|
القاهرة 04 يونيو 2026 الساعة 12:04 م

بقلم: محمد خضير
في لحظة مسرحية مشحونة بالأسئلة والكوابيس والندم الإنساني، استطاعت فرقة نادى المسرح بقصر ثقافة سوهاج أن تقدم عرضًا يحمل من الجرأة الفكرية بقدر ما يحمل من الحس الجمالي، وذلك من خلال العرض المسرحي «أحيانًا نتقدم إلى الخلف» الذي قُدم على خشبة مسرح قصر ثقافة روض الفرج بالقاهرة، ضمن فعاليات المهرجان الختامي لنوادي المسرح فى دورتة الـ 33 الذي نظمته الهيئة العامة لقصور الثقافة، بحضور لجنة تحكيم المهرجان وجمهور من المهتمين بالحركة المسرحية الشابة.
* المعالجة الدرامية:
العرض قدم الى جانب معالجة درامية لشخصية تاريخية بحجم “روبرت أوبنهايمر”، الرجل الذي ارتبط اسمه بابتكار السلاح النووي، كمحاولة فلسفية ونفسية عميقة للغوص داخل الإنسان حين يتحول العقل إلى ساحة محاكمة، والضمير إلى جلاد لا يرحم.
لقد اختار المخرج الشاب دياب كمال، أن يبتعد عن السرد التاريخي المباشر، وأن يقترب أكثر من المنطقة الأكثر تعقيدًا في الشخصية الإنسانية؛ منطقة الشعور بالذنب.. هنا يظهر “أوبنهايمر” باعتباره عالمًا فقط، وإنسانًا تطارده أرواح الضحايا، وتطارده ذاكرته، وتطارده صور الموت التي صنعها بيديه.
* رؤية المخرج:
ومنذ اللحظة الأولى يضع العرض متفرجه داخل عالم مرتبك زمنيًا ونفسيًا؛ عالم تتحرك فيه عقارب الساعة إلى الخلف، وكأن الزمن ذاته يرفض ما وصلت إليه البشرية. تلك التيمة البصرية والفكرية التي اتفقت فيها رؤية المخرج مع رؤية الكاتب محمود محسن، جاءت كأحد أهم مفاتيح العرض ودلالاته الرمزية.
فالرسالة هنا لا تقول إن البشرية تتقدم، بل تطرح سؤالًا أكثر قسوة: ماذا لو كان هذا التقدم العلمي يحمل في داخله تراجعًا أخلاقيًا وإنسانيًا؟ وماذا لو كانت الحضارة الحديثة، بكل ما تملكه من اختراعات، تعيد الإنسان إلى نقطة أكثر ظلامًا ووحشية؟
* اختلاط الحقيقة بالخيال:
لهذا بدت عقارب الساعة التي تتحرك للخلف وكأنها مرآة للعالم المعاصر؛ عالم يحقق قفزات مذهلة في التكنولوجيا، لكنه يخسر شيئًا من روحه كل يوم.
اللافت في العرض أيضًا أنه اعتمد على حالة بصرية ونفسية مكثفة، حيث اختلطت الحقيقة بالخيال، والجسد بالروح، والأحياء بالأشباح، في بناء مسرحي يقترب من الكوابيس أكثر مما يقترب من الواقع.. الأشباح هنا ظهرت الشخصيات تجسيدًا حيًا للذنب الإنساني، ولأصوات الضحايا التي لا تموت.
* أداء ابطال العرض:
وقد نجح الفنان الشاب أنس وليد في تقديم شخصية "أوبنهايمر" بحس انفعالي واضح، معتمدًا على التوتر الداخلي أكثر من الأداء الخطابي، فبدا وكأنه رجل محاصر داخل عقله، عاجز عن الهروب من صور الخراب التي صنعها.. كما قدمت الفنانة الشابة آلاء عاصم حضورًا إنسانيًا مؤثرًا، بينما استطاع الطفل الموهوب فارس رامز أن يمنح الطفل دلالة رمزية تتجاوز حدود الشخصية نفسها.. أما مشاهد الأشباح التي قدماها الفنانين الصاعديبن أحمد خالد ويوسف إسلام وأسامة إبراهيم، فقد ساهمت في خلق الحالة الكابوسية للعرض، خصوصًا مع توظيف الإضاءة والصوتيات بشكل عزز الإحساس بالاختناق النفسي والانهيار الداخلي.
* لغة المسرح:
ويحسب للمخرج الشاب دياب كمال أنه لم يقع في فخ المباشرة، بل ترك المسرح يتحدث بلغته الخاصة؛ لغة الصورة والإيقاع والصمت والارتباك النفسي.. لذلك جاء المشهد الختامي، حين يطلق "أوبنهايمر" الرصاص على نفسه، ثم نكتشف أن كل ما حدث لم يكن سوى كوابيس تطارده كل ليلة، واحدًا من أكثر المشاهد تأثيرًا داخل العرض.
ثم تأتي الجملة الشهيرة: "الآن أصبحت الموت…" لتتحول من مجرد اقتباس تاريخي إلى صرخة إنسانية مدوية ضد كل ما يمكن أن يصنعه الإنسان حين ينفصل العلم عن الضمير.
* قدرة مسرح الأقاليم :
وأخيرا وليس بآخر.. فما قدمته فرقة نادى مسرح قصر ثقافة سوهاج يؤكد أن مسرح الأقاليم ما زال قادرًا على إنتاج عروض تمتلك الفكر والرؤية والجرأة، وأن نوادي المسرح لا تزال تمثل واحدة من أهم المساحات الحقيقية لاكتشاف الطاقات المسرحية الشابة القادرة على تقديم خطاب فني مختلف، فالعرض قدم "أوبنهايمر" كالإنسان الذي يظن أنه يتقدم، بينما هو في الحقيقة ربما يسير إلى الخلف، تاركًا خلفه إنسانيته قطعةً بعد أخرى.
ويبقى المسرح، في النهاية، هو الفن القادر دائمًا على طرح السؤال الأصعب: هل يمكن للإنسان أن ينتصر بعقله… ويخسر روحه؟!



|