|
القاهرة 02 يونيو 2026 الساعة 10:47 ص

عاطف محمد عبد المجيد
يمكنني أن أعترف بأنني تهت، أو استمتعت بأنني تهت، فلم أصل لا إلى المقهى ولا إلى الفندق، وقفت مبهوتًا بين بين، فكرت في أن أتصل ببنيس لأسأله عن الطريق إلى الفندق، لكنني خشيت من سخريته، فلا بد أن يصيح قائلًا: أنت تهت يا باشا؟
هذا ما يكتبه صبحي موسى في كتابه "وجوه طنجة.. رحلة البحث عن الموريسكيين"، الصادر عن دائرة الثقافة بالشارقة ضمن سلسلة إبداعات عربية، وفيه يكتب عن استقبال محمد بنيس له واحتفائه به، عن ساندوتش الديناميت الضخم الذي يجعل إحساسك بالشبع ملازمًا لك لمدة ثلاثة أيام وربما أكثر، عن فندق الريتز الذي نزل فيه وقد كان هو الفندق نفسه الذي أقام فيه محمد شكري، عن إدريس علوش شاعرًا ورحالة ومصورًا سياسيًّا يساريًّا قديمًا، وهو من أصول أمازيغية، واصفًا إياه بأنه أحد المناضلين الفلسطينيين، يكاد يؤمن بالقضية أكثر من أهلها.
هنا وفي "وجوه طنجة" الذي يُعتبر كتابًا في أدب الرحلات، يكتب صبحي موسى عن رحلته إلى طنجة التي أدهشته نظافتها حتى أنك لا ترى فيها ماسح أحذية، ولماذا يوجد ماسحو الأحذية في مدينة لا تتسخ فيها الأحذية من شدة نظافتها؟! في المقابل لا توجد شطافات مياه في حمامات فنادقها لأنها تتبع الأسلوب الفرنسي والفرنسيون لا يستخدمون إلا المناديل الورقية.
موسى الذي يمتلك هنا أسلوبًا سرديًّا سلسلًا وجميلًا، وعينًا تتأمل كل ما تراه باحثة عما خفى من تفاصيل، مازجًا بين مشاهداته والمعلومات التي يتحصل عليها من مرافقيه في هذه الرحلة، مضيفًا إلى سرده مسحة ساخرة وقتما يتطلب الأمر ذلك، ذاكرًا كل ما كان يعرفه عن المكان، والجديد الذي عرفه من خلال زيارته لطنجة التي قيل له من أحد مرافقيه إنها مدينة عالمية زارها كتّاب كثيرون منهم وليم بروز، ألن جنسبرج، جاك كرواك، إسحاق لاريدو، وبول بولز الذي تورط في حبها وأقام بها معتزلًا العالم هو وزوجته جين بولز، مشيرًا إلى أن أهل طنجة يبالغون في حبها.
كذلك نعرف هنا أن صبحي موسى كان وهو طالب جامعي مفتونًا بهانيبال الذي اختلس، من المكتبة العامة بالجامعة، كتابًا يرصد سيرته وأنه توحد معه في ديوانه قائلًا: أنا قادر على فتح روما، لكنها لا تريد، وأن المجاهد المغربي، الذي كان يظنه جزائريًّا، عبد الكريم الخطابي كان يقول: لا أرى في هذا الوجود إلا الحرية، وكل ما سواها باطل، وأنه اندهش كثيرًا وهو يعرف أن الإسبان يهتمون بالموريسكيين إلى حد كبير، وأن الموريسكيين هم البقية التي بقيت من الأندلس بعد سقوط غرناطة، وحافظوا على تراثهم وثقافتهم وهويتهم وأموالهم قدر المستطاع، وقبلوا بقانون التنصير عام 1496 آملين أن تتغير الأحوال.
قبل الموريسكيون بقرار التنصير وكان عليهم أن يلتزموا به كي لا يتركوا بيوتهم ووطنهم ورفات أجدادهم، لذا قرروا أن يعلنوا تنصرهم وأن يحافظوا على إسلامهم سرًّا، ولأن الحكومة كانت تشك في هذا، راحت تطالبهم بمزيد من الضمانات لإثبات ولائهم للدين الجديد، وحرّموا عليهم الأسماء والأزياء والكتب العربية، بل النطق بالعربية، بل وصل الحال إلى أن أمروهم بخلع أبواب ديارهم ليتأكدوا أنهم لا يمارسون ديانتهم خلفها، واشتغلت محاكم التفتيش باحثة عن أي خطأ لهم، وأدى هذا التعذيب والعنف الذي تعرضوا له إلى أن يقوموا بثورة من جديد.
ذهب صبحي موسى في رحلة إلى طنجة ليحضر مؤتمرًا عن الموريسكيين ليتعرف على تاريخهم عن كثب مخططًا لكتابة رواية عنهم سماها في ما بعد "الموريسكي الأخير"، وترجمت إلى أكثر من لغة أجنبية، ومن خلال رحلته عرفنا على الموريسكيين من خلال المعلومات التي راح يبحث عنها وتلقاها من مرافقيه طوال أيام رحلته، وكذلك ومن المؤتمر الذي حضر فعالياته، كما عرفنا على كرم أهل المغرب الكبير.
وعن لقائه بأول شخص موريسكي يكتب صبحي موسى قائلًا: كانت هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها شخصًا موريسكيًّا وجهًا لوجه، فمن أجل هذا أتيت، يمكنني الآن أن أعبئ العالم كله في ذاكرتي، يمكنني أن أطبع كل الوجوه في مخيلتي، فلا شك أنهم جميعًا موريسكيون. بدأت أنظر إلى الوجوه التي حولي بتأمل كما لو أنني أنظر إلى مجمع ماسوني، كنت أخشى أن تفقد عيناي أي شيء من التفاصيل، أو أتجاوز دون أن تتشبع روحي بالمكان وناسه وطقوسه. بدت لي بيسان شخصية تصلح لأن تلعب دور البطولة في الرواية التي لم تكتب بعد، وإن كانت فصولها شبه مكتملة في ذهني، فهي راشيل ابنة خال مراد، ذلك الموريسكي الأخير من عائلة تاريخية تمتد إلى عبد الله بن جهور وزير هشام المؤيد آخر خلفاء بني أمية في قرطبة.
|