القاهرة 11 يونيو 2026 الساعة 01:16 م

بقلم: محمد خضير
في مشهد فني يعكس حيوية الحركة التشكيلية المصرية وتنوع تجاربها المعاصرة، افتتح الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، معرض «أرشيف» للفنانة التشكيلية والمعالجة بالفن خلود حسني بقاعة صلاح طاهر بدار الأوبرا المصرية، وسط حضور لافت من الفنانين والأكاديميين والنقاد والشخصيات العامة المهتمة بالشأن الثقافي والفني.
ويحمل معرض «أرشيف» أهمية خاصة في مسيرة الفنانة، إذ يمثل المعرض الفردي الحادي عشر لها، مؤكداً حضورها المتنامي كإحدى التجارب النسائية المميزة في الفن التشكيلي المصري المعاصر، حيث نجحت في بناء مشروع فني متكامل يجمع بين الممارسة الإبداعية والبحث الأكاديمي وتطبيقات العلاج بالفن، في صيغة تمنح أعمالها خصوصية فكرية وإنسانية واضحة.
ويأتي المعرض امتداداً لمشروعها الفني والإنساني الذي ينشغل باستكشاف الذاكرة الفردية والجماعية، والعلاقة المعقدة بين التجربة الإنسانية وأثرها المستمر داخل الجسد والوجدان. فمن خلال مجموعة من الأعمال التي تتسم بعمقها المفاهيمي وجمالياتها البصرية، تطرح الفنانة تساؤلات حول ما يبقى في الإنسان بعد انتهاء الأحداث واختفاء التفاصيل، وكيف تتحول الخبرات الحياتية إلى آثار كامنة تشكل ملامح الشخصية والوعي والذاكرة.
ويرتكز «أرشيف» على مفهوم فلسفي وإنساني بالغ الأهمية هو «الجسد الذي يتذكر»، حيث تقدم الفنانة الجسد بوصفه أرشيفاً حياً يحتفظ ببصمات التجارب الإنسانية المختلفة، من الفرح والألم والخوف والفقد والشفاء، لتصبح تلك الخبرات جزءاً من البنية النفسية والوجدانية للإنسان، حتى وإن غابت تفاصيلها المباشرة عن الوعي اليومي.
وتعتمد الأعمال المعروضة على لغة بصرية ثرية تجمع بين التعبير التجريدي والإيحاء الرمزي، بما يفتح المجال أمام المتلقي للمشاركة في عملية التأويل واكتشاف طبقاته الخاصة من الذاكرة والتجربة. فالفنانة لا تقدم سرداً مباشراً للأحداث، بل تخلق فضاءات تشكيلية تستحضر المشاعر والآثار المتبقية منها، وكأن كل لوحة تمثل وثيقة وجدانية تحفظ ما عجزت الكلمات عن تسجيله.
وتستمد خلود حسني خصوصية تجربتها من خلفيتها العلمية والفنية المتنوعة؛ فهي خريجة المدرسة الألمانية، وحاصلة على بكالوريوس الفنون من جامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب (MSA) بالتعاون مع جامعة Bedfordshire بالمملكة المتحدة، كما نالت درجة الماجستير في تصميم المناظر للسينما والمسرح، إلى جانب دبلومة متخصصة في العلاج بالفن، وهو ما انعكس بوضوح على طبيعة أعمالها التي تجمع بين الحس الجمالي والبعد النفسي والإنساني.
وخلال مسيرتها الفنية قدمت عشرة معارض فردية سابقة، وشاركت في العديد من المعارض والفعاليات الفنية داخل مصر وخارجها، وحصدت تسع جوائز فنية، فضلاً عن تكريمها ضمن قائمة أفضل النساء لعام 2026 تقديراً لإسهاماتها المؤثرة في مجالي الفن والعلاج بالفن، ولدورها في توظيف الفنون البصرية كأداة للتعبير والدعم النفسي وتمكين المرأة.
كما أسست الفنانة منصة «شباكها»، التي تعد أول منتدى متخصص في العلاج بالفن يهدف إلى دعم الصحة النفسية وتعزيز الوعي بأهمية الفنون كوسيلة للتواصل والتعافي والتعبير الإنساني، وهو ما يعكس إيمانها العميق بالدور المجتمعي للفن وقدرته على تجاوز حدود العرض الجمالي ليصبح أداة للتنمية الإنسانية.
ويؤكد معرض «أرشيف» أن الفن التشكيلي المعاصر لم يعد مجرد ممارسة جمالية، بل أصبح مساحة رحبة للحوار مع الذات والذاكرة والتاريخ الشخصي، حيث تنجح خلود حسني في تحويل التجارب الإنسانية العابرة إلى صور بصرية باقية، تمنح المشاهد فرصة للتأمل في أرشيفه الخاص، واستعادة ما اختزنته الروح من مشاعر وذكريات تركت آثارها العميقة في تشكيل الوعي الإنساني. ومن هنا تتجاوز الأعمال حدود اللوحة إلى فضاء أوسع، يصبح فيه الفن شاهداً على الإنسان، وذاكرةً تحفظ ما تعجز السنوات عن محوه.


