|
القاهرة 02 يونيو 2026 الساعة 10:43 ص

قصة: حسن غريب أحمد
علَّم اللغة العربية عمرًا كاملًا؛ يصحّح أخطاء الآخرين، بينما كانت حياته خطأً مزمنًا لا يجد من يُقوِّمه.
في المدرسة، ظُلِم بصمت. كُسرت كرامته بتقارير باردة، وتقدَّم من لا يعرف الفرق بين الفاعل والظل.
لم يحتجّ؛ تعلّم مبكرًا أن العدل مادّة اختيارية لا تُدرَّس.
كان ناقدًا أدبيًا، يكتب الرواية والشعر ليلًا، بلا جدوى. الكلمات تخرج منه، ثم تعود إليه جثثًا باردة.
دوّن في مفكرته:
"أعلّم الإعراب نهارًا، وأدفن نفسي ليلًا… أموت كل يوم مئة مرة".
الزواج الأول أهداه بنتًا، وجرحًا لا يندمل.
دخل الحياة الزوجية بحلم شاب، ليكتشف منذ البداية أن الحقيقة غير ما قيل له. انسحب بصمت، وترك خلفه طفلة تتعلّم الصمت قبله.
الثانية كانت مريضة.
أنجبت له ثلاثة أولاد، وحوّلت البيت إلى غرفة مراقبة دائمة. حاول أن يكون زوجًا وطبيبًا وأبًا، لكن العقل حين ينكسر لا تُصلحه البلاغة.
كبر الأولاد على خوفٍ بلا اسم.
الثالثة كانت قناعًا أنيقًا.
أنجبت له بنتًا، واحتفظت بحياتين. وحين انكشف القناع، لم ينهَر؛ كان الانهيار قد حدث منذ سنوات.
أدرك أن الحب نصٌّ كاذب، وأنه قارئ سيّئ الحظ.
أما الرابعة، فلاحة من الريف، فكانت الخاتمة الثقيلة.
بعد أن أُحيل إلى المعاش، عاش أسوأ أيامه في بيتٍ بلديٍّ متهالك، غير آدمي. إهمال في النظافة، في الطعام، في الشراب، وفي كل ما يجعل الحياة حياة.
أنجبت له أربعة أولاد وبنتًا. الأطفال يملأون المكان صمتًا، والجدران تتقشّر، وهو يتقشّر معهم يومًا بعد يوم.
في نهاية الستين، جلس يكتب كما لو كان يحرّر شهادة وفاة مؤجَّلة.
ناقد لا يُقرأ، روائي بلا أثر، شاعر تموت قصائده قبل أن تولد.
ظُلم في العمل، خراب في البيوت، وأبناء يشهدون سقوط الأب دون أن يفهموا اللغة التي سقط بها.
لم يعد يخاف الموت.
ينتظره كمن ينتظر نهاية حصة طويلة بلا جرس.
أنهى آخر نصٍّ له بجملة واحدة:
"حاولتُ إعراب حياتي.. فاكتشفتُ أنني كنتُ خبرًا محذوفًا، والموتُ وحده هو المبتدأ".
|