|
القاهرة 16 يونيو 2026 الساعة 11:39 ص

بقلم: أمل زيادة
سكان كوكبنا الاعزاء،..
تجدد اللقاء وما أجمله لقاء...
يُقال إن العُمر مدرسةٌ لا تُغلق أبوابها، وإن الأيام معلّمٌ لا يملّ من التكرار، والإنسان في هذه المدرسة تلميذٌ يجلس منذ أن يفتح عينيه على الضوء أول مرة، حتى يُغمضهما على شيء يُشبه الحكمة أو ربما على سؤالٍ جديد لم يجد له جواباً. لكنّ ما لا يقوله أحدٌ بصوت عالٍ هو أن هذه المدرسة تأخذ أكثر مما تعطي، وأنك كلما ظننت أنك أتممت درساً، فتح أمامك باب لفصل لم تسمع به من قبل.
الحياة ليست كتاباً تقرأه من أوله إلى آخره وتضعه جانباً وقد فهمتَ ما فيه. إنها أقرب إلى نهر تغوص فيه؛ وكلما ظننت أنك أمسكت بتياره، اتجه نحو منعطف لم تحسب له حساباً. يتعلم الإنسان من الموقف الواحد دروساً عدة، ثم يأتيه موقف مشابهٌ في ثوب مختلف، فيجد نفسه مبتدئاً من جديد، كأن الخبرة السابقة لم تكن سوى تدريب على الدهشة.
والناس هم المادة الخام لهذا التعلم؛ كلُ وجه نلتقيه هو نص مفتوح، وكل علاقة تختبرها هي مرآةٌ تعكس ما فيك قبل أن تعكس ما في الآخر. تُعلّمك الأم ما لا تعلمه لك الكتب عن الحب الصامت والتضحية التي لا تنتظر شكراً. ويُعلّمك الصديق الذي خذلك ما لا تستطيع الفلسفة أن تُلقنه لك عن طبيعة البشر حين تضغط على مواضع الضعف فيهم. والغريب الذي قابلته دقائق في مكان عابر قد يترك فيك جرحاً أو نوراً يمكث عمراً.
غير أن المفارقة الكبرى هي أن هذا كله لا يفضي إلى اكتمال. فالإنسان يتعلم، نعم، لكنه يتعلم أيضاً أن ثمة ما لن يتعلمه أبداً. الطفل يُعلّمك الدهشة بعد أن كنتَ قد رأيتَ كل شيء. والشيخ الذي قضى عمره في التأمل يحدّثك بعيون الحائر لا عيون العارف. والعالم الكبير يُقر في لحظاته الصادقة بأن أسئلته باتت أكثر مما كانت عليه حين بدأ. المعرفة، يا صديقي، لا تملأ الوعاء إنها تُوسّعه، فيزداد الفراغ مع كل إضافة.
وقد كان سقراط أكثر الناس صدقاً حين قال: «إنما أعلم أنني لا أعلم.» لم يكن هذا عجزاً، بل هو ذروة ما وصل إليه بعد عمرٍ من الحوار مع أهل أثينا. فالحكيم الحقيقي ليس من يملك الإجابات، بل من يتقن صياغة السؤال، ومن تصالَح مع حقيقة أن القصور ليس عيباً فيه، بل هو جوهر الإنسان ذاته.
"الإنسان مسافر لا يبلغ المحطة الأخيرة، ومع ذلك يحمل زاده ويمشي وفي ذلك المشي بعض المعنى لا كله".
لا يكون هذا النقصان مصدر يأس؛ ففي نقصان المعرفة نعمةٌ مستترة. لو أننا عرفنا كل شيء لما احتجنا إلى بعضنا البعض. لو أن كلّ سؤالٍ وجد جوابه لانتهت الحكايات وصمت الشعراء وجفت الأقلام. ما يُبقي الإنسان حيّاً، حيّاً بالمعنى الحقيقي.. هو أنه لا يزال في منتصف الجملة، ولم يضع بعدُ نقطة الختام.
يعيش الإنسان إذن في فضاء بين ما تعلم وما لم يتعلم بعد، بين الخبرة المتراكمة والدهشة المتجددة. وكل موقف يمر به يضيف خيطاً إلى نسيجه الداخلي دون أن يكمل الصورة. إنه كمن يرسم لوحة على قماش لا حدود له؛ كل ضربة فرشاة تكشف عن مساحة بيضاء جديدة.
وفي النهاية، ربما لا يكون الهدف هو الاكتمال. ربما يكون الهدف هو أن تظل قادراً على التعلم، وأن تحتفظ بهدوءك وبقلب وعقل يقظ في مواجهة ما يفاجئك.
من تعلّم كيف يظل ناقصاً بكرامة، ويسعى بلا ادعاء، وينصت لمن حوله بأذن لم تصبح بعد ثقيلة الإصغاء هذا هو من اقترب، ربما دون أن يدري، من شيء يُشبه الحكمة.
من يتعلّم يعرف؛ ومن يعرف يعلم أنه لم يكتمل.
سكان كوكبنا الاعزاء،..
كونوا عل موعد دائما مع المعرفة، مع الحياة مع الغد الذي لا يمل من القدوم بما يحمل من جديد.
سكان كوكبنا الاعزاء،..
كل عام وأنتم بخير وجعل الله كل أيامنا تغمرها السعادة والأعياد والمعرفةوالنور.
|