|
القاهرة 16 يونيو 2026 الساعة 11:44 ص

بقلم: سماح عبد السلام
تعد الدكتورة زينب سالم، أحد أبرز القامات الفنية التي أخلصت لفن الخزف على مدار نصف قرن، محولةً الطين بين يديها إلى لغة تعبيرية تتجاوز الوظيفة النفعية للآنية والفازة التقليدية. ومع تجاوزها لعمر السبعين، لا تزال روحها الفنية متقدة، حيث تعتبر أن لديها الكثير لتقدمه، وهو ما تجلى بوضوح في معارضها الأخيرة.
تعمل د. زينب سالم على تحرير الخزف من القوالب الصناعية، ففي معرضها "مائة طبق وطبق"، قدمت د. زينب رؤية مغايرة للطبق، حيث تمردت على فكرة الأطباق الصينية الملساء التي تفرضها ثقافة الصناعة الحديثة، معتبرة أن هذه الصناعة قد سلبت جزءًا من "حلاوة لمسة اليد" فالخزف برأيها فنًا إنسانيًا فى المقام الأول، لا يخضع لمجال الصدفة.
تفُضل العميد الأسبق لكلية الفنون التطبيقية بجامعة العاصمة، أن يكون الطبق خشنً لا أملس، فى إطار التعبير عن الفن الفطري. كما تمتلك الجرأة اللونية التى تدفعها لرفض الاعتماد على الطلاء الجاهز الموحد، ومن ثم قامت بإجراء أكثر من 200 تجربة لونية في الطلاء الزجاجي، مستعينة بخبرتها الطويلة لابتكار درجات لونية وملامس غنية.
أما عن آلية التشكيل فقد خرجت عن دائرة الطبق الصناعي المنتظم إلى أشكال يدوية غير منتظمة، مع توظيف الذهب والبلاتين في غير مواقعهما التقليدية على المناطق الخشنة.
لم تحصر الخزّافة زينب سالم نفسها فى مجال معين حيث تؤمن بأن الفنان الذى يحدد لنفسه خطًا أو فكرة معينة للعمل عليها لا يلتزم بها فى كثير من الأحيان، الخزاف يمارس عدة مجالات خلال العمل ومنها الرسم والتصوير والإنستاليشن ومن ثم نجد أن الفنان يفعل ما يحلو له دون التقيد بوسيط واحد.
تؤكد دائمًا أن الهوية الفنية تنبع من صدق الفنان وتجربته الحياتية، وليس من خلال النقل المباشر لموتيفات فرعونية أو إسلامية. وتوضح قائلة إنها ابنة بيئة ساحلية، لذا تحمل أعمالها ملامس الرمل وبحر طفولتها، فالفنان في نظرها هو من يرى ما لا يراه الآخرون ويصيغه من مخزونه الشخصي وتجاربه مع الطبيعة، كفترة تجسيدها للنخيل التي استمرت 15 عاماً بعد تأثرها بغابات النخيل في منطقة أبو النمرس.
لم يكن الخزف اختيارها الأول، إذ كانت تتمنى أن تكون رسامة أو مصورة، ولكن المصادفة قادتها لقسم الخزف بتوصية من الخزاف الكبير سعيد الصدر. ومع مرور الوقت، وجدت في "الطينة" فرشاة تعبر بها عن عشقها، مؤكدة أن الخزف يجمع بين "العلم" و"الإحساس".
وفى إطار مسيرتها الحافلة بالامتنان تعترف د. زينب سالم رحلتها بفضل أساتذتها الذين شكلوا وجدانها التقني والفني، وعلى رأسهم الراحل الدكتور صالح رضا الذي علمها الخزف من الألف إلى الياء، والدكتور محمد طه حسين الذي أثرى ثقافتها الفنية، والدكتور جمال حنفي الذي منحها الجرأة في استخدام اللون والفرشاة.
تظل تجربة زينب سالم نموذجًا ونبراسًا للفنان الصادق الذي يرفض التوقف، حيث تعتبر أن الأفكار هي المحرك الأول للعمل، وكلما نضج الفنان، زادت قدرته على تطويع خاماته لخدمة فكرته، لتظل رحلتها مع الخزف مستمرة طالما نبض بداخلها شغف الإبداع.


|