|
القاهرة 07 يونيو 2026 الساعة 01:55 م

بقلم: محمد خضير
في الوقت الذى تتكاثر فيه الحدود وتتصاعد فيه النزاعات وتتعقد فيه أسئلة الهوية والانتماء، تأتي بعض التجارب الفنية لتؤكد أن "الثقافة" ما زالت تمتلك قدرتها الاستثنائية على مد الجسور بين الشعوب، وأن الموسيقى تظل اللغة الإنسانية الأكثر قدرة على تجاوز الحواجز الجغرافية واللغوية.. ومن بين هذه التجارب اللافتة تبرز تجربة أوركسترا "الملتقى" التي اختتمت جولتها الفنية في مصر بحفل أقيم على مسرح قصر ثقافة الأنفوشي بالإسكندرية، بعد سلسلة من العروض الناجحة التي قدمتها في القاهرة والإسكندرية.
"الملتقى" يعد مشروع فني يمثل رؤية ثقافية متكاملة تسعى إلى إعادة اكتشاف الروابط التاريخية والحضارية بين العالم العربي والقارة الأفريقية عبر الموسيقى، بوصفها وعاءً للذاكرة الجماعية وأداة للحوار والتفاهم والتقارب الإنساني.
وتكتسب هذه التجربة خصوصيتها من طبيعة التكوين الفني الذي يجمع بين موسيقيين وفنانين ينتمون إلى دول وثقافات متعددة، من السودان والعراق ومالي ونيجيريا وجنوب السودان وغيرها من البلدان العربية والأفريقية، ليصنعوا معاً نموذجاً حياً للتنوع الثقافي الخلاق، حيث لا تذوب الهويات في بعضها البعض، بل تتجاور وتتفاعل لتنتج شكلاً فنياً جديداً يحتفي بالاختلاف ويحول التنوع إلى مصدر للإبداع.
* المزج بين الإيقاعات:
ولعل أكثر ما يميز تجربة "الملتقى" هو قدرتها على المزج بين الإيقاعات الأفريقية الأصيلة والروح الموسيقية العربية، من خلال توظيف آلات موسيقية تراثية عريقة مثل الكورا والبالافون والأدونجو إلى جانب العود والبيانو والدرامز، في صياغة موسيقية حديثة لا تنكر جذورها ولا تنغلق داخلها، بل تمنحها أفقاً جديداً يتسع للحاضر والمستقبل.
* إعادة الاعتبار:
كما أن ما يقدمه هذا المشروع يتجاوز حدود الأداء الموسيقي ليطرح سؤالاً مهماً حول دور الفن في حماية التراث الثقافي من التهميش والنسيان.. فالكثير من الآلات الموسيقية الأفريقية التقليدية تواجه خطر الاندثار في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، بينما جاءت تجربة "الملتقى" لتعيد الاعتبار لهذه الآلات وتمنحها مساحة جديدة للحضور والتأثير داخل المشهد الموسيقي المعاصر.
ومن هنا تبرز أهمية الجذور الأولى للمشروع الذي انطلق عام 2020 من بيت العود العربي بالسودان بالتعاون مع مؤسسة دال الثقافية، حيث كانت الفكرة تقوم على إحياء بعض الآلات الموسيقية التقليدية وإدماجها في العملية التعليمية والتدريبية، بما يضمن استمرارها وانتقالها إلى الأجيال الجديدة.. وهي فكرة تعكس وعياً عميقاً بأهمية صون التراث غير المادي باعتباره أحد أهم مكونات الهوية الثقافية للشعوب.
غير أن ما يضاعف قيمة هذه التجربة هو قدرتها على الاستمرار رغم الظروف الصعبة.. فالحرب التي شهدها السودان تركت آثاراً عميقة على الحياة الثقافية والفنية.. ومع ذلك لم يتوقف المشروع، بل انتقل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ليعيد تشكيل نفسه من جديد، ويواصل رسالته الثقافية من خلال مجموعة من الفنانين والمبدعين العرب والأفارقة الذين حملوا معهم أحلامهم وتجاربهم وذاكرتهم الفنية.
•الرسالة الثقافية:
وهنا تتجلى إحدى أهم رسائل "الملتقى"، وهي أن الثقافة قادرة على البقاء حتى في أصعب الظروف، وأن الإبداع يمكن أن يتحول إلى وسيلة للمقاومة والحفاظ على الهوية في مواجهة النزوح والصراعات والتغيرات الاجتماعية العنيفة.. فالمشروع في جوهره تجربة إنسانية تؤكد أن الفن يستطيع أن يمنح الأمل حين تضيق المساحات الأخرى.
كما أن اللقاء الثقافي الذي نظمته القنصلية الإيطالية بالإسكندرية بحضور القنصل الإيطالي ماريو باسكوالي، وتكريم أعضاء الأوركسترا وأسرهم، يكشف حجم الاهتمام الدولي المتزايد بالمبادرات الثقافية العابرة للحدود، ويؤكد أن الفنون أصبحت أحد أهم أدوات الدبلوماسية الثقافية في العالم المعاصر.
* التنوع الحضارى:
ومن اللافت أيضاً أن عروض "الملتقى" تمتد إلى بعد بصري يثري التجربة الفنية، من خلال الأزياء المستوحاة من التراث العربي والأفريقي والتي أعيد تقديمها برؤية معاصرة، لتتحول خشبة المسرح إلى مساحة تحتفي بالتنوع الحضاري والثقافي للقارة الأفريقية والعالم العربي معاً.
ولذلك عزيزى القارئ نجد أن الجولة المصرية للأوركسترا نجحت في تقديم هذا النموذج الفني أمام جمهور متنوع من خلال حفلات مسرح المنارة وقصر الأمير طاز وساقية الصاوي، حيث استمع الجمهور إلى مجموعة من الأعمال التي تحمل بصمات ثقافية متعددة، مثل "غرب السودان" و"النيل الأزرق" و"عزة في هواك" و"نحن في السودان" و"أفرو مقام"، وغيرها من المقطوعات التي تعكس ثراء التجربة وتنوع منابعها.
كما أن أهمية "الملتقى" تكمن في الرسالة التي يحملها؛ رسالة تؤكد أن الثقافة يمكن أن تكون مساحة للقاء لا للصراع، وأن الفن قادر على بناء جسور من التفاهم بين الشعوب حين تعجز الخطابات الأخرى عن ذلك.. ومع إسدال الستار على جولته المصرية من مدينة الإسكندرية، يترك أوركسترا "الملتقى" خلفه درساً ثقافياً بالغ الأهمية: أن الهوية ليست جداراً يعزلنا عن الآخرين، بل نافذة نطل منها على العالم، وأن الموسيقى، حين تنبع من احترام التنوع والإيمان بالإنسان، تستطيع أن تجمع على مسرح واحد ما فرقته الجغرافيا والسياسة والحروب.
ففي النهاية، قد تختلف اللغات واللهجات والحدود، لكن النغم الصادق يظل قادراً على أن يجعل الجميع يتحدثون لغة واحدة... هي لغة الإنسانية.



|