|
القاهرة 04 يونيو 2026 الساعة 11:54 ص

بقلم: أحمد محمد صلاح
هو ثان المفكرين الذين وضعوا أسس الفلسفة الحديثة، توماس هوبز ، الذي ولد في مالمسبري بانجلترا عام 1558م، وفي مصادر أخرى ولد عام 1588م، وكان صديقا لبيكون وجونسون وغيرهم، ويعد من أول الماديين المحدثين، التحق بجامعة أكسفورد في سن الخامسة عشرة وظل بها خمس سنوات يتلقي المنطق المدرسي وعلوم الطبيعة، ثم اتجه للآداب القديمة وبخاصة الشعراء والمؤرخين، ثم عمل في خدمة بيكون ونقل مؤلفاته إلى اللاتينية وحتى سن الأربعين لم يكن قد كتب شيئا في الفلسفة.
سافر إلى فرنسا عامي 1629 حتى 1631، وهناك تعرف علي مبادئ اقليدس وأعجبه المنهج القياسي، ومن هنا كانت فلسفة توماس هوبز، حيث يعرفها ـ أي الفلسفة ـ بأنها فهم النتائج أو ظواهر الطبيعة بالرجوع إلى اسبابها أو هي فهم هذه السباب نفسها بما نستنبطه من النتائج التي تقع تحت ملاحظتنا استنباطا صحيحا.
ويقول محمود أمين العالم عن فلسلفة توماس هوبز:
"وأما الغاية المقصودة من الفلسفة فهي أن تُمكِّننا من التنبُّؤ بما سيحدُث من نتائج، وبهذا نستطيع أن نستغلها في حياتنا العملية. ويرى «هوبز» أنَّ كل ما نحصله من معرفةٍ إنما جاءنا عن طريق الحواس بما ينطبع عليها من آثار انبعثَتْ من الأشياء الخارجية، ثم هذه الآثار المُنبعثة تنشأ من حركاتٍ مُعيَّنة تطرأ على الأجسام المادية الموجودة في العالم الخارجي، وإذن فأصل المعرفة تحرُّك المادة في المكان. ولمَّا كان واجب الفلسفة أن تدرُس المعرفة وكيفية تحصيلها، كان لزامًا عليها أن تحصُر مجهودها في دراسة الأجسام المادية وحدها، أما كل ما عدا المادة من روحانيات فينبغي أن نتركها للوحي والإلهام، ولا يجوز لنا أن نخلط بين العقيدة والعقل، فحيث ينتهي الثاني تبدأ الأولى، وحيث ينتهي العِلم يبدأ الإيمان".
أصدر كتاب "مبادئ القانون الطبيعي والسياسي" عام 1640، وكان علي ثلاث اقسام ، الأول في الطبيعة الإنسانية أو المبادئ الساسية للسياسة، الثاني في الهيئة الاجتماعية، والثالث في المواطن، ثم توالت مؤلفاته..
كما قلنا أن هوبز هو اول الفلاسفة الماديين لذلك فهو يري العالم من منظور مادي، فالعالم يتكون من أجسام طبيعية، وأجسام سياسية، لذلك تنقسم فلسفته إلى الفلسفة الطبيعية التي تبحث في الأشياء وتكوينها، والفلسفة المدنية والتي تبحث في المجتمع ونشأته، وهو في كليهما ماديٌّ يرى أن الطبيعة والمجتمع يتألَّفان من جزئيات تراكمَت، فتكوَّنت منها الأجسام طبيعيةً كانت أم سياسية.
ويؤكد هوبز أن العلم معرفة العلة، أو هو معرفة المعلولات بعللها، والعلل بمعلولاتها، والعلم قياسي لأن القياس برهان النتيجة، وموضوع العلم الأجسام لأن كل موجود فهو جسمي، ولما كان الجسم إما طبيعيًّا أو صناعيًّا أي اجتماعيًّا، انقسم العلم إلى طبيعي يشتمل على المنطق والمبادئ الأولى والرياضيات والطبيعيات، وإلى مدني يشتمل على الأخلاق والسياسة، وكلاهما علم تجريبي موضوعة أجسام، أو أن الموضوع الإحساس الظاهر والباطن، وللظواهر جميعًا عله واحدة هي الحركة: هذا مبدأ عام لا يحتاج إلى برهان، فالهندسة تفحص عن القوانين الرياضية للحركة، وتفحص الميكانيكا عن مفاعيل حركة جسم في آخر، ويفحص علم الطبيعة عن مفاعيل الحركات الحادثة في ذرات الأجسام، ويفحص علم الإنسان والسياسة عن الحركات الحادثة في نفوس الناس والباعثة على أفعالهم.
ويقول محمود أمين العالم:
" تظهر نزعة «هوبز» المادية ظهورًا جليًّا في نظريته السياسية وهي أهمُّ جوانب فلسفته؛ إذ يذهب إلى أنَّ الدولة إنما تتألَّف من ذرَّاتٍ اجتمع بعضها إلى بعض، فكان من اجتماعها الدولة، كما تتراكم الذرَّات المادية، وتتلاحَق فتكوِّن الأجسام، وكما أن العالم الطبيعي يعتمد في تكوينه على الحركة التي بين أجزائه وما فيها من جذبٍ ومقاومة، كذلك المجتمع لم يقُم إلا على أساسٍ من الحركة والمقاومة بين الأفراد، فقد كانت الإنسانية في حالتها الطبيعية الأولى في عراكٍ مُتَّصِل عنيف، لا ينقطع بين أفرادها، ولهذا كان احتفاظ الإنسان بذاته هو الخير الأسمى، وكان الموت هو أبغض الشرور، وقانون الطبيعة هو أن تُقوِّي الجانب الأول من الإنسان، وأن تُعاونه على اجتناب الموت
|