|
القاهرة 09 يونيو 2026 الساعة 12:54 م

بقلم: د. أدهم مسعود – سوريا
اختارت الشاعرة أن تشيد معمارية أشعارها على قالب الهايكو الشعري، فأعلنت أنها:
"للخروج عن المألوف
أكتب هايكو
من وحي قلبي".
هي تريد عشقًا وغناء ترسله من دون صنعة، بعدما فاض الحزن في روحها، ولم يبق لها سوى سكن الحنين والتوق للرحيل، تريد أن تعبر إلى العوالم اللامتناهية عن طريق سرديات قصيدها المصغرة.
أما أفكارها فتقدّمها طازجة، تحاول أن تؤرّخ للّحظات تعيشها بلادها، تذكر الحجْر الصحي في زمن الجائحة، وتشير إلى سنونوات الربيع المزهر التي لن تتذكرها، لأنّها اُستبدِلت بضوضاء الحاضر، لقد حاولت الشاعرة أن تخلق الدهشة لقارئها، وأن تحفّزه ليسأل، ليرى من جديد، ليعيد صياغة حواسه، فيغدو قادرًا على إدراك عالم أضحى أقرب للغرائبية والفانتازيا، لقد وضعتنا أمام سؤال البلاغة الصعب عن كيفية الاستدلال بالروح على طريق الغوص في الكلام، لاسيّما إذا كان الكلام مراوغًا!
يتوهّج شعر فاديا سلوم، ويومض مثيرًا الجدل حول الجمال، ولعلّ مصدره هو الأسئلة المستبطنة في متن نصّها الشعري، أسئلتها المتعلقة بالوجود والموقف منه، أسئلة تشي بقلق الكتابة إزاء العالم، فهي تريد من العقل أن يتنحى في زمن اللامعقول، ما يحتاجه زمن الكوارث هو الحب المستمد من العواطف لا من حسابات الربح والخسارة العقلية.
وتتسرب المعاني حرة في شعرها، مانحة الفراغات في نصها اهتمامًا، ومشاركة القارئ بفعل الإبداع مبدأ، فكتبت:
"حجر صحي!
أما زالت تعمل
إشارات المرور؟".
يستنتج القارئ طول بقاء الذات الساردة أو الشاعرة في البيت، أما الانحرافات والفجوات عن المعاني المباشرة فهي رسائل لعقل القارئ، فها هي ذي تقول إنّها: "من شرفتها تحسّ بقلوب تنبض خلف النوافذ، أما داخلها فـ: "حبس اختياري.. كل ما أفتقده همسك" تاركة فجوة ممثلة بعجز الحبيب في زمن تحتاج إلى حبّه، وتتابع في إضفاء أجواء الغربة والموت والوباء والغضب وإعصار التنين ونزيف النور في زمن الظلمة:
"غربة وطن
خلف نافذة بيتي،
تبدو الحياة، وكأنها تموت
/ وباء عالمي..
يوحد العالم
دين الإنسان/
ربيع غاضب،
على عتبات الشتاء
إعصار التنين
نزيف من نور
عند قطف الوردة
لن تنزف دمًا/"
وماذا تنزف غير الدم في زمن الجريمة؟ تستشرف الشاعرة المستقبل، فحين اكتمال هدم عالم الفساد والموت، سيبدأ البناء، حينئذ تلتئم جراح الوردة ولن تنزف سوى عبيرها.
هل تريد الشاعرة إعادة خلق الوجود، حين كتبت:
"صنجات –
معزوفة الطبيعة على خيام اللاجئين-
أمطار كانون"؟
أأرادتها معزوفة موت لهؤلاء اللاجئين أمام سكوت العالم المهين، أم امتزجت روحها الشاعرة بروح المهجّرين على الرغم من المسافات؟!
"الروح تشعر بالروح
والمسافات
تعذيب"،
تريد أن تجعل الوجود في حالة من الغليان رفضًا للوحدة، فهي تواقة لـ:
"سورالحديقة،
ما زال مرتعًا
لذكريات العاشقين".
التي جمعت قلبين، حين كانا يجتمعان:
"عند الأبواب،
يحلو الكلام
وهمس الوداع".
ليس فقط ترفض الوحدة، بل ترفض السكون الذي يعيشه المرء وسط الموت، فليس أمامها سوى الذكرى:
"قرب شجرة الياسمين،
أسمع تنهيدات
جدتي وحكاياتها"؛
إذ لا تستقيم الحياة، إلّا إذا كانت مليئة بالحكايات.. كم تتمنى فاديا سلوم أن تعود إلى:
"شارعنا القديم/
هبة نسيم ثانية/
وأستعيد عبق السنين".
إنّها ترفض التماثل في أيامها المملة، وها هي ذي تحاكي طبائع التغير فـ:
"كلما اهتزت أغصان شجرة
أتذكر يدًا
ودعتني للأبد".
دفق من صور جمالية تتجاوز المألوف:
"حقل البرسيم
نفحة أخيرة، وتمنح سر الحياة،
قطة هاربة".
وزهرة الأقحوان المتوجة بشمس الصباح؛ إذ تلج الشاعرة معنا في فضاءات تخييلية، رافضة الإذعان لتهويمات حياتنا المعيشة. ثمّ قدمت الشاعرة الماضي العالق بحنايا قلبها، فاستعادت الشارع القديم وعبق السنين الخوالي مع الجدة وشجرة المشمش...، الماضي الذي يتعارض مع الحاضر؛ حيث اللجوء والموت والحظر والتهجير...، قدّمت مفهوم العدم مع عتبات الشتاء، وتعارضه مع الوجود الحي في ربيع غاضب، ثنائيات متضادة عالجتها فاديا سلوم بين النور والظلمة، الغربة والحنين، ثم نسجت ميتافيزيقيا الشعر بالأرضي المعيش، فساءلت شجرة المشمش المنتصبة أمام مدرستها الابتدائية عن تحوّلها من جماد إلى حياة، وتخيلتها فتاة تعلمت القراءة:
أمام مدرستي الابتدائية
ألم تتعلمي القراءة بعد
يا شجرة المشمش.
إن شاعرتنا هي: حلم الأمس المعلّق على قمة صخرة عالقة بروحها الهائمة بالذكريات والحنين إلى الرحيل،
ما هذا يا فاديا؟ كيف استطعت أن تعلقي حلمًا عتيقًا فوق صخرة الروح؟ وما ينقصك لتعتقي روحك من الماضي والحنين؟ أين أجنحتك التي تستحوذين عليها؟ حلّقي بها عاليًا يا فاديا، حلّقي وانظري نحو الأرض من عليائك، دعيها تصغر وتصغر وتصغر،
وإن كانت الشاعرة قد أرادت - كما أسلفنا - ولوج الشعر من باب الهايكو، لكنّها غاصت في موروثنا الشعريّ، فوجع قلبها، والإشراق، وإقالة العقل لصالح العواطف، ومن وحي قلبها، قصيدة العشق، نفحة الحياة، قلوب تنبض، غربة، نزيف النور، الروح التي تشعر بالروح، نزف الحنين، ونور قلبي..." كلها ألفاظ وعبارات ومعانٍ ودلالات مستمدة من الموروث الإسلامي الصوفي، وظّفته الشاعرة في متن نصّها، وهي تثب في درب خلاصها من ماضٍ ثقيل وحاضر تغمره الدماء، تثب بالكلمة الثائرة، باحثة عن إيقاع متسارع للتحرّر من حلم الأمس وعتم الحاضر!
كوّنت الشاعرة بنية قصيدها من تشكيل جماليّ معروف بالهايكو الياباني، كما نوهنا، واستطاعت أن تحمّل أنساقه رؤىً تعيشها واقعًا، وإن كان مصدر التخييل الشعري لديها - أحيانًا - هو الخيال الأولي تعالقًا مع مشكلات الناس؛ مما أدّى لتكون لغتها مرجعية، إلّا أنها في كثير من مواقع النص كان الواقع يغيب عن وعيها، وتصيغه من وحي الخيال الشعري، فتعيد تكوين الوجود كتابة إبداعية، تتسم بالاقتصاد اللغوي، والتبئير، والتكثيف الدلالي، واللمحات الخاطفة، حتى تجعل القارئ يستقبل النصّ مصقولًا كمعدن الماس وشفافية سطح ماء زلال ونقاء الكريستال، وعلى الرغم من تفتت المعاني في ساح قصيدها وتناثرها، لكنها كانت تباغت قارئها بومضات روحية تنير فيها الخواء المتغلغل في صفحات وجوده.
قراءة نصّ فاديا سلوم، بمرتبة مونولوج مع الروح الوثابة نحو التسامي علوًا، يحمل نورًا يخترق القلب، في عالم ينحدر نحو العدمية والانحطاط الخلقي، هي تكتب كشّفًا لغويًّا من دون زيف أو تضليل أو جهل أو سخافة يتسم بها بعض وجوه المناصب في هيئات ثقافوية تسهم في ترسيخ التخلف والقهر والفساد، وجوه مقيتة متثاقفة، تتماهى مع أحذية العسكر، تكتب لغة تسجن قارئها في كهوف جهلهم، لغة معتمة كسيرة الروح، تفتقر للدهشة التي تتسم بها لغة شعراء الألفية الثالثة، شعراء يبحثون عن حيوية الإبداع ونورانية الجسد وحرية الكلام المعبّر عن جموح الروح وصهيلها نحو المستحيل..
لقد كسَرت فاديا سلوم فذلكات نقد أجيال ما قبل الألفية، وتجسّد فعل التثوير في نصوصها بلغة جسورة كاشفة زيف المؤسسات الثقافية وموبقات القائمين عليها، محاولة أن تضيء عتمهم الذي يلف وجودنا، تبشّر بالقادم حين تخاطب الشمس:
"احتراما لوجع قلبي
أعادت الشمس النظر
في إشراقة الصباح".
إنّها رهافة القول، واستنبات المعاني الخيرة في تربة الواقع الجديبة، قصيد نستزرع عن طريقه الحلم في رحم حياتنا المعتمة.
|