|
القاهرة 09 يونيو 2026 الساعة 12:48 م

بقلم: عبد الرزاق الفلق ـ المغرب
لقد خلق الله الإنسان وجعل له لغة يتواصل بها، فمنها ما كان نقشاً أو نحتاً، ومنها ما كان رسماً أو رمزاً. وبمرور السنين والأعوام أصبح لكل أمة لغة تُغنيها عن الإشارة والإيماء.
وهكذا اختلفت الألسن: يونانية وفارسية، عربية وفرنسية، إنجليزية وإسبانية وغيرها كثير.
وبما أن الإنسان اجتماعي بطبعه، كان لزاماً عليه أن يسافر قصد التجارة أو الاكتشاف وخوض المغامرة. ومن ثم اكتشف ثقافات عديدة أبهرته وعلوماً أسرته، فعمد إلى تعلم لغة الآخرين وتعليم لغته لهم حتى تسهل عملية التواصل. وهذا ما أشار إليه الدكتور عبد السلام كفافي في كتابه "في الأدب المقارن" حيث قال: إن العرب كانوا: "يرتحلون للتجارة صيفاً وشتاء، ويتأثرون بجيرانهم في مختلف نواحي الحياة. لقد عرفوا بلاد الفرس، وانتقلت إليهم ألوان من ثقافتهم، وانتقلت بعض الألفاظ الفارسية إلى اللغة العربية". ومن ثم يمكن القول إن العرب ومنذ القدم قد احتكوا بالثقافات المجاورة لهم، وخاصة من الشمال "الروم"، ومن الشرق "الفرس"، ومن الجنوب "الأحباش". من هنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا تعني كلمة ترجمة؟ وما هي خصائصها وأنواعها؟
غالباً ما يعرفها الباحثون واللغويون بأنها النقل. وقد عرّفوها على النحو التالي: هي "عملية تحويل نص أصلي مكتوب - ويسمى النص المصدر - من اللغة المصدر إلى نص مكتوب - النص الهدف - في اللغة الأخرى. فالترجمة نقل للحضارة والثقافة والفكر". والترجمة لا تكون في الأساس نقلاً حرفياً للكلمات، أي إعطاء الكلمة وما يقابلها في اللغة المترجم إليها - أي النص الهدف - وإنما تكون عملية نقل للأحاسيس والمشاعر، بل حتى لفكر الكاتب وثقافته وأسلوبه أيضاً.
وتنقسم الترجمة إلى نوعين هما:
1. ترجمة كتابية وتحريرية ونصية.
2. ترجمة فورية وشفوية وسماعية.
غير أن جورج ستاينر في كتابه "نظرية ثلاثية الترجمة" أشار إلى أن هناك: الترجمة الحرفية "كلمة بكلمة"، والترجمة الحرة "المعنى بالمعنى"، والترجمة الأمينة. وعلى هذا الأساس يمكن اعتبارها فناً مستقلاً لاعتمادها على الإبداع والحس اللغوي والقدرة على تبليغ الثقافات، بل والأهم من ذلك أنها تمكن من التواصل بين جميع أطياف البشرية مع الاستفادة من خبرات بعضهم البعض. وهي قديمة قدم الأدب المكتوب، ويمكن أن نسوق بعض الأمثلة الدالة على ذلك: ففي القرن التاسع الميلادي ترجم العرب معظم مؤلفات أرسطو، بل هناك العديد من المؤلفات التي تُرجمت من اليونانية إلى العربية، ومن بين المترجمين "حنين بن إسحاق وثابت بن قرة". كما تُرجم كتاب "كليلة ودمنة" إلى اللغة السنسكريتية للفيلسوف الهندي بيدبا، وقدمه هدية إلى ملك الهند. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المستشرقين قد أشاروا إلى دور العرب في الحضارة الأوروبية، كما أشار بعض الغربيين إلى فضل علوم العرب على الغرب، ومنهم الأديب الألماني غوته "1749 - 1832".
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن الترجمة قد عرفت تطوراً كبيراً، حيث ظهرت الترجمة الفورية التي تُستخدم في المؤتمرات والندوات التي تجمع بين مختلف الدول، والترجمة التتبعية التي تصلح للقاءات الملوك والرؤساء، دون أن نغفل ترجمة الأفلام وترجمة الحواسيب.
نخلص من كل هذا إلى أن الترجمة فن وإبداع تتوخى فيه الدقة في نقل الأحاسيس والتشبيهات والصور الجمالية حتى يصبح النص مستساغاً ومفهوماً.
|