|
القاهرة 16 يونيو 2026 الساعة 11:42 ص

بقلم: د. حسين عبد البصير
لا تسقط الدول دائمًا بسبب هزيمة عسكرية. أحيانًا تسقط لأنها لم تدرك أن العالم قد تغيّر.
هكذا يمكن أن نقرأ قصة السلطان قانصوه الغوري ونهاية دولة المماليك في مصر. فالمشهد لم يكن مجرد معركة بين جيشين في سهل مرج دابق عام 1516، ولم يكن مجرد انتصار للعثمانيين على المماليك، بل كان لحظة تاريخية فارقة انتصر فيها المستقبل على الماضي، وانتصرت أدوات عصر جديد على أدوات عصر يحتضر.
عندما جلس قانصوه الغوري على عرش مصر، كانت القاهرة واحدة من أعظم مدن العالم. كانت مركزًا للتجارة والثقافة والعلم والدين. كانت مصر المملوكية تسيطر على طرق التجارة بين الشرق والغرب، وكانت ثرواتها تتدفق من الهند واليمن والحجاز والشام إلى أسواق القاهرة والإسكندرية.
لكن العالم خارج أسوار القاهرة كان يتغير بسرعة مذهلة.
في عام 1492 اكتشف كريستوفر كولومبوس العالم الجديد. وفي عام 1498 وصل فاسكو دا غاما إلى الهند عبر رأس الرجاء الصالح. وفي أوروبا كانت المدافع تتطور، والجيوش تتحول إلى مؤسسات حديثة، والدول المركزية تزداد قوة ونفوذًا.
أما دولة المماليك فقد ظلت أسيرة نجاحها القديم.
كان المماليك فرسانًا عظماء. وربما كانوا أفضل فرسان عرفهم العالم في العصور الوسطى. لكن المشكلة أن القرن السادس عشر لم يعد عصر الفرسان.
لقد أصبح عصر البارود.
وهنا تكمن المأساة.
كان المملوك يتدرب سنوات طويلة على ركوب الخيل واستخدام السيف والرمح. بينما كان جندي عثماني بسيط يحمل بندقية ومدفعًا قادرًا على تغيير مصير إمبراطورية بأكملها.
في تلك اللحظة التاريخية لم يكن الغوري يقاتل سليم الأول فقط.
كان يقاتل الزمن نفسه.
في مرج دابق وقف السلطان العجوز الذي تجاوز السبعين من عمره وهو يدرك أن معركة مصيرية تنتظره. كان يعرف أن خسارة الشام تعني اقتراب الخطر من مصر. وكان يعرف أن الدولة التي ورثها لم تعد بالقوة نفسها التي كانت عليها أيام الظاهر بيبرس أو الناصر محمد.
لكن ربما لم يكن يدرك أن المشكلة أعمق من ذلك كله.
كانت المشكلة أن النظام بأكمله أصبح جزءًا من عالم قديم يختفي تدريجيًا.
عندما دوّت المدافع العثمانية في مرج دابق، لم تكن مجرد أصوات حرب. كانت إعلانًا عن ميلاد عصر جديد.
انهار الجيش المملوكي، واختفى الغوري وسط الفوضى والدخان والغبار. لم يُعثر على جثمانه. وكأن التاريخ نفسه أراد أن يجعل نهايته رمزًا لنهاية عصر كامل.
اختفى الرجل.
واختفت معه دولة.
لكن ما حدث بعد ذلك أكثر إثارة للتأمل.
فبعد سقوط المماليك، لم تختف مصر. ولم تتوقف الحضارة المصرية. ولم تنتهِ القاهرة.
لقد أثبتت مصر مرة أخرى أنها أقدم وأقوى من الدول التي تحكمها.
سقط الفراعنة.
وسقط البطالمة.
وسقط الرومان.
وسقط العرب.
وسقط المماليك.
ثم سقط العثمانيون.
وبقيت مصر.
وهنا تكمن عبقرية التاريخ المصري.
فالدولة قد تنتهي، لكن الوطن يبقى.
ومن المفارقات العجيبة أن كثيرًا من المصريين اليوم يتذكرون طومان باي أكثر مما يتذكرون عشرات السلاطين المنتصرين. ذلك لأن الشعوب لا تحفظ أسماء المنتصرين فقط، بل تحفظ أيضًا أسماء الذين قاتلوا بشرف حتى النهاية.
لقد أصبح طومان باي رمزًا للمقاومة، وأصبح باب زويلة شاهدًا على اللحظة التي أُسدلت فيها الستارة على واحدة من أعظم التجارب العسكرية في التاريخ الإسلامي.
لكن الدرس الحقيقي لا يتعلق بالمماليك وحدهم.
إنه درس عالمي يتكرر في كل عصر.
فالإمبراطوريات لا تموت عندما تُهزم فقط، بل عندما تفشل في فهم المستقبل.
وهذا ما حدث للمماليك.
لقد امتلكوا الشجاعة.
وامتلكوا الخبرة.
وامتلكوا التاريخ.
لكنهم لم يمتلكوا القدرة على التغيير.
وفي النهاية، لا ينتصر الأقوى دائمًا.
بل ينتصر من يفهم العالم الجديد أولًا.
وهكذا لم تكن مرج دابق مجرد معركة.
كانت لحظة عبور كبرى بين عالمين.
عالم السيف.
وعالم البارود.
عالم العصور الوسطى.
وعالم العصر الحديث.
أما الغوري، ذلك السلطان الذي اختفى في غبار المعركة، فما زال يقف في الذاكرة التاريخية شاهدًا على حقيقة لا تتغير:
من لا يتغير مع الزمن، يبتلعه الزمن.هذا المقال يمكن أن يكون فصلًا افتتاحيًا لكتاب كامل بعنوان «الغوري: الأيام الأخيرة لدولة المماليك» يجمع بين السرد التاريخي والتحليل الحضاري العالمي، ويربط بين سقوط المماليك وتحولات العالم الكبرى من عصر العصور الوسطى إلى بدايات العصر الحديث.
|