوصاً مجتزأة، وسرديات مسطحة تدغدغ العواطف السطحية، دون أي عمق فكري أو تجديد لغوي يذكر.إن هذه الفخاخ الرقمية خلقت وهماً كبيراً اسمه "صناعة الأديب"، فصار حجم المتابعين وعدد الإعجابات "اللايكات" بديلاً زائفاً عن القيمة الإبداعية الحقيقية.
وبات تنظيم حفل توقيع صاخب تلتقط فيه الصور البراقة كافياً لمنح لقب "روائي" لمن لم يتقن بعد ألف باء السرد أو رسم الشخصيات! هذا التجريف الممنهج لا يحارب المبدع الجاد في رزقه ومكانته فحسب، بل يفسد بشكل مرعب ذائقة المتلقي الذي بات غارقاً في طوفان من النصوص المتشابهة والمكررة التي لا تترك أثراً بعد إغلاق الكتاب. بالتأكيد، لا نطالب الكاتب المحترف بأن يعيش في برج عاجي وينعزل عن العصر الرقمي، بل عليه أن يفهمه ويوظفه.
لكن الكارثة تكمن في الانبطاح التام أمام شروط السوق السطحية. الرهان الحقيقي اليوم يتطلب منا جميعاً شجاعة لكسر هذه الأصنام الوهمية، والعودة إلى مراجعة حقيقية لآليات التلقي. يجب أن نتذكر دائماً أن خلود النص وقيمته الفنية لا يقاسان أبداً بعدد النقرات الفورية أو الطبعات المتتالية في عام واحد، بل بمدى قدرته على الصمود في وجه عاديات الزمن، وتفكيك قضايا الإنسان بصدق، وعمق، وعفوية مبدعة.وهذا الوعي تحديداً، هو ما سيقودنا في المقال القادم إلى تفكيك سيكولوجية "قارئ الشاشة" المعاصر، ومعرفة كيف يفكر وكيف يتذوق ما يقرأ.
2ـ خوارزميات الشاشة وتجريف ذائقة القارئ المعاصر
إن الوجه الآخر والأكثر خطورة للأزمة يكمن في الطرف الأهم من معادلة الإبداع: "القارئ". إن الانتقال من "قارئ المطبوع" إلى "قارئ الشاشة" لم يكن مجرد تبديل بسيط في الوسيط، من الورق الملموس إلى البكسل المشع، بل كان زلزالاً حقيقياً ضرب سيكولوجية التلقي، وأعاد تشكيل طبيعة الوعي البشري، وغير تماماً طريقة تفاعلنا مع النص الأدبي.نحن نعيش اليوم، دون مبالغة، في ظل ديكتاتورية "ثقافة الشذرات"؛ تلك الوجبات الفكرية الخفيفة والنصوص المبتسرة السريعة.
وهي ثقافة لم تظهر بالصدفة، بل فرضتها خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي التي صُممت في مختبرات "سيليكون فالي" لغرض واحد: سرقة انتباهنا لأطول فترة ممكنة عبر بدعة "التمرير اللانهائي".
هذا الإدمان الرقمي الجديد فرخ لنا ما يمكن تسميته بـ "المتلقي الوميضي"؛ وهو ذلك القارئ المستعجل الذي اعتاد استهلاك الأفكار والمشاعر في ثوانٍ معدودة، وبات يعاني من تشتت انتباه حاد، وعجز شبه تام عن امتلاك "الصبر السردي".
وهنا تحديداً يرتطم الكاتب المحترف صاحب المشروع بجدار التحدي الوجودي. فالرواية الرصينة، أو المجموعة القصصية المحكمة، تتطلب من قارئها طقساً شبه مقدس من "العزلة الواعية"، وجهداً عقلياً حقيقياً لتفكيك شفرات اللغة، وتتبع مسارات الشخصيات الملتوية، واستيعاب التيمات الفلسفية والنفسية العميقة.
لكن "قارئ الشاشة" المعاصر، المحاصر بوابل من الإشعارات والتنبيهات التي لا تتوقف، بات ينفر غريزياً من النصوص الطويلة والسرد المكثف؛ إنه يبحث عن النص "المباشر، السهل، والجاهز" الذي لا يكلفه عناء التأويل أو التفكير. هذا التجريف الممنهج لذائقة المتلقي لم يمر بسلام، بل ترك ندوباً واضحة وتشوهات وخيمة في جسد المشهد الأدبي، لعل أبرزها:
- استسهال اللغة واستباحتها: تراجعت جماليات البلاغة والتركيب اللغوي المبتكر لصالح "لغة فيسبوكية" دارجة، يومية ومسطحة، تُبرر دائماً بذريعة واهية وهي "القرب من الجمهور ومواكبة العصر".
- سيادة السطحية واغتيال العمق: تم استبدال الصراع الدرامي المركب والنضج النفسي للشخصيات بقوالب ميلودرامية جاهزة، فاقعة وصادمة، هدفها الوحيد إثارة الغرائز العاطفية السريعة وتحقيق أعلى نسبة تفاعل ولحظات "تريند" عابرة.
- تحول النقد إلى انطباعات شخصية مجتزأة: غابت القراءة النقدية المنهجية التي تشرّح النص، وحلت محلها "الريفيوهات السريعة" في مجموعات القراءة الافتراضية، وهي قراءات تافهة في الغالب تعتمد على منطق "أعجبني ولم يعجبني" أو "نجمتين من خمسة"، دون أي وعي ببنية النص الأدبي أو أدواته الفنية.هذا التحول السلوكي الحاد يضع المبدع الحقيقي اليوم في مأزق مالي ونفسي لا يُحسد عليه. فهل يرضخ لشروط الخوارزمية الصماء ويقوم بـ "تمييع" نصه وتبسيطه ليغازل ذائقة جيل الشاشات ويضمن لنفسه مكاناً في السوق؟
أم يصر على رصانة مشروعه الفكري والجمالي ويخاطر بالانعزال، والعيش مغترباً في برج عاجي لا يطرق بابه أحد؟الرهان الحقيقي للكاتب المحترف يكمن في ما أسميه "المقاومة الإبداعية"؛ وهي تلك المعادلة الصعبة والقدرة الفذة على تطويع أدوات العصر الحديث دون التفريط بمليم واحد من عمق الطرح وقيمة النص الفنية. إن على الأدب أن يظل، رغماً عن أنف الخوارزميات، مساحة للمساءلة، والقلق، والتأمل، وملاذاً أخيراً يحمي الإنسان من التسطيح الرقمي المستمر الذي يهدد إنسانيته، وهذا التحدي الشرس يفرض علينا سؤالاً حاسماً وحارقاً: أين يقف النقد الحقيقي؟
وأين هي المؤسسات الثقافية الرسمية لحماية القيمة الإبداعية في مواجهة هذا الطوفان الجارف؟
3ـ مستقبل القيمة.. أين يقف النقد والمؤسسة الرسمية؟
إن السؤال المصيري الحاسم: كيف يمكننا حماية القيمة الفنية للأدب الرصين في مواجهة هذا الطوفان الرقمي الجارف؟ ومن يملك اليوم سلطة الفرز وإعادة توجيه بوصلة الوعي؟إن محاولة الإجابة عن هذا السؤال تضعنا مباشرة أمام حقيقتين غائبتين -أو
متراجعتين- في المشهد الثقافي الراهن: أزمة النقد المنهجي، وغياب الدور الفاعل للمؤسسات الرسمية.لقد انسحب النقد الأكاديمي الرصين، وانزوت صحافة المجلات الثقافية المتخصصة لسنوات طويلة داخل أبراجها العاجية، تاركةً الفضاء الافتراضي الشاسع ليدار عبر "انطباعات القراء العابرة" (الريفيوهات السطحية) وعلاقات "الشللية" والمجاملات المتبادلة على منصات التواصل.
هذا الانسحاب ترك فراغاً مرعباً؛ فغياب الناقد الحقيقي -الذي يمتلك أدوات التفكيك والتحليل، ويوضح للمتلقي مواطن الجمال والضعف في النص- جعل معيار "الانتشار الرقمي" هو البديل الزائف لمعيار الجودة الفنية.لذلك، فإن أولى خطوات المقاومة الثقافية تبدأ من "إحياء النقد والمواكبة الفورية".
لا يمكن للناقد اليوم أن ينتظر شهوراً أو سنوات ليدبج دراسة أكاديمية ثقيلة عن عمل أدبي؛ بل عليه أن ينزل إلى ذات الميدان الرقمي الذي يوجد فيه القارئ، ليقدم قراءات رصينة ومبسطة في آن واحد، تفضح زيف النصوص الهشة، وتُبرز الأعمال العميقة المظلومة دعايةً وتسويقاً.
أما الضلع الثاني والأهم في معركة الوعي هذه، فهو "المؤسسة الثقافية الرسمية للدولة ومجلاتها النوعية". وهنا تحديداً يبرز الدور التنويري لـ منصة ومجلة "مصر المحروسة". إن المجلات التابعة لوزارة الثقافة والهيئة العامة لقصور الثقافة تملك ميزة كبرى: هي لا تخضع لمنطق السوق التجاري الجاف، ولا تبحث عن الربح المالي أو "التريند" الزائف؛ بل هي، بحكم دورها، ملاذ القيمة وحصن الإبداع الحقيقي.
إن مستقبل القيمة الثقافية يفرض على هذه المؤسسات الرسمية تبني استراتيجية مواجهة رقمية شاملة، لا تكتفي بمجرد الوجود، بل تعيد صياغة قواعد اللعبة من خلال:
- استقطاب القامات والمشاريع الراسخة: فتح الأبواب للكتاب المكرسين وأصحاب الخبرة والإصدارات المتعددة، ليقودوا دفة المحتوى والتحرير، ويقدموا شهاداتهم وخبراتهم للأجيال الجديدة لحمايتها من التسطيح.
- خلق وسائط رقمية جاذبة: ألا تكتفي المجلات بنشر النص المكتوب بصيغته التقليدية الطاردة لجيل الشاشات، بل تطوع أدوات العصر عبر تحويل الدراسات النقدية المتميزة إلى "ملفات بصرية، ندوات رقمية، أو كبسولات معرفية وصوتية" تناسب طبيعة متلقي الشاشة دون المساس بعمق الطرح.
- صناعة أرشيف وطني دائم: تحويل هذه المنصات إلى بنوك معرفية رقمية تحفظ تاريخ الإبداع وتطوره وتجعله متاحاً بضغطة زر.إن السيولة الرقمية ليست شراً مطلقاً؛ بل هي وسيط محايد. والرهان لا يكمن في معاداة التكنولوجيا أو البكاء على أطلال الورق، بل في "أنسنتها وتطويعها" لصالح الفكر والإبداع الحقيقي. إن النص الأدبي الرصين، النابع من مشروع كاتب حقيقي، سيظل عصياً على الابتلاع الرقمي إذا ما وجد نقداً واقياً يحميه، ومؤسسة وطنية ترعاه وتثق بكتّابها الحقيقيين.
وبهذا الوعي الجماعي وحده، نعيد للاستماع الأدبي هيبته، وللإبداع قيمته السامية التي لا تبلى بمرور الزمن.
|