|
القاهرة 09 يونيو 2026 الساعة 12:51 م

كتبت: إيناس محمد عتمان
لا تولد الأساطير الإنسانية العظيمة من أروقة القصور أو دهاليز المصادفات السياسية، بل تُعجن طينتها الأولى في مختبرات الطفولة الباكرة، حيث تتشكل النواة الصلبة لما يمكن تسميته بـ "الإنسان الأسطوري".
هذا الكائن الاستثنائي ليس بطلاً خرافياً يمتلك قوى خارقة، بل هو إنسان حقيقي نجح في صهر التناقضات الكبرى؛ امتلك عقلاً صارماً يزن قوانين المادة والواقع، وروحاً وثّابة تتغذى على خيال لا ينضب، فصنع لنفسه مساراً قاده من طفل صغير يحمل وعياً مبكراً، إلى رمز تاريخي تحكي عنه الأمم.
تتجلى هذه الرؤية بعمق استثنائي عند تفكيك السير الذاتية للمشاهير والقادة الذين غيّروا وجه المنطقة العربية والعالم. وفي هذا السياق، يقدم الكاتب الصحفي والروائي المبدع محسن عبد العزيز في كتابه البديع "أساطير شخصية.. صعود الآلهة الصغيرة ودراما التاريخ" منهجاً تحليلياً فريداً لفهم التاريخ.
يرى الكاتب أن حياة هؤلاء العظماء ليست سلسلة من الأحداث العشوائية، بل هي "أسطورة ذاتية داخلية" صيغت من الصفر، وبدأت كبذرة صغيرة في مرحلة الطفولة، ثم أخذت ترتقي وتتسع حتى احتوت الشخصية بالكامل وقادتها إلى مصاف الزعماء، والكتاب، والفنانين، والحكماء.
الطفل في ميزان الأسطورة الشخصية ليس مجرد كائن ضعيف ينتظر النضج، بل هو "المُهندس الأول" لدراما حياته المقبلة؛ إذ ينتج وعياً أسطورياً مبكراً يدفعه لاتخاذ مواقف حاسمة تتجاوز عمره الزمني. خذ على سبيل المثال الطفولة الباكرة للزعيم جمال عبد الناصر؛ ففي حكاية رمزية تلخص معنى رفض الظلم والاستعداد للتضحية، يبرز ذلك الطفل الذي انتصر لأخلاقه وقيمه الإنسانية الفطرية، رافضاً أن يضرب زملاءه الصغار في فصل الدراسة.
لم يقف الأمر عند الرفض، بل تحمّل في سبيل مبدئه هذا أن يُعاقب بـ 60 ضربة عصا على يديه الصغيرتين دون أن ينكسر.هذا الموقف الذي يبدو بسيطاً في حسابات الطفولة العادية، هو في حقيقته "بذرة الأسطورة الناصرية" ومحرك وعيها الأول. إن الطفل الذي تحمل الألم والضرب حمايةً لرفاقه هو نفسه الزعيم الذي تحمّل لاحقاً الحصار، والحروب، والضغوط الاقتصادية والسياسية الدولية حمايةً لكرامة أمته وشعبه؛ فالعناد الأخلاقي المبكر تمدد واتسع ليصنع زعيم "الفصل"، ثم ليتحول بعد سنوات إلى زعامة الأمة العربية جمعاء، وكأن القدر كان يختبر صلابة يده التي ستحمل أحلام الملايين لاحقاً.
الأمر نفسه ينطبق على سائر النماذج التي صاغت وجدان بلادنا وتاريخ العرب والمسلمين؛ فوعي الإنسان الأسطوري يتغذى دائماً على "عبقرية المكان والزمان" اللذين يحملان بدورهما صفة الأسطورة. فلم تكن كوكب الشرق أم كلثوم مجرد حنجرة قوية، بل كانت طفلة تشربت روح الموال القادم من طمي القرى المصرية، وعاشت أسطورة "الصوت الشجي الحارس للهوية"، حيث ارتقى وعيها من إنشاد القصائد في الموالد الصغيرة إلى توحيد الوجدان العربي من المحيط إلى الخليج بصوتها.
وكذلك كان الكاتب الكبير يوسف إدريس، الذي تشكل وعيه من رصد نبض الشارع وهموم البسطاء في القرية والمدينة، فتحولت أسطورته من طبيب يعالج الأجساد إلى جراح ماهر يشرح روح المجتمع البشري عبر قصصه ورواياته.
ولم تكن الأسطورة الشخصية دائماً طريقاً مفروشاً بالورود والبطولات الظاهرة، بل كانت في كثير من الأحيان تُعجن بالدموع، وتولد من رحم الفقد والظلام الحالك.يتجلى هذا البُعد التراجيدي بأقصى قسوته في طفولة عميد الأدب العربي طه حسين؛ فالطفل الذي أطفأ الجهل عينيه في ريف مصر، لم يستسلم لظلمة العاهة، بل صنع من كفافه أسطورة التحدي الكبرى. لقد تحول فقد البصر لديه من "محنة جسدية" إلى "طاقة بصيرة حارقة"، وبدلاً من أن يعيش على هامش الحياة، أصر على أن يقود معركة التنوير في الأمة بأسرها.
إن وعي الطفل الذي واجه سخرية أقرانه وعزلة الصمت في قريته، هو الذي صنع لاحقاً المفكر الشجاع الذي زلزل الثوابت الجامدة وأعاد كتابة تاريخ الأدب العربي، وكأن العمى كان شرط القدر ليرى ما لم يره المبصرون.
وفي سياق مختلف، إذا ما قمنا بتوسيع منهج الكاتب وتطبيقه على نماذج موازية من خارج الكتاب، تتجلى أمامنا أسطورة التقمص والاحتراق الذاتي في طفولة الفتى الأسمر أحمد زكي؛ فلم تكن عبقرية إمبراطور السينما..."مجرد موهبة تمثيلية عادية، بل كانت هروباً مشروعاً من طفولة قاسية عانى فيها من اليتم والوحدة والحرمان العاطفي.
تشكل وعيه الطفولي على فكرة "البحث عن الذات في ذوات الآخرين"؛ فكان يختبئ من آلام واقعه البسيط خلف أقنعة الشخصيات. هذه البذرة النفسية الأولى تمددت لتصنع فناناً لا يمثل الأدوار، بل يذوب فيها حتى المرض، لتتحول حياته إلى دراما مستمرة صعد فيها إلى مصاف "الآلهة الصغيرة" على الشاشة، بينما بقي في أعماقه ذلك الطفل اليتيم الذي يبحث عن دفء مفقود.
بحسب المنهج الذي يطرحه الأستاذ محسن عبد العزيز، فإن الشخصية الأسطورية لا تستطيع الانفكاك عن هذه الدائرة القدرية التي تبدأ من موقف أو حادثة مبكرة. حتى العزلة التامة والإشاحة بالوجه عن العالم، كما فعل المفكر الجغرافي العظيم جمال حمدان، لم تكن هروباً مجرداً، بل كانت خضوعاً كاملاً لـ "أسطورة الخريطة" التي تحكمت في مسار حياته ليتفرغ لكتابة سفر مصر الخالد.
إن الإنسان يصبح أسطورياً عندما يفهم لغة واقعه ويتقن التعامل مع قوانينه الأرضية ببراعة، دون أن يسمح لهذا الواقع أن يجفف روحه أو يقتل خياله. هو الشخص الذي يعلم أن الأحلام الكبرى تحتاج إلى أقدام ثابتة في الطين وأيادٍ تتقن العمل الجاد.
وعندما يلتقي هذا الإتقان مع وعي مبكر شجاع تولد أساطير التاريخ الكبرى؛ فالأبطال الحقيقيون هم الذين بدأوا "آلهة صغيرة" في محراب طفولتهم، وصنعوا من جراح مواقفهم الأولى دروعاً حموا بها أحلام أوطانهم وشعوبهم ليحكي عنهم العالم بأسره.
وإذ تُطوى صفحات هذا الكتاب، يبقى السؤال معلقاً بين حتمية القدر وإرادة الإنسان، يلتفت بجرأة نحو تفاصيل طفولتك وخياراتك الراهنة ليطرح التحدي الأكبر: فهل أنت الأسطورة القادمة؟
|