|
القاهرة 02 يونيو 2026 الساعة 10:49 ص

كتبت: أميرة عز الدين
تبدو التراجيديا الإغريقية وكأنها رحلة إبداعية انتقلت من استخدام الأسطورة في بناء التراجيديا لتقوم على القدر والنبوءات وعدالة الآلهة عند إسخيلوس، إلى النزعة الإنسانية العقلانية عند يوربيديس؛ الذي نقل الأسطورة من عالمها المقدس إلى أرض الواقع ومنح شخصياته بعدًا نفسيًا أكثر شكًا وتعقيدًا.
اهتم إسخيلوس بالأسلوب الشعري الفخم في السرد، وكذلك اهتم بالـ “كورس” باعتباره العنصر الذي يطور الأحداث ويعلق عليها، وقبل كل ذلك استند إلى فكرة العقاب الإلهي والخطيئة الموروثة، أما يوربيديس فقد كانت لغته أكثر واقعية وجدلية متأثرًا بالفكر السوفسطائي، كما قلل دور الكورس واهتم بالبرولوج- الحوار التمهيدي- وترك مهمة الدفع بالأحداث للسمات النفسية التي رسمها للشخصيات، لذلك يعتبر انتقال التراجيديا من إسخيلوس إلى يوربيديس تحولًا من المسرح القائم على الأسطورة والقدر إلى المسرح القائم على الإنسان وتساؤلاته الداخلية.
وتُعد ثلاثية الأوريستيا التي كتبها إسخيلوس من أهم الأعمال التراجيدية في المسرح الإغريقي، وهي تتكون من ثلاث مسرحيات مترابطة: “أجاممنون”، و“حاملات القرابين”، و“الطيبات”. تبدأ الحكاية في “أجاممنون” بعودة الملك أجاممنون من حرب طروادة؛ حيث تقوم كليتمنسترا زوجته- بمعاونة إيجيسثوس ابن عمه- بقتله انتقامًا لتضحيته بابنتهما إيفيجينيا، ومن هنا تبدأ سلسلة الدم والانتقام التي ستلاحق العائلة بأكملها، ثم تنتقل الأحداث في “حاملات القرابين” إلى أورستيس وإلكترا اللذين يسعيان للثأر لمقتل الأب تنفيذًا لأمر الإله أبولون، فتظهر إلكترا للمرة الأولى حزينة وتحمل الرغبة في الانتقام لأبيها، ومن هنا تبدأ حكاية إلكترا؛ حيث تناولها يوربيديس في معالجة مستقلة تعكس تطور التراجيديا الإغريقية نفسها.
في مسرحية يوربيديس؛ إلكترا هي مركز الحدث الدرامي والمحرك الأساسي للأحداث بدفعها لأورستيس نحو الانتقام، بينما كانت في مسرحية إسخيلوس أقل تأثيرًا بكثير؛ إذ يحتل الإله أبولون موقع المحرك لشعور الانتقام والدفع لفعل القتل، واستخدام يوربيديس اسم "إلكترا" كعنوان لمسرحيته يعكس مركزية الشخصية، بينما كان عنوان “حاملات القرابين” عند إسخيلوس يبين موضع إلكترا في الهامش مقارنة بالكورس والإله أبولون.
تبدأ “إلكترا” أمام كوخ الفلاح ببرولوج على لسانه يشرح فيه التاريخ السابق لجريمة قتل أجاممنون ومصير إلكترا وأورستيس، كما يكشف البرولوج أيضًا رؤية يوربيديس الاجتماعية، حيث ابتكر شخصية الفلاح وجعله المتحدث الأول؛ واستخدم شخصيته ليبرز فكرة أن النبل الحقيقي لا يرتبط بالأصل الاجتماعي بل بالأخلاق والسلوك، وهو أمر يتسق تمامًا مع نقله للمسرح من عالم القصور والأساطير إلى الحياة اليومية، وهو ما يتضح أيضًا في اختيار مكان الحدث أمام كوخ فقير بدلًا من القصر الملكي كما عند إسخيلوس.
وشخصية إلكترا عند يوربيديس لا تظهر كرمز أسطوري؛ بل كامرأة مسحوقة اجتماعيًا ونفسيًا، بملابس بالية وشعر محلوق وحياة قاسية داخل كوخ فقير بعد أن كانت أميرة، وذلك على عكس البعد الاجتماعي عند إسخيلوس الذي لم يكن بمثل تلك الحدة، وبسبب تلك الحال التي تعيشها إلكترا كانت أكثر حدة واندفاعًا؛ وهي التي دفعت أورستيس إلى قتل الأم، بل وتعترف في النهاية بأنها “الدافعة الآثمة”، وهنا نرى اختلاف الرؤية بين الكاتبين، فإسخيلوس جعل الانتقام تنفيذًا لإرادة إلهية بينما حوله يوربيديس إلى فعل إنساني نابع من الغضب والرغبة الشخصية في الانتقام.
كذلك يختلف موقف الكاتبين من الآلهة بصورة واضحة، فالآلهة لدى إسخيلوس تمثل مصدر الحقيقة والعدالة، أما يوربيديس فيتعامل معها بصورة نقدية، ويظهر ذلك على لسان أورستيس حين يشكك في أوامر أبولون ويرى أن من أمر بقتل الأم “شيطان يشبه الآلهة”.
وقد تحولت التراجيديا عند يوربيديس من اليقين إلى التساؤل والشك، ومن الطاعة المطلقة للقدر إلى محاكمة الأفعال إنسانيًا وأخلاقيًا. ومن ذلك المنطلق نجد يوربيديس يسخر من وسائل التعرف التي استخدمها إسخيلوس؛ مثل خصلة الشعر وآثار الأقدام ويرى أنها غير منطقية، وهو ما يكشف تأثره بالفكر العقلي والسوفسطائي.
وقد احتل الكورس مكانة مركزية عند إسخيلوس، حيث كان عنصرًا فاعلًا في تشكيل التراجيديا والتعبير عن الضمير الجمعي، أما عند يوربيديس فقد تراجع دوره تدريجيًا، وأصبح مجرد معلق على الأحداث دون تأثير حقيقي فيها، ويتكون الكورس في “إلكترا” من مجموعة من الفلاحات؛ وهو اختيار يعكس اهتمام يوربيديس بالطبقات المهمشة ويؤكد على انتقال التراجيديا من الحياة الأرستقراطية إلى الواقع الشعبي.
ورغم أن المسرحية شككت طوال أحداثها في الآلهة؛ إلا أن يوربيديس لجأ في النهاية لتقنية “الإله الآلة” لحل الأزمة الدرامية، حيث يهبط أحد الآلهة على المسرح برافعة خشبية لينهي الأزمة بتدخل إلهي لحسم المصير، لكن حتى هذا التدخل ليس انتصارًا مطلقًا للعدالة؛ بل يكشف عبثية المأساة، فالجريمة تُعاقَب بجريمة أخرى، والانتصار يتحول إلى شعور بالذنب والانكسار.
في النهاية يمكننا القول إن المقارنة بين إسخيلوس ويوربيديس تكشف كيف تطورت التراجيديا الإغريقية من مسرح تحكمه النبوءات والعدالة الإلهية؛ إلى مسرح يضع الإنسان في مواجهة نفسه وأسئلته ومخاوفه، فمن خلال شخصية إلكترا لم تعد المأساة مجرد قدر مفروض من الآلهة، بل أصبحت صراعًا نفسيًا وأخلاقيًا يكشف ضعف الإنسان وتناقضاته، وهو ما منح التراجيديا عند يوربيديس طابعًا أكثر قربًا من الواقع وأكثر قدرة على مساءلة فكرة العدالة نفسها.
|