|
القاهرة 02 يونيو 2026 الساعة 10:41 ص

قصة: مهاب حسين
-"اهبط منها، فأنت لا تستحق البقاء فيها".
قرب منتصف الزقاق المفضي إلى دكانته الضيقة، كان السرادق مُشيداً، ورائحة القهوة تعبق الجو، الليل مضاء فوق رؤوسنا بالمصابيح.
-"البقاء لله، وله في خلقه شؤون".
-لن تبق فيها دقيقة بعد الآن، كم جحدت اليد التي أطعمتك، والثوب الذي سترك، واللحم الذي كسا العظام.
ما أجحدك!!
اخترت مكاناً قصياً، داعبت أشجاني القديمة، فتذكرت كل الراحلين، تمايل رأسي منتشياً بالتلاوة، تصاعدت مني آهة مخزونة.
مال نحوي أحد الجالسين بجواري، قائلاً:
- لم يكن يعرف أحد قدره..
أأنت من أقاربه؟
- أنسيت لحظة أن اقترفت إحدى حماقاتك التي كادت تودي بحياتك، والتجأت إلي، أخذلتك؟..
ألم أحمِكَ..
وأهديك أسباب الحياة من جديد، وقد عفا الله عما سلف.
لم أبخل، وأنت لم تستح، أهذه شيم الكرام؟
ارتمى في صدري، دمعاته الحارة بللت وجهي وقميصي، داهمني صوته الأجش الجياش بالحزن:
- ذهب حبيبك وحبيبنا، لم يعد لنا أحد بعده.
ضممته في حنو، وفناجين القهوة تصعد وتهبط في حركة بندولية رتيبة، والمقرئ يسترسل في آلية.
- أترك وصية؟
- بل ترك ما هو أثمن!
-وعندما طُردتُ من عملك، ألم أقف بجوارك، أعطيتك الدكان وملأته لك، لحظتها قلت لي:
- سأُدبر ثمنها عندما يتيسر الحال.
لم أرفض، وأنت تعلم أن الأحوال قد تغيرت، وشح الخير، ولم يعد الزمان زمان جود، لكني أبدا لا أنسى وسطائي.
فلماذا تسيء إلي.. كلما مددت يدي بإحسان؟
نظرت للقناديل المدلاة كأقمار تسبح في السرادق.. تطير وتحط أخيرا فوق رأسي، تحسستها براحة كفي.
طلبت كوباً من الماء، ورفضت فنجان القهوة الممدود. مضى عني النادل في استياء.
رمقت أكبر الأبناء متكوماً فوق الكرسي، يحدق في ذهول، يداه تتكلمان بإشارات مبهمة.
اقتربت منه..
مددت يدي بالعزاء، ما أن رآني حتى انتفض واقفا.. وقد رُد إليه ثباته، قال لي:
- لم ينطق بشيء قبل رحيله غير اسمك.
حتى عندما علمت أنك تشيع عني ما ليس في، لتكتسب قروشاً قليلة.
لم أحزن..
لأني أعلم أنك ضعيف عجول، كم نصحني أتباعي بالتخلص منك أو إفساد تجارتك، لكني لم أفعل.
لم تعط الدم حقوقه.. أحسبت أن عطفي عليك بلا حدود؟
حام حولي النادل واقترب بالصينية، نهرته:
-لا أريد قهوة.
دار حولي دورتين نحو الجالسين، ثم عاد إلي بإصرار، تصنعت الانشغال عنه بالإنصات للتلاوة.
مد الصينية قرب وجهي، تجاهلته..
رفع وجهي بإصبعه، احتقن الدم في عروقي، كدت أصفعه، لكن نظرته الثابتة أوقفتني، ألح بإيماءة..
حاولت الاستنجاد من وقاحته بالمعزين، لم أجد أحداً!
نظرت للقناديل المدلاة، وجدتها انقلبت خفافيشَ تطوف المكان متلاطمة، أخفضت رأسي، حاولت الانصراف، لم أجد منفذا للخروج.. أشار للفنجان مرة أخرى،
صرخت في وجهه:
-لا أريد، لن أشرب.
قهقه عاليا.. ثم أخذ الفنجان وألقاه في جوفه دفعة واحدة..
فيما استرسل المقرئ في التلاوة.
|