|
القاهرة 09 يونيو 2026 الساعة 12:38 م

بقلم: جمال الفيشاوي
تحت إشراف الدكتور عمر فرج رئيس قسم المسرح والدراما؛ قدم طلبة الدفعة الأولى والثانية بكلية الآداب قسم المسرح جامعة بني سويف على مسرح الجامعة الأهلية ببني سويف، وسط حالة من الحماس بين طلاب القسم ومحبي المسرح الجامعي، العرض المسرحي 30 فبراير تأليف الراحل مصطفى سعد ومن بطولة وإخراج هشام السنباطي.
يوم 30 فبراير لن يقع أبداً فهو يوم مستحيل الحدوث لكنه يستخدم كتعبير مجازي للإشارة إلى حدث لن يقع أبداً أو موعد غير قابل للتحقق؛ لكن في السويد في عام 1712م وفي حدث تاريخي نادر أضافت يوم 30 فبراير إلى تقويمها لتصحيح أخطاء حسابية في الانتقال بين التقويمين اليولياني والغريغوري، كما استخدم الاتحاد السوفيتي في عامي (1930م و1931م) شهر فبراير مدته 30 يوم ضمن محاولات تغيير نظام أيام العمل.
يعتبر النص الدرامي (المسرحي) 30 فبراير هو النص الرابع لمصطفى سعد والذي كان يعتقد أن هذا النص يندرج ضمن مشروعه الفني المسمى بمسرح الاستفهام، والذي يتميز بتقنيات كتابة مغايرة للكتابة التقليدية، وباحتوائه على منفيستو تنظيمي يشمل ستة عناصر منها عدم وجود وحدة الموضوع، وقد أثبت الناقد والباحث أحمد خليفة في رسالته تقنيات الكتابة والإخراج بمسرح مصطفى سعد "دراسة تحليلية تقييمية لنماذج من أعماله عام 1980م - 2005م" تحت إشراف د. نهاد صليحة إلى وجود موضوع في النص الدرامي 30 فبراير، وأراد الكاتب مصطفى سعد أن يستعير (يتناص) تجربة برانديللو في إدراج فلسفة نسبية الحقيقة (الوهم والحقيقة) خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار الاشتراكية وتوغل وانتشار الرأسمالية الفجة، وتصارع هذه الأفكار والفلسفة داخل قالب نسبية الحقيقة، وبالتالي أكد أن هذا النص ليس ضمن نصوص / عروض مسرح الاستفهام، وحصل الباحث بهذه الرسالة على درجة الماجستير سنة 2010م، من المعهد العالي للنقد الفني، وقد قام الفنان الراحل مصطفى سعد بإخراج النص سنة 1991م لفرقة مسرح الشباب وقدم دور الشاب الفنان الراحل أشرف عبد الغفور، وقام بدور الدكتور الفنان أحمد صيام.
تدور الفكرة الرئيسية حول إشكالية الانتماء والحرية والبحث عن حرية الفرد، حيث يعكس العرض صراعًا بين المبادئ والأفكار التي يؤمن بها الأبطال، وبين واقع يفرض عليهم شروطًا مختلفة، فيناقش فكرة انتماء الشخص لمبادئه وأفكاره التي تتناسب مع مجتمعه وقيمه ودينه وحضارته وتاريخه خاصة المجتمع المصري، وفي فترة من الفترات انتاب المجتمع المصري حالة من التشتت فمن المهم جداً الانتماء للوطن، فالإنسان دون انتماء يتحول لشخص يعيش دون هوية أو بمعنى أدق شخص ميت بالنسبة للآخر، أي أنه أصبح جسدًا بلا روح.
تدور الأحداث حول شاب مر في حياته بتغيرات كثيرة في المجتمع (سياسية واجتماعية اقتصادية) أحدثت لديه تغيرات نفسية أدت إلى عدم الاتزان وحدوث تهيأت غير موجودة، وهي حالة من حالات الجنون ما بين الخيالات، ولذلك يذهب لطبيب نفسي (هشام السنباطي) للعلاج وبعد فحصه يستنتج الطبيب سبب ما يعاني منه المريض، وهو أن هذا المريض ليس لديه انتماء لقيم وأهداف مجتمعة ولا بدَّ أن يعود إلى قيم المجتمع وينتمي إليها.
قدم المخرج رؤية الإخراجية معتمداً على التجريب وتفكيك الواقع عبر رمزية اللازمان، وقام بتفتيت شخصية الشاب وجعلها شخصيتين (تامر فؤاد ومصطفى جلال) ليؤكد على عدم انتماء الشخص لمجتمعه وأنه أصبح غير مستقر، وانقسم على نفسه من الداخل، ولذلك تشظي إلى أكثر من شخصية، وأن قضية هذا الشخص هي قضية مجتمع كامل، وتجسد فكرة الفصام (اضطرابات في التفكير).
تعامل المخرج مع الفراغ المسرحي بطريقة منضبطة فقدّم الممثلين بعيدا عن الشكل التقليدي، واعتمد أحياناً مع الحوار على بعض الحركات التي تدل على اللياقة البدنية للممثل، وبشكل جمالي ولها دلالتها المعبرة عن مضمون الحدث، وكانت معظم الشخصيات غير واقعية أو بمعنى أدق قادمة من العالم الآخر؛ ولكن توجد شخصيات حقيقية واقعية في العرض بجانب شخصية الدكتور مثل الزوجة (سالي سليمان)، الزوج (هاني غباشي)، وشخصيات خيالية مثل الشاب المنقسم على نفسه، المرأة (شيماء ربيع)، الرجل (وليد مصطفى)، وكانت حركتهم تميل إلى التعبيرية، فعندما يمر الشاب (1) من بين قدمي الشاب (2) فيعبر ذلك على حالة السيطرة، ففي لحظات معينة يسيطر أحدهما على الآخر، أو يحدث تفكك فينشق أحدهما عن الآخر، وبالتالي ينفصل عن الواقع، ويعاني من اضطرابات في التفكير، أو يرفع الشابان (1، 2) الرجل على كتفيهما ويكوّنا شكلا هرميًّا، فيدل وصوله إلى القمة أن الرأسمالية سيطرت على الجميع، ويعيش المتلقي مع تلك الشخصيات في الماضي والحاضر والمستقبل.
ونجد أنه رسم بالمكياج (ميرفت سمير وأندرو رشاد) على نصف وجه بعض الشخصيات (أطلق عليهم اسم الرفيق أو الرفيقة ولكل منهم رقم) بألوان شاحبة وأسنان بارزة ليعبر عن أن هذه الشخصيات استدعيت من القبور لتظهر للحياة مرة أخرى، ومن الممكن أن تعبر هذه الشخصيات عن أفكار أو مبادئ أو معتقدات هذا الشاب في الماضي ولكنها لم تتحقق حيث أن الكلمات البراقة مثل قول: المجتمع الصح هو مجتمع الكل، وأن الاشتراكية هي التي تبني، ولا بد أن يعيش الإنسان حياة كريمة؛ لكن لا توجد الحياة الكريمة على أرض الواقع، فكل ما يقال من شعارات تجد عكسه عند التطبيق في الواقع المعيش.
أما الحاضر والذي ظهر خلال فترة لا تزيد عن عشرة دقائق في العرض، نشاهد فيها الشخص المريض يحكي للطبيب بداية الحكاية يوم 30 فبراير، ثم يسأله وسط الأحداث عن تاريخ اليوم، فيرد الطبيب أننا في 31 مارس، أما المستقبل يشاهده المتلقي عندما يقوم الطبيب بزيارة للزوج المريض، ويعلم أنه مات ويرى زوجته تزوجت بزوجٍ ثانٍ فيطّلع على ما سيحدث في المستقبل ويستمر المتلقي في تقبله للحكاية، ثم تظهر شخصية (وليد مصطفى) التي تعبر عن الرأسمالية المستغلة، وفيها كل شيء له سعر وثمن وكل اهتمام هذا الشخص هو المال، وتذهب القيم الإنسانية إلى الجحيم، فهو يقوم بهدم القيم والمبادئ، وهدم ودمار كل شيء، حتى لو وصل الأمر للقتل، في مقابل الدولار، وتتجمع تلك الأحداث دون تحديد لزمان أو مكان؛ لكن الزمان يمر والمكان يتشكل، أو يتغير طبقاً للحدث في ذهن المتلقي من خلال تغير الشخصيات والحوار؛ لكن واقعياً المكان لا يتغير.
كان الديكور عبارة عن كومود وضع يمين المتلقي وآخر يسار المتلقي وبداخلهما بعض الكتب، ووضع بانوه مغلف بورق الجرائد على يمين وسط المتلقي ووضع مثله على اليسار، وفي عمق المسرح ينزل من السوفيتا ببطء برواز كبير مشدود عليه أوراق جرائد، فالمنظر يعبر عن أفكار تظهر وتنمو في ذهن الشاب إلى أن تغلق تماما ويعيش هذا الشاب داخل أحلامه وأوهامه وأفكاره وكأنها باب سجن يغلق على هذا المثقف الذي يعاني من اضطرابات في التفكير، كما وضع في العمق أعلى يمين البرواز ساعة بها عقرب للساعات وآخر للدقائق فقط وهما لا يتحركان، وأعتقد أن الديكور صمم بهذا الشكل حيث أن الشخصية تعيش داخل هذا العالم، فهو شخص مثقف يقرأ كثيراً وبقراءته للجرائد يطلع على أحداث وأفكار كثيرة سببت له نوعا من الزخم الفكري، ونشاهد أثناء العرض وجود بعض الخيالات تقف خلف البانوهات، ونستطيع القول أنها تقف أمام المنزل من الخارج، وعندما تقطع الجرائد وتظهر هذه الخيالات ودخولها المكان، فالسؤال هل هذه الخيالات أشخاص دخلت المنزل أم ما زالت تقف خارجة، وماذا تفعل، فالشخص المريض غير متيقن من الحقيقة.
كانت الملابس مناسبة للشخصيات فنجد الشخصيات الواقعية مثل الدكتور يرتدي بدلة، أما الزوج يرتدي برنس حمام وعلى كتفة فوطة، والزوجة ترتدى ملابس منزل عادية، تعبر عن الوقت الحالي أو الماضي حيث لا تركز على أسلوب أو نمط محدد، والشخصيات الخيالية مثل شاب (1، 2) يرتديان بنطلون أسود وقميصًا أبيض حيث لا تعبر عن أي زمان أو مكان، وشخصية الرجل الذي يمثل رأس المال نجده يرتدي قبعة وملابس تذكرنا بملابس رعاة البقر في الأفلام الأمريكية، وارتدت المرأة ملابس وباروكة ومكياج ذا ألوان زاهية لتحديد الاختلاف بينها وبين الزوجة، أما الشخصيات غير الحقيقية مثل الشباب والشابات أو الرفقاء كما أطلق عليهم في بامفلت العرض القادمين من الموت أو القبور يرتدون قميصًا وبنطلون، البنطلون لونه أسود، أما القميص فكل منهم يرتدي قميصا ذا لون مختلف ليعبّر عن تعدد أفكارهم وأشكالهم في رأس الشاب.
كانت إضاءة (أسامة حربي) على مستويين إضاءة عادية (إنارة صالة العرض) لمكان جلوس المتلقي، وإضاءة خشبة المسرح وهو ما يذكر المتلقي بأن ما يراه ما هو إلا لعبة مسرحية، وهو ما يتماهى مع منهج بريخت – هو نظرية ثورية تهدف إلى تحويل المتفرج من مستهلك عاطفي إلى مفكر نقدي إيجابي – وبمشاهدة المتلقي الحالة المسرحية المعروضة يتمسك بقيم المجتمع، أو إذا كانت أحواله المعيشية جعلته يبعد عن عادات وقيم مجتمعه يراجع نفسه ويعود إليها، وكانت إنارة صالة العرض للفصل بين الخيال والواقع، أما إضاءة خشبة المسرح فاستُخدمت ألوان للإضاءة منها اللون الأزرق واللون الأحمر، واستخدم اللون الأزرق للتعبير عن الليل، أو الوهم، أو الحلم، أو عدم وضوح الرؤيا مثل إظهار الخيالات المنتشرة خلف البانوهات، أو ظهور بعض التشققات على ساعة الحائط لتجميد الزمان، واللون الأحمر عند دخول المرأة ووجود حالة من الارتباك والاضطراب العاطفي، بالإضافة إلى حالات التوتر.
أما الموسيقى فكانت بسيطة توحي بالحالة الدرامية ومعبرة عن الحدث كوجود الأشباح أو بعض المواقف الكوميدية التي تمر بها الشخصيات.
قام الممثلون خاصة الشخصيات الرئيسية بتنفيذ تعليمات المخرج بدقة على الرغم من التقدم في العمر فهم جميعا من خريجي الجامعات المختلفة ولديهم خبرات سابقة حيث عملوا لفترة ليست بالقصيرة في التمثيل أو الإخراج ، أو كلاهما معاً، وليسوا طلابا قادمين من الثانوية العامة وعمرهم ثمانية عشر عاما؛ ولكن كانت لياقتهم كأبناء الثمانية عشر عاماً وشعرت أنهم تخلوا عن كل خبراتهم وكأنهم يقفوا على خشبة المسرح للمرة الأولى وتظهر على وجوههم جميعا علامات السعادة والرضا خاصة أثناء تحية الجمهور، فكل التحية لهم، وكل الشكر لكل من شارك في خروج العرض إلى النور ونشكر أيضا الممثلين المشاركين:
رفيق 1 (مهند خالد)، رفيقة 2 (نسمة كامل)، رفيق 3 (حسن جلال)، رفيقة 4 (أميرة أمين)، رفيق 5 (أحمد يسري)، رفيقة 6 (أميرة عبد العليم)، رفيق 7 (عادل مرزوق)، رفيقة 8 (إسراء أمجد)، رفيق 9 (عبدالله ممدوح)، رفيق 10 (يوسف محمود)، رفيق 11 (أحمد ممدوح)، رفيقة 12 (سارة بولا)، رفيق 13 (أحمد النملة).
ومساعدين إخراج (مروان شومان، سارة بولا، أحمد نملة، مصطفى محمد)، مخرج منفذ (إكس)، منسق إعلامي (إيمان عبد العزيز)، دعاية (مو سعيد).


|