القاهرة 02 يونيو 2026 الساعة 10:34 ص

بقلم: محمد عطية محمود
تحضر "الرواية" كفن مواكب ومحايث للوجود الإنساني دائمًا لتجسد/ تتمثل حالات إنسانية في لحظات فارقة ممتدة عبر جسد المكان، وتوالي الزمان، لتصنع تاريخا خاصا بها وبشخوصها، لتكون شاهدة على حالة من مد إنساني يعاني دائمًا في مواجهة المواقف الكبرى والمؤثرة في حياة البشر أو وجود شخوص تعاني أرق مواجهة ذواتها ونفسياتها المغرقة في التعقد والإبهام، فللرواية دور نفسي كبير تلعبه من أجل سبر غور تلك الذوات التي تمثل البشر بتوجهاتهم وألوانهم وأيديولوجياتهم كافة، فهي دائمًا تبحث عن المتناقض/ المفارق/ غير المستنسخ من تلك الحيوات، لتضعنا دائمًا في المواجهة مع كل ما يعترض الوجود من منغصات ومن رياح مناوئة تعترض المسيرة الإنسانية ومن ثم الاجتماعية الحاضنة، بوضعها دائمًا على محفة السؤال؛ لتشعل أرق الإجابات وتحديد جدواها، دون إطلاق للأحكام، وهي تجسد/ تستبق ما هو آت على حد السواء.
وفي هذه المجموعة المختارة من الروايات، يتبين لنا إلى حد بعيد مدى سريان الرواية ضد اتجاه الريح، وللكشف عن الحقائق المتوارية، سواء على مستوى الواقع أو على مستوى التخييل؛ لتصنع حالة من الفوران والثورة على المعتاد من الأمور الروتينية الظاهرية التي تسير عليها الحياة في واقع اجتماعي تفتح دفاتره، لتلتقي الرواية، الإنساني المغاير القائم على فكرة التثوير/ التمرد؛ لتنطلق من هذا الإسار في محاولات ضمنية لخلخلة الصورة والقفز عليها والتغور في داخلها وسبر غورها، وتقديمها بما يتناسب مع حركتها المناوئة؛ والتي تتباين من رواية إلى أخرى ومن روائي إلى آخر، ومن منطقة في متنها إلى منطقة أخرى بحسب قوة التيار الذي تعانده أو تعمل على الوقوف ضده.
• الموروث والأسطوري
في رواية "أوراق العائلة" للروائي "محمد البساطي" نجد هذا الرصد الرافض لتلك الأوراق القديمة التي تقدمها العائلة من خلال راويها الشاهد على معالم المكان وبمرور حقبات الزمان وأثره البالغ في الذات الراوية/ المروي عنها على حد السواء، ما يصنع معها تقاطعا إنسانيا مرتبطا بالذاكرة، يستقي من التاريخ المرتبط بالأوراق رائحة تلك الذكريات من خلال تيمة روائية، وهي الحكي، أو النسج على منوال قديم، يؤجج الصراع كسمة من سمات الوجود، وكحبكة سردية تعتمد روح السرد، بما يسمح بتمدد العلاقات الناشئة والمتوالدة من رحم هذا الحكي المتواصل بشخوصه ودلالات المكان وأثر الزمان والحكاية المروية المبثوثة داخل النص الروائي؛ بما يجعلها علاقة عنقودية/ وثيقة تؤسس لوجود مجتمع مرتبط بأسطوريته وبدواله، بشهادة الرواية عن تلك الحقبة وممارسات ربما خرجت عن المعتاد لتكرس لوجود روائي فاعل منطلق من أرض خصبة بكل مفاتيح الثراء الإنساني، ومن ثم ثراء فكرة روائية تحمل همَّ تقديمها في هذا الحيز من الأوراق.
وهو ما يمتد معنا لنراه في"خافية قمر" للروائي "محمد ناجي"، حيث ينطلق من العادي والمعتاد نحو الأسطوري الذي تصنعه الحالات الخارقة للوجود في حيز مشبع بالجدل وتساؤلات ملحة يطرحها الواقع؛ حفرا في عمق موروث يلتبسه التخيل والعبث، يشتبك إلى حد كبير مع ما يحدث على ساحة الواقع المعيش والمجرب في رحلات يقطعها السارد فيما بين الزمان الأسطوري المتناقل بالحكي والمرويات القديمة المرتبطة بالتراث/ الحضارة البدائية البائدة المتمثلة في شخوصها الأسطورية، وتقاطعاته، وبين مكان يمثل أيقونة مهمة جدا من أيقونات العمل الروائي، وحيث تظهر من خلاله شخصيات جدلية (أسطورية) تشبع المخيلة المفتتنة بذاك الملمح من العبث والجدل معًا، وما يعمل في اتجاه آخر على هواجس نفسية تنتاب الراوي؛ ليسبح معها ضد اتجاه الرياح، كما انتابت راوي النص السابق للبساطي؛ ليجتمعا على همٍّ إنساني لا خلاص منه ولا تطهُّر إلا بفعل الرواية القادرة على غمس الواقع في مائها مع محاولات الخروج بالصورة التي نشتهيها أو لا نشتهيها على حد السواء، لتقع الرواية ومتلقيها دائمًا في هذا النهر من الحيرة والشك والارتياب.
وهو ما يلعب عليه وعي السارد في رواية "خالتي صفية والدير" للروائي "بهاء طاهر" حيث يجسد تلك النزعة لتجلية الحقائق، والذهاب بعيدًا نحو مناطق من الذاكرة يتحملها الوعي الخصب والذي ينوء بحمل التفاصيل العالقة بالذهن والمشاهدات والمرويات والآثار المتناقلة بين الأجيال، وبين كافة طوائف المجتمع الصعيدي المغلق على أسراره، وعلى رموز السلطة والتحكم الغريزي والسلطوي فيه؛ حيث يبرز نموذج تلك المرأة "صفية" كأيقونة للنص الروائي وللعنوان كدلالة، فهي تتمثل ما يفعله الرجال الأشداء القادرون على تغيير المصائر، تعاند رياح الرجولة بتحكماتها ورغباتها في الانتقام والخروج عن النسق المعياري لمجتمعات محملة بالموروث، لتحمل عصا المصائر في هذا الحيز الواقع لتستلب النماذج الذكورية.. فيما يندمج فيها عنصرا الأمة في مواجهة هذا البطش وفي عتاد تلك الرياح الباطشة التي تمثلها المرأة المنتقمة المتجبرة، على عكس ما تحكم به القواعد والأعراف القبلية والموروثة، في تركيبة عجيبة تدفع للتكريس لنوع من أنواع الأسطورة التي تحكم بها الحالة وجودها الصادم والمغاير والمناوئ دائما للرياح، لتتلاقى الشخصيات على ذلك العناد، وضد الرياح، ولتنتصر الرياح في الظاهر.
• السخرية والعبث الوجداني
أما في رواية "زهر الليمون" للروائي"علاء الديب"، فنبحر أيضًا مع تلك الرحلة التي يعود فيها البطل المهزوم (كرمز من رموز مرحلة انكسار الحلم الناصري) إلى جذوره وإلى حالة السقوط التي تبدو من خلال أشجار الليمون التي تندهس ثمارها تحت الأقدام، بحثًا عن قوة جديدة يستمد بها وجوده!! من بعد تلاطمات الحياة وعناد الرياح التي تجبله على الاستسلام، ولو على المستوى الظاهري، لتلك الهدأة/ حالة الكمون التي تتبع العاصفة، وتتبع تلك الحال من الانكسار، وهو ما تقدمه الرواية من خلال التغور في المكان القديم والجديد معًا في مراوحة ذكية تستطيع تقليب الجمر من تحت الرماد؛ ليصير البطل عكس كل الرياح المناوئة له في قضية وجود إنساني محطم ولكنه شجي يعتمد على تفاصيل دالة على التشظي، وعلى التنقل بين علامات المكان من صحراء السويس إلى القاهرة وللتجول في الذاكرة بحثا عن ذكريات الإسكندرية الفاتنة، ليعود مرة أخرى إلى ذات المكان الذي ارتحل منه في نهاية دائرية تؤكد عدم إمكان التحقق من الهدف المرجو في معاودة عناد الرياح، حيث يصطدم بالرياح العاتية لصحراء السويس مرة أخرى، انتقالا وتجسيدا لقوة المكان كرمز فاعل في متن العمل الروائي، لينتصر وجوده في هامش الحياة في النهاية.
تبدو السخرية والعبث ملمحين مهمين ورئيسين يرتكز عليهما نص "صهيل المحارم" للروائي"فؤاد حجازي" كمدخل رئيس من ملامح التعبير عن إشكالية الفساد في مجتمع يقع فيما بين الريفي والمديني، ومن ثم مواجهة رياح فاسدة تعمل على تسميم المجتمع وخروجه من حيز إنساني إلى حيز حيواني متمثل في صهيل الحصان الذي يفرض وجوده الواقعي، ويقتسم الحياة مع العنصر البشري، ما يفتح الباب لحدوث العديد من المفارقات والعلاقات الغريبة بين تلك النماذج البشرية التي تختلط بالدابة/ الحيوان لتصبح علاقة عجائبية تكتنفها السخرية المُرة، وهي تعبر عن مواجهة تلك الجحافل الفاسدة الشريرة، وهذا الخلط العبثي لحياة الحيوان التي زاحمت الوجود الإنساني لتكرس لحيونة الإنسان وإهدار قيمته وعدم جدارته بالوجود الملائم لصالح رموز أخرى من البشر لهم حق الهيمنة والسيطرة، بما يشي بتنوع تلك الرياح المجابهة.
• بين الصوفي والوجداني
في حين تبدو الثورة كملمح من ملامح التمرد والعناد ضد رياح الظلم والسلطة القاهرة، مع تضفيرها بالحالة الصوفية، من النقاط الفريدة التي ميزت رواية "لا تسقني وحدي" للروائي"سعد مكاوي"، وهو يدمج بين الثورة والعلامات والرموز الصوفية ودورها الفاعل في إذكاء المقاومة وتفعيل قوة الخلاص من هذا الظلم الواقع على جموع البشر، وربطه بحالة الارتقاء الصوفي الذي يمثل مقابلًا وضدًا لحالة الهروب أو النزوع إلى التخلي التي ربما وُصمت الصوفية بها، لتكون هنا على العكس سلاحًا بتارًا لكل ما يعترض سبيل الحياة الآمنة المطمئنة في حرية وإباء وشمم، لتبرز بطولات أبناء البلد الشرفاء، كرؤية يقدمها الكاتب من خلال التداخلات الشفيفة والمحركة لقوى الروح ورموزها القوية كالسهروردي وغيره لإذكاء روح المقاومة والثورة، ومن ثم الانتصار لهذه القوة الجبارة في سياق شعبي مؤمن، خلال حقبة من حقب التراث والتاريخ التي لامست فترة حكم المماليك، وهو التحام فريد للرواية مع الثورة والتراث والتاريخ وقوة العقيدة المستمدة من الروح، وإسقاط موظف توظيفا فنيًا وتعبيريًا؛ لتنتصر الروح القوية المتماسكة متمثلة في انتصار الثورة ونجاحها في مواجهة الرياح.
في رواية "ذاكرة الأشجار" يسبح الروائي"محمد جبريل" ضد التيار ويواجه الريح في قضية شائكة من قضايا المجتمع الذي يبحث دائمًا عما يقوي دعائمه ويقيم صلبه، فالشخصية الروائية هنا تجوس في علاقة مع امرأة مختلفة العقيدة، تقوده هذه العلاقة من خلال تتبعها والتعلق بها لولوج العالم السري لها من خلال رموز عائلتها وطقوسها المغايرة لطقوسه، فيتبع حالة من التصدي لرياح مغايرة تمامًا، ولمفاجآت تعمل على الوقوع في الحيرة والالتباس والتخيل والوقوع في دوائر عدم إمكان الوصول من بعد هاجس الوصل والتحقق منه، وفي ظل رمز كبير للعلاقة الإنسانية، رمز الشجرة الذي يذكرنا أو يتماس مع شجرة ليمون علاء الديب، لكن الأشجار هنا تتقاطع وتتشابك وتتفرق في علاقة غرائبية، ثم تختفي لتصنع ذاكرة تشبه الذاكرة الإنسانية، وفي التقاء مع الرمز المكافئ لها، وهو نماذج المرأة في العمل الروائي تتقدمها أيقونة امرأة معشوقة تلقي بظلالها على كل شيء ثم تختفي ومعها كل مفاتيح الأسرار تاركة البطل نهب رياح تمكنت الرواية في صميم هدفها من مواجهتها ولو على المستوى الفني المتماسك، بغض النظر عن إخفاق الشخصية الرئيسة في ذلك.
• ديستوبيا الواقع
في "بيت الياسمين" للروائي "إبراهيم عبد المجيد"؛ فتبدو العلاقة المضطربة بين الشخصية الروائية العبثية وبين واقع ديستوبي تعيشه على المستويين: الذاتي والعام؛ لتصنع واقعًا جديدا تجيد من خلاله معاندة رياح تجابهها برياح أخرى ليست قادرة على التغيير بقدر ما هي ماضية في صنع طريق تواجه به العالم بآلية مختلفة ومغايرة بالتدليس والتزوير، فالرواية هناك تواجه الفساد المشترك بين الواقع المحيط وواقع الشخصية الجديد الذي لا يعاند من خلاله إلا الريح التي تعصف بكل شيء في النهاية، لتبقى دائما هناك فرصة جديدة لإعادة إنتاج الحالة وتقديمها من خلال نماذج شائهة تتلون كي تتعاطى مع أجواء/ ثوابت، لا تكون النجاة من ربقتها إلا بالدخول في حالة من الهروب المادي والمعنوي بعيدا عن رياح جبارة تعصف بكل شيء ولا تدعه لحاله أو في حالة ثبات واستقرار.
وفي رواية "فساد الأمكنة" تبدو قدرة الروائي "صبري موسى" على الحفر في الذات البشرية التي يملك النص براءة أسطورية وجودها كحالة تعاقر الألم والمجد معا في واقع ديستوبي خرب ومتعفن، وبالغ الإثارة على المستوى الوجودي للمكان، وكجزء منعزل عن خريطة العالم تبدو الطريق إليه ممهدة بالفجور والفساد والاستلال الأخلاقي والإبحار في بحر من الملذات والمصالح والاعتبارات الأكثر تعقيدا وعن مستوى المعتاد من البشر العاديين الذين يمارسون حياتهم من واقع الفطرة التي قد تكون سليمة أو عكس ذلك.. تأتي أهمية دور البطل التراجيدي المتمثل بالآلهة في صحراء تخبئ كنوزها ولا تبديعا إلا بالدم والعمر المهدر والخسائر الفادحة التي تأتي على أعقاب إمبراطورية يتحكم فيها من يملك سطوة الحكم وزمامه في مرحلة الملكية كحقبة تاريخية يبدو فيها المسكوت عنه أكبر بكثير من المعلوم والظاهر والعامل على زخرفة الواقع وتقديمه في صورة بهية بعيدا عن التعفن والتفسخ والصراع المرير المقابل الذي تعتصر فيه الشخصية الوجودية آلامها وآلام العالم الذي يخصها أو تنتمي إليه إنسانيا، لتبدو النهايات في قوة غموض البدايات.
• رياح التاريخ
وأخيرا، ليس بآخر، ومن خلال رواية "كوكو سودان كباشي" تمارس الكاتبة "سلوى بكر" الإبحار ضد التيار ومواجهة رياح التعتيم، وضد المسكوت عنه من قضايا حقوق الإنسان أينما كانت، فتأتي الشخصية الأيقونية/ شخصية الظل في الوقت ذاته والتي حمل النص الروائي اسمها لتثير قضية الفصل العنصري والقهر العرقي المتمثلة في رحلة بحث من خلال مخطوطات تاريخية تشتبك مع توثيق للتاريخ لتقدم جانبين أحدهما سياسي وتاريخي مغلق على العموميات، وآخر إنساني بحكم التعامل مع تداعيات هذه الفترة وكشخوص ماثلة فيها، فيأتي البحث من خلال رغبة الشخصية المتعددة الجنسيات في الوصول إلى جذورها المصرية، والتي بدأت حكايتها مع حرب ربما سقطت من التاريخ وهي حرب المكسيك في آخر قارات العالم، وما تم فيها من استجلاب القوات المصرية والسودانية للمشاركة في حرب لا ناقة فيها ولا جمل إلا لأصحاب المستعمرات والأطماع في تلك الحقبة التاريخية التي تكاد تكون مظلمة، لتكون القناعات الفاصلة هي قناعة قضية حقوق الإنسان أينما كان، وهي التي فجرت المخطوطة وما حولها من أحداث آنية مرتبطة بهذا التاريخ وبعنفوان البحث الجاد والتعاطف الوجداني مع رمز يمثل قضية من قضايا الوجود.
من خلال هذا الاستقراء السريع لفحوى نماذج روائية تمثل علامات في المسيرة الإبداعية لكتابها، وللرواية المصرية في حلقة وسطية من حلقات الإبداع ضمت جيلا ساهم في تأسيس حالة من الكتابة الروائية مفعمة بأسى الواقع، وواقعيته التي جنحت إلى كثير من مناطق حساسة تجترح الوعي العام والخاص على نحو يقدم تشريحات فنية قادرة على تعرية الواقع ومحاولة إزالة وريقات قليلة ظلت تستر عريه لتقدم صورا لا تنتهي من العوار الاجتماعي، وهو الدور العميق الذي تقدمه الرواية في كل مراحل وحقب الزمان المتوالية، لتتماس مع الوجع الإنساني، وتعمل على خلخلة المنظومة القيمية من خلال تشريحها وسبر غورها وتقديمها، لا رغبة في حلول ولكن إشارات ربما تدفع البحث فيها من خلال محاور أخرى من أجل القيمة الإنسانية وتحليل الخطاب الاجتماعي النفسي للمجتمع، وكصور قادرة على إثارة الدهشة في لحظات فارقة قادرة على كسب جولة في معركة الوجود، وإثبات قيمة الإبداع في محاولات الانفكاك من أسر الواقع، بصور للواقع أكثر إثارة وأكثر تعبيرا عنه، وتسليطا للضوء، وحيث تقف الروايات كالأشجار تعاند الرياح فتغلبها أو تقتلعها، أو تظل صامدة لا حراك فيها تتحدى الزمن لترصد تجلياته وتداعيات العلاقة مع الزمان والمكان لنصنع تاريخا وتؤكد حاضرا، ثم لتنظر نظرة مستشرفة للمستقبل بعين الوعي والإرادة الضمنية لمحاولة تغيير الواقع أو التغلب على سلبياته وعوراته.