|
القاهرة 09 يونيو 2026 الساعة 12:56 م

د. هويدا صالح
ثمة روايات تتجاوز زمنها التاريخي فتبدو، رغم مرور أكثر من قرن على كتابتها، وكأنها تتحدث عن الإنسان المعاصر وهواجسه وأسئلته. ومن هذه الأعمال رواية "بينوني" للكاتب النرويجي كنوت هامسن، الصادرة عام 1908، والتي تكشف منذ صفحاتها الأولى عن قدرة لافتة على النفاذ إلى أعماق النفس البشرية ورصد تقلبات المصير الإنساني بعيدًا عن الزخارف السردية أو الأطروحات الفكرية المباشرة.
تدور أحداث الرواية في قرية ساحلية صغيرة بشمال النرويج، في عالم يبدو للوهلة الأولى بعيدًا عن تعقيدات الحداثة وصخبها. مجتمع محدود الموارد، بسيط العلاقات، تتحكم فيه الطبيعة أكثر مما تتحكم فيه المؤسسات أو الأفكار الكبرى. غير أن هامسن ينجح في تحويل هذا الفضاء المحلي الضيق إلى مسرح إنساني واسع، تتجسد فيه أسئلة الطموح والحب والسلطة والكرامة والخسارة.
لا تكمن أهمية الرواية في موضوعها فحسب، بل في الطريقة التي عالج بها هامسن هذا الموضوع. فالرواية كُتبت في مرحلة كانت الواقعية الأوروبية قد بلغت نضجها، وكانت الرمزية والتيارات الحداثية تشق طريقها إلى الأدب، لكن هامسن اختار مسارًا مختلفًا. فهو لا يغرق في الوصف الخارجي التقليدي، ولا يلجأ إلى الرموز المغلقة أو الإشارات المتكلفة، بل يركز على الحياة الداخلية للشخصيات، وعلى ذلك التوتر الدائم بين ما يريده الإنسان وما تسمح له به الحياة.
ومن هنا يُنظر إلى هامسن بوصفه أحد الرواد الذين مهدوا لظهور الرواية النفسية الحديثة. فالشخصيات عنده لا تتحرك وفق وظائف سردية جاهزة، وإنما وفق دوافع نفسية معقدة ومتغيرة. إنها شخصيات حية تتردد وتتراجع وتحلم وتخطئ وتندم، وهو ما يمنحها صدقية إنسانية تجعلها قريبة من القارئ مهما اختلف الزمان والمكان.
يقدم هامسن بطله بينوني بوصفه رجلًا من عامة الناس، قوي البنية، واسع الطموح، يمتلك طاقة استثنائية على العمل والمغامرة. لكنه في الوقت نفسه يحمل هشاشة عاطفية عميقة ستصبح المحرك الأساسي للأحداث. فالرواية ليست في جوهرها قصة صعود اجتماعي بقدر ما هي قصة افتتان وحب وإخفاق.
يبدأ بينوني حياته في موقع اجتماعي متواضع، ثم تتغير أحواله تدريجيًا حتى يصبح من أبرز رجال القرية وأكثرهم ثراءً. غير أن النجاح الاقتصادي لا يحقق له ما كان يطمح إليه حقًا. فالحلم الأكبر بالنسبة إليه ليس المال ولا النفوذ، بل الزواج من روزا، المرأة التي أحبها وجعل منها محور مستقبله كله.
هنا يكشف هامسن عن إحدى أهم ثيمات الرواية: هشاشة الأحلام الإنسانية. فبينوني يبني منزله، ويشتري الأرض، ويهيئ تفاصيل حياته الجديدة انتظارًا للحظة الزواج، لكن روزا تفاجئه بالارتباط بغيره. وفي هذه اللحظة تحديدًا تتحول الرواية من سردية نجاح اجتماعي إلى دراما نفسية عميقة عن الخيبة والانكسار.
ومع أن بينوني يمر بلحظات يأس قاسية تدفعه إلى التفكير في الانتحار، فإن الرواية لا تستسلم لمنطق التراجيديا الكاملة. فالبطل ينهض من جديد، ويواجه خساراته، ويواصل حياته رغم الجرح الذي لا يندمل. وهنا تكمن فرادة الشخصية؛ إذ لا يصنعها النجاح بقدر ما تصنعها قدرتها على احتمال الفشل.
ويتميز البناء السردي للرواية بقدرة لافتة على التقاط التحولات الاجتماعية الدقيقة. فالزمن عند هامسن ليس مجرد إطار للأحداث، بل قوة فاعلة تعيد تشكيل العلاقات والمكانات والمصائر. المهمش يصبح نافذًا، والغني يفتقر، والعاشق يتحول إلى رمز للصبر والوفاء، فيما تتبدل مواقف الآخرين تبعًا لموازين القوة والثروة.
أما روزا، فلا تظهر بوصفها شريرة أو خائنة بالمعنى التقليدي، وإنما كشخصية إنسانية معقدة أسيرة لتردداتها وحساباتها الخاصة. ولذلك يتجنب هامسن الأحكام الأخلاقية المباشرة، مفضلًا تقديم شخصياته بكل تناقضاتها وضعفها الإنساني. وهذا ما يمنح الرواية طابعها الواقعي العميق.
ومن الجوانب اللافتة أيضًا نجاح الكاتب في رسم الشخصيات الثانوية. فهذه الشخصيات لا تؤدي دورًا تكميليًا فحسب، بل تسهم في بناء المناخ النفسي والاجتماعي العام للرواية، بحيث يبدو عالم سيريلوند متكاملًا ومقنعًا بكل تفاصيله الصغيرة.
وربما كان أكثر ما يميز «بينوني» هو تلك النبرة الإنسانية الهادئة التي تسري في ثنايا النص. فالرواية لا تحتفي بالثروة، ولا تمجد النجاح الاجتماعي، ولا تدين الفشل بصورة مطلقة. إنها تنحاز إلى الإنسان نفسه، إلى قدرته على الاستمرار رغم الهزائم، وإلى احتفاظه بقدر من النبل حتى في أكثر لحظات الخسارة إيلامًا.
ويبدو أن هامسن قد منح بطله شيئًا من خبرته الشخصية؛ فهو نفسه عرف حياة العمل الشاق والترحال والتنقل بين المهن المختلفة قبل أن يصبح أحد أبرز كتاب أوروبا ويحصل لاحقًا على جائزة نوبل للآداب عام 1920. وربما لهذا السبب جاءت شخصية بينوني مشبعة بذلك التعاطف العميق مع الإنسان البسيط الذي يصنع مصيره بجهده وإصراره.
تنتهي الرواية نهاية مفتوحة تمهد للرواية اللاحقة «روزا»، لكن هذه النهاية لا تؤدي وظيفة فنية فحسب، بل تعكس رؤية هامسن للحياة ذاتها؛ فالحكايات لا تنتهي حقًا، والمصائر تظل مفتوحة على احتمالات جديدة، والإنسان يبقى قادرًا على الحلم حتى بعد أن يظن أن كل شيء قد انتهى.
بعد أكثر من قرن على صدورها، ما تزال «بينوني» رواية قادرة على إثارة التعاطف والتأمل. فهي ليست مجرد حكاية عن قرية نرويجية نائية، بل رواية عن الإنسان في كل مكان؛ عن أحلامه التي تكبر، وخيباته التي تلاحقه، وقدرته المدهشة على مواصلة الطريق رغم كل ما يفقده في أثناء الرحلة.
|