|
القاهرة 16 يونيو 2026 الساعة 11:33 ص

بقلم: د. هويدا صالح
لم تعد المنافسة في صناعة الترفيه تدور حول إنتاج العمل الأطول أو الأضخم ميزانية، بل حول القدرة على اقتناص انتباه المشاهد في الزمن الأقصر. في هذا السياق برزت "المايكرودراما" الصينية بوصفها أحد أكثر التحولات إثارة في المشهد الإعلامي العالمي. لا أحد يتصور أن شكلا سرديا جديدا يقوم على حلقات لا تتجاوز دقيقة أو دقيقتين يخطف المشاهدين والمتعاملين مع رواد المنصات الرقمية المختلفة. هذه الدراما القصيرة المدهشة مصممة خصيصًا لشاشة الهاتف المحمول العمودية. كما أن هذه النوعية من الدراما القصيرة مناسبة لإيقاع الحياة المتسارع الذي لم يعد يترك للمشاهد رفاهية الجلوس لساعات أمام مسلسل أو فيلم.
لكن من هو الجمهور المستهدف من هذه الدراما القصيرة التي بدأت تجتاح العالم؟ إن جمهور هذه النوعية من الدراما الصينية هم رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وركاب قطارات المدن الكبرى، وأثناء فترات الاستراحة القصيرة، وقبل النوم بدقائق، وجدت هذه الأعمال جمهورها الطبيعي.
لكن ما الذي يجعل هذه النوعية من الدراما تحصد كل هذه المشاهدات المليارية، بل وتنافس هوليود أشهر مدرسة سينمائية في العالم؟ في الحقيقة ما منحها هذه الميزات أنها لا تطلب من المتلقي تفرغًا كاملاً، بل تتسلل إلى الفجوات الزمنية الصغيرة التي خلقتها الحياة الرقمية. ومن هنا جاءت قوتها الحقيقية: قدرتها على التكيف مع أنماط الاستهلاك الجديدة للمحتوى الرقمي.
وخلال سنوات قليلة فقط تحولت المايكرودراما من ظاهرة محلية إلى صناعة متكاملة. فقد شهد السوق الصيني نموًا استثنائيًا، إذ أُنتجت عشرات الآلاف من الأعمال خلال عام واحد، ووصل عدد المستخدمين إلى مئات الملايين، بينما تجاوزت قيمة السوق حاجز المئة مليار يوان. والأهم من الأرقام نفسها أن هذا القطاع بات يحقق عوائد تفوق ما تحققه السينما الصينية في شباك التذاكر، في مؤشر واضح على تغير عادات المشاهدة وانتقال مركز الثقل من الشاشة الكبيرة إلى الهاتف المحمول.
غير أن صعود المايكرودراما لا يرتبط فقط بتحول سلوك الجمهور، بل أيضًا بإعادة تعريف عملية الإنتاج ذاتها. فهل دخول الذكاء الاصطناعي على خط الإنتاج السينمائي الجديد وراء هذا الاختلاف وهذا التمايز الذي حققته الماكرودراما؟
في الحقيقة ما إن بدأ عام 2026 حتى دخل الذكاء الاصطناعي التوليدي بقوة إلى هذا المجال، ليصبح أحد أهم محركاته الاقتصادية والإبداعية. فقد ساهمت التقنيات الجديدة في تقليص زمن الإنتاج وخفض التكاليف بصورة غير مسبوقة، ما أتاح إنتاج أعمال تعتمد على المؤثرات البصرية وعوالم الخيال العلمي والفانتازيا والكوارث، وهي أنواع كانت تتطلب سابقًا ميزانيات ضخمة تفوق إمكانات هذا الشكل السريع من الإنتاج.
ولم يعد الذكاء الاصطناعي يقتصر على كتابة بعض المشاهد أو تصميم المؤثرات، بل امتد إلى ابتكار شخصيات رقمية كاملة تؤدي أدوار البطولة. وقد حققت بعض هذه الأعمال معدلات مشاهدة هائلة، ما دفع كثيرين إلى الحديث عن ولادة جيل جديد من المحتوى الهجين الذي تشارك في صناعته الخوارزميات إلى جانب البشر.
من خلال متابعتي لهذه النوعية من الأعمال الدرامية القصيرة والسريعة، اتضح لي أن التقدم التقني الذي تقف وراءه لا يوازي دائمًا مستوى التأثير الجمالي أو الإنساني الذي يفترض أن يحققه العمل الدرامي. فرغم سهولة الوصول إلى هذه المحتويات وسرعة إيقاعها وقدرتها على جذب المشاهد منذ اللحظات الأولى، فإن ثمة فجوة عاطفية يصعب تجاهلها. كثيرًا ما تبدو الشخصيات الرقمية وكأنها تؤدي أدوارها بكفاءة تقنية عالية، لكنها تفتقر إلى ذلك القدر من الحيوية والتلقائية الذي يمنح الشخصية حضورها الإنساني ويجعل المتلقي يتعاطف معها أو ينفعل بمصيرها. وقد لاحظت أن بعض المشاهد المؤثرة دراميًا تفقد جزءًا من قوتها بسبب جمود تعبيرات الوجوه أو افتعال الانفعالات. وهنا تبرز إحدى المعضلات الأساسية التي لا يزال الذكاء الاصطناعي يواجهها؛ فإعادة إنتاج الملامح البشرية أمر ممكن تقنيًا، أما إعادة إنتاج الخبرة الإنسانية بكل تعقيداتها النفسية والعاطفية فما تزال مهمة أكثر صعوبة.
لكن إذا كانت الصين قد نجحت في بناء سوق محلية ضخمة، فإن الإنجاز الأكثر إثارة يتمثل في قدرتها على تصدير هذا النموذج إلى العالم. فاليوم تنتشر مئات التطبيقات المخصصة للمايكرودراما الصينية خارج حدود البلاد، وتحقق تنزيلات بمئات الملايين وعوائد مالية تتزايد بوتيرة متسارعة.
غير أن نجاح هذه الأعمال عالميًا لم يكن نتيجة الترجمة اللغوية وحدها، بل جاء ثمرة استراتيجيات أكثر تعقيدًا. فبعض الشركات اتجه إلى إنتاج أعمال محلية بالكامل داخل الأسواق المستهدفة، مستخدمة ممثلين وموضوعات تتناسب مع البيئة الثقافية للجمهور الغربي. وفي المقابل اختارت شركات أخرى الحفاظ على الهوية الثقافية الصينية، مع تكييف محدود يسمح بعبور العمل إلى جمهور دولي دون أن يفقد خصوصيته.
هنا تتجاوز الظاهرة بعدها الاقتصادي لتصبح حالة ثقافية تستحق التأمل. فالتدفق لم يعد أحادي الاتجاه كما كان الحال لعقود طويلة حين كانت المنتجات الثقافية الغربية هي المصدر الأساسي للصور والقصص والرموز المتداولة عالميًا. المايكرودراما الصينية تقدم نموذجًا مختلفًا؛ فهي لا تصدر الترفيه فحسب، بل تنقل معها عناصر من الثقافة المحلية، بما في ذلك الحرف التقليدية والملابس والمأكولات والرموز الجمالية. وقد أظهرت بعض الحالات أن ظهور قطعة تراثية أو منتج ثقافي داخل إحدى هذه الأعمال كان كافيًا لإثارة فضول المشاهدين في بلدان أخرى والبحث عنه واقتنائه.
أما على مستوى الجمهور، فتكشف البيانات أن المايكرودراما لا تُشاهَد غالبًا بوصفها عملاً يُنتظر بشغف أو يُتابع بانتظام، بل باعتبارها محتوى عابرًا يفرض نفسه عبر الخوارزميات. فغالبية المشاهدين يصلون إليها أثناء التصفح اليومي، ويتعاملون معها كوسيلة سريعة للترفيه أو للهروب المؤقت من ضغوط الحياة. لذلك ليس من المستغرب أن تكون أكثر الموضوعات رواجًا هي قصص الانتقام والثراء المفاجئ والصعود الاجتماعي والتقلبات الدرامية الحادة؛ وهي موضوعات تمنح المتلقي جرعة فورية من الإثارة دون الحاجة إلى بناء نفسي أو سردي طويل.
ومع ذلك، فإن أكبر نقاط الضعف لا تزال كامنة في النصوص نفسها. فكلما ازداد اعتماد الصناعة على الذكاء الاصطناعي، ازدادت المخاوف من تكرار الحبكات واستنساخ القوالب الجاهزة. فالتعلم من ملايين النماذج السابقة قد ينتج كفاءة إنتاجية عالية، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى نوع من التجانس السردي الذي يفقد الأعمال فرادتها ويجعلها تدور في الحلقة نفسها من المفاجآت المتوقعة والنهايات المتشابهة.
وتظهر المشكلة ذاتها في نموذج الربح. فعلى الرغم من معدلات المشاهدة الضخمة، ما يزال معظم المستخدمين مترددين في الدفع مقابل هذا النوع من المحتوى. وهو ما يطرح سؤالاً جوهريًا حول مستقبل الصناعة: هل تستطيع المايكرودراما أن تتحول من ظاهرة جماهيرية إلى نموذج اقتصادي مستدام؟
في النهاية، لا تمثل المايكرودراما مجرد امتداد لهيمنة الفيديو القصير، بل تعكس تحولًا أعمق في طبيعة الثقافة الرقمية نفسها. إنها مساحة تتقاطع فيها الخوارزميات مع السرد، ويتجاور فيها الذكاء الاصطناعي مع الخيال البشري، وتتداخل فيها الاعتبارات التجارية مع أسئلة التأثير الثقافي العالمي.
ولعل أهمية هذه الظاهرة لا تكمن في أرقام المشاهدة وحدها، بل في كونها تقدم لمحة مبكرة عن مستقبل صناعة الترفيه: مستقبل تصبح فيه الدقائق القليلة قادرة على منافسة الساعات الطويلة، ويصبح الهاتف المحمول مسرحًا عالميًا جديدًا تتشكل فوق شاشته أنماط السرد والذائقة والتأثير الثقافي في القرن الحادي والعشرين.
|