|
القاهرة 02 يونيو 2026 الساعة 10:35 ص

بقلم: أميرة السمني
في الأول من يونيو كل عام تحتفل مصر بذكرى دخول العائلة المقدسة إلى أراضيها، وقد أدرجت منظمة اليونسكو هذه الاحتفالات على قائمة التراث الثقافي غير المادي لمصر عام 2022. باركت العائلة المقدسة أراضي مصر من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها ذهابًا وإيابًا، بدءًا من سيناء ومرورًا ببورسعيد والشرقية والغربية ووادي نطرون ثم مسطرد والمطرية ومصر القديمة والمعادي ووصولًا إلى المنيا وأسيوط، ثم في طريق العودة مرة أخرى إلى بيت لحم بفلسطين.
شكّلت هذه الرحلة الدينية والتاريخية المهمة مصدر إلهام للفنانين التشكيليين من مختلف الثقافات والجنسيات وعلى مر العصور، وتنوعت لوحاتهم بشكل كبير بحسب الترتيب الزمني والمدارس والأساليب الفنية، وكذلك في اختيارهم للمشهد المصور، فمنهم على سبيل المثال من صور مشقة الرحلة في الصحراء أو عبر النيل، ومن صور العائلة المقدسة محاطين بالآثار المصرية، فصار لدينا إرث عالمي عظيم ومتنوع من اللوحات التي تجسد رحلة السيدة مريم ووليدها سيدنا عيسى في أرجاء مصر.
وقد شرفت بعرض جانب من هذه اللوحات في العامين الماضيين في احتفالات المركز القومي للترجمة بعيد دخول العائلة المقدسة أرض مصر وإصدار كتاب "رحلة الخير: العائلة المقدسة في مصر" للكاتب أحمد إبراهيم الشريف، وتحت رئاسة الأستاذة الدكتورة كرمة سامي، وفي هذا المقال أنتقي لكم مختارات من هذه اللوحات البديعة من مختلف العصور والحركات الفنية لنرى كيف تجسدت رحلة العائلة المقدسة إلى أراضينا في الفن العالمي.
ولنبدأ رحلتنا بالعودة قرونًا إلى الوراء، ونتوقف عند عصر الفن البيزنطي (300-1453). من خلال لوحة "الهروب إلى مصر" (1270) للفنان الإيطالي غيدو دي سيينا (1230-1290) نستطيع أن نلمس مفاتيح هذا الفن، حيث كان التركيز ينصب حصرًا على الموضوعات الدينية، مع الالتزام برسم الخلفية باللون الذهبي، وإحاطة الشخصيات المقدسة بهالة نورانية، وكانت الوجوه تبدو جامدة ومتشابهة دون مسحة إنسانية، كما تظهر اللوحة مسطحة تمامًا دون أبعاد هندسية أو منظور حيث تصطف الشخصيات كلها على خط واحد.
كل هذه السمات تغيرت تمامًا في عصر النهضة، عصر مايكل أنجلو ودافنشي ورفاييل، الذي بدأ في القرن الرابع عشر في فلورنسا بإيطاليا واستمر حتى القرن السادس عشر، ووصل بالفن إلى قمة الكمال والإبداع. تعرض لوحة "الهروب إلى مصر" (1500) للفنان الإيطالي فيتوري كارباتشيو (1465-1525) مثالًا ممتازًا للوحات عصر النهضة، حيث تتسم بالتفاصيل الكثيرة المتقنة والتناغم والتناسق بين جميع عناصر اللوحة، ونرى في الخلفية منظرًا طبيعيًا خلابًا وليس مجرد خلفية مذهبة مع تطور كبير في مفهوم المنظور.
ننتقل إلى لوحات فن الباروك (1600-1750)، وهي كلمة مشتقة من كلمة برتغالية تعني اللؤلؤة الخام أو الخشنة للدلالة على عدم انتظام الشكل الذي تميز به هذا الطراز. تتسم اللوحات الباروكية بالألوان الداكنة وابتكار أساليب جديدة في تصوير الضوء والألوان، والتركيز على الموضوعات الدينية، لذلك نجد أكثر اللوحات التي تناولت حياة العائلة المقدسة تنتمي إلى عصر النهضة أو الباروك. ومن بين هذه اللوحات لوحة "الهروب إلى مصر" (1657-1658) للفنان الفرنسي نيكولا بوسان (1594-1665). تتميز هذه اللوحة بطراز كلاسيكي وتأثر واضح بالعمارة والأزياء الرومانية، وفيها تبدو السيدة مريم وهي تحتضن صغيرها وتنظر إلى الخلف ربما حزنًا على بلدها الذي تفارقه أو للتأكد من عدم تتبع جنود هيردوس لهم، وتظهر السماء ملبدة بالغيوم في اتجاه الأرض التي فرت منها العائلة المقدسة، بينما هي صافية في الأمام في اتجاه ذهابهم إلى مصر، حيث يشير إليهم الملاك، وفي ذلك دلالة على قرب بلوغهم الأمان وانقشاع غمة الخوف.
جاء بعد ذلك فن الروكوكو، وهو طراز فني أرستقراطي نشأ في فرنسا حوالي سنة 1700 ويعتبر تنويعًا لفن الباروك، بدأ كطراز لتصميم المفروشات والأثاث لتزيين القصور الفرنسية الفارهة ثم انتقل إلى الرسم والنحت. ومن أمثلته لوحة "الهروب إلى مصر" للفنان الفرنسي جان أونوريه فراغونار (1732-1806)، التي يجسد فيها مشهدًا حانيًا للسيدة مريم وهي تدلل وليدها وتقبله بدلًا من تصوير مشقة الرحلة، وهذا يتفق مع عصر الروكوكو الذي ابتعد عن اللوحات الدينية على عكس العصور التي سبقته.
وفي القرن التاسع عشر نشأت عدة مدارس فنية، مثل المدرسة الرومانسية، التي اعتمدت على حرية الفنان في التعبير عما يدور في خياله، وتنوعت بشكل كبير جدًا أساليب الرسم والموضوعات بداخلها. ومن بين لوحات هذه المدرسة، لوحة "فجر المسيحية" أو "الهروب إلى مصر" (1841) للفنان الإنجليزي جوزيف مالورد ويليام تيرنر (1775-1851) والتي تجسد منظرًا طبيعيًا بديعًا لنهر النيل، تسير على ضفافه السيدة مريم حاملة السيد المسيح ويتقدمهما يوسف النجار.
وكرد فعل مضاد للمدرسة الرومانسية، تشكلت المدرسة الواقعية، وكانت تعتمد على تصوير مشاهد من الحياة اليومية بشكل مباشر، ولم يكن هناك متسع لرسم موضوعات دينية، ولكن لدينا لوحة "الهروب إلى مصر" (1864) للفنان الفرنسي جان فرانسوا ميليه (1814-1875) أحد رواد الواقعية، وفيها يجسد مشهدًا من الرحلة إلى مصر بطريقة واقعية دون الاعتماد على خياله أو الاهتمام بالتفاصيل.
كما ظهرت في القرن التاسع عشر أيضًا لوحات المستشرقين التي تقع ضمن المدرسة الأكاديمية في الفن، وهي لوحات لفنانين أوروبيين رسموا مشاهد من بلاد الشرق. قدم لنا هؤلاء الفنانون أجمل اللوحات لرحلة العائلة المقدسة، ومنهم على سبيل المثال الفنان الفرنسي يوجين جيراردي (1853-1907) في لوحته "الهروب إلى مصر" التي تتسم بطابع مصري مميز حيث يصور الأهرامات في الخلفية، كما ترتدي العائلة المقدسة ثيابًا شرقية بعكس اللوحات السابقة التي تحمل طابعًا أوروبيًا. على الغرار نفسه، يصور الفنان الفرنسي جان ليون جيروم (1824-1904) مشهدين للرحلة أحدهما نهاري "الهروب إلى مصر"، والآخر ليلي "الهروب إلى مصر ليلًا" (1897)، ويتخذ من الصحراء مكانًا للوحتين. وفي لوحة "الراحة في الرحلة إلى مصر" للفنان الفرنسي لوك أوليفييه ميرسون (1846-1920)، يتبدد الشعور بالخوف من أخطار الرحلة برمزية احتضان أبو الهول للسيدة مريم وصغيرها. بينما يصور لنا الفنان الإنجليزي إدوين لونج (1829-1891) في لوحته "الهروب إلى مصر" (1883) مشهدًا احتفاليًا مختلفًا تمامًا مع تصوير الآثار والأزياء المصرية القديمة.
وفيما تلا ذلك لم تعد الموضوعات الدينية تستحوذ على اهتمام الفنانين في الكثير من المدارس الفنية مثل الانطباعية أو السريالية والمدارس الفنية الأحدث بشكل عام، ولكن ظلت هناك دائمًا محاولات فنية لتجسيد رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، وإن كانت بصورة أقل. تمنيت أن يتسع المقال ووقتك لمشاركتك قرابة 200 لوحة جمعتها عن هذه الرحلة المباركة، وما هذه المجموعة الصغيرة إلا باقة زهور انتقيتها لك من حديقة غناء أزهرت على أرض مصر.



|