|
القاهرة 02 يونيو 2026 الساعة 10:45 ص

بقلم: إيناس محمد عتمان
لم يكن فيودور دوستويفسكي في روائع أدبه، وتحديداً في "الجريمة والعقاب"، منشغلاً برصد تفاصيل جريمة جنائية أو تتبع هارب من العدالة، بل كان يفكك البنية التحتية للنفس البشرية في أقصى تجلياتها تعقيداً. عندما استلقى "راسكولنيكوف" في غرفته الضيقة التي تشبه القبر، لم تكن معركته الحقيقية مع المحقق "بورفيري"، بل مع صدى فكرته في أعماقه؛ مع تلك المساحة الرمادية الفاصلة بين كبريائه وندمه.
هذه المأساة الأدبية تقودنا إلى حقيقة أزلية: إن أعنف المعارك التي يخوضها الإنسان لا تحدث في الميادين المفتوحة، بل تدور رحاها في الغرف المغلقة لعقولنا وقلوبنا، حيث يظل المرء، منذ وعيه الأول بالوجود وحتى غيابه عن الحياة، هو قضيته الأولى والمركزية.إن هذه القضية الوجودية تنبثق من سؤال فطري يباغت المرء عند أول صدمة لوعيه الوجودي: "من أنا، وماذا أريد في هذا الوجود؟".
يجد الإنسان نفسه ملقى في كون شاسع يلفه الغموض، لكنه سرعان ما يدرك أن الغموض الأكبر لا يكمن في الخارج الممتد، بل في الداخل المتشابك والمعقد نسبياً. هناك، يعيش المرء تناقضاً مستمراً وصراعاً مريراً بين سطوة الغريزة وصوت الضمير، بين طموح جامح وعجز بشري ملموس بشكل متناقض.
هذا التناقض يحيل الذات الإنسانية إلى ساحة محكمة غريبة، يكون فيها المرء هو المجرم والقاضي والجلاد في آن واحد؛ فكل خيار نتخذه هو بمثابة حكم نصدره على أنفسنا، وكل تراجع هو انكسار داخلي صامت لا يعلم عنه العالم الخارجي شيئاً.
ومن هنا، يصبح ضبط البوصلة الداخلية وفهم دوافعنا ومخاوفنا هو الشغل الشاغل للوعي، وتفقد كل القضايا الأخرى—سواء أكانت سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية—قيمتها إذا سقط الإنسان في اختبار ذاته الأول. لكن، لماذا يبدو الوقوف أمام مرايانا الداخلية بهذه الصعوبة؟
الواقع أن الهروب من أنفسنا تحول في عالمنا المعاصر إلى ممارسة شبه يومية وممنهجة. فالضجيج الهائل الذي يطوق الإنسان المستهلك الحديث، والركض اللامتناهي وراء المظاهر، والغرق في تفاصيل حيوات الآخرين خلف الشاشات الرقمية والاستخدام المفرط للهواتف الذكية، ليس مجرد نمط حياة عابر؛ بل هو آلية دفاعية ونوافذ هروب نفتحها عمداً لتجنب لحظة صمت واحدة نتلاقى فيها مع ذواتنا دون أقنعة.
يتجلى هذا الهروب أيضاً في إلقاء اللوم المستمر على الظروف وخاصة الحياتية المشينة، وتعليق إخفاقاتنا على شماعات الآخرين باستمرار، وهو واقٍ وهمي يمنحنا عزاءً مؤقتاً، لكنه يعمق الفجوة بيننا وبين حقيقتنا، لينتهي بنا المطاف في حالة اغتراب مريح، نعيش فيه حياة لا تشبهنا، ونلبي رغبات لم نقتنع بها يوماً.
إن الخروج من هذا التيه الوجودي والإحساس بذواتنا لا يمكن أن يتحقق بالبحث في العالم الخارجي عن إجابات للأسئلة المهمة التي تدور في عقولنا، بل يتطلب شجاعة فائقة في الالتفات إلى الداخل، وإعلان المصالحة مع النفس، وتحمل الذات تبعات ذلك. هذه المصالحة لا تعني تبرير الأخطاء، بل تبدأ بالمواجهة الصادقة والاعتراف بالعيوب والزلات دون جلد مفرط أو إنكار جارح، وتكتمل بمرحلة الغفران الذاتي التي نتقبل فيها طبيعتنا البشرية الناقصة. عندما يتحقق هذا التناغم، تتحد طاقات الإنسان الروحية والفكرية، وتنتهي حالة التمزق الداخلي التي تستهلك مخزونه النفسي، مما يمنحه حصانة صلبة تمكنه من التعامل مع أعتى الأزمات الخارجية بثبات وهدوء.في النهاية، يظهر بوضوح أن إصلاح العالم أو صناعة أي حراك حضاري حقيقي لا يمكن أن يبدأ من الخارج، بل هو ثمرة حتمية لانتصار الفرد في معركته الصامتة مع نفسه.
إذا تصالح الإنسان مع ذاته وفهم خباياها، هانت أمامه التحديات الخارجية وتنحت الصعاب إلى زاويتها الحقيقية. وكما صاغ الفيلسوف اليوناني سقراط قديماً حكمته الخالدة "اعرف نفسك بنفسك"، فإن معرفة النفس تظل هي البوابة الوحيدة لامتلاك وعي حقيقي، وتفكيك شفرات هذا الكون، وتحقيق السلام الذي يبدأ من الداخل لينير، بعد ذلك، كل ما حوله.
|