|
القاهرة 26 مايو 2026 الساعة 07:22 م

قصة: هشام فتحي
ذات يومٍ، في عصر المماليك، وفي قصرٍ مليء بحياة الترف، عاش قائد الجيش صاحب الانتصارات العظيمة، بين مجد الحرب ومتعة الصيد في البراري الشاسعة.
كان الصيف قد بدأ منذ أسابيع قليلة، بدت حرارة الجو شديدة، وبخاصة وقت الظهيرة، وبدأ موسم الصيد في البراري.
تسمَّرت «زبيدة» في مكانها لا تعرف ماذا تفعل بعد أن سمعت أن الأمير قد خرج في رحلة صيد. تعجبت من الأمر؛ إذ إن الأمير كان قد اعتاد أن يصطحبها في جميع رحلات الصيد. سمعت العبيد يتهامسون بالخبر، ويتساءلون عن سبب عدم اصطحابه لها هذه المرة.
تباينت آراؤهم؛ فمنهم مَن علَّل ذلك بأن «زبيدة» قد كبرت سنها ولم تعُد قادرة على رحلات الصيد، وبخاصة أنه فصل الصيف والحرارة شديدة في البراري، ومنهم مَن أرجع ذلك إلى سأم الأمير منها؛ فهي معه منذ سنوات كثيرة.
من وجهة نظرها، لم يدركوا الحقيقة؛ فهي ترى أنها ما زالت صغيرة وقادرة على الركض في البراري كما اعتادت، كما أن الأمير لم يسأم منها؛ بدليل أنه ما زال يشملها برعايته؛ فقد خصص ثلاثة من العبيد لخدمتها ورعايتها.
لطالما رأت نفسها رائعة الجمال، لم يكن ذلك وهمًا؛ فقد أخبرها الأمير بجمالها في مناسباتٍ عدَّة، كان يصفها بأنها ناصعة البياض كحبات اللؤلؤ. وعيناها، كان يقول إن عينيها بلون السماء، تحيط بهما رموش كخيوط حريرية.
أما شعرها فقد وصفه كثيرًا وشبَّهه بتشبيهات جميلة، كان يقول إن شعرها ينساب كشلال من ضوء القمر، يتراقص كلما داعبته الرياح، فينطلق عبير الزهور في المكان.
كانت رشيقة القوام، تمشي بخفة ورقَّة وكأن الأرض لا تكاد تشعر بخطواتها.
كان يتغزَّل فيها وفي جمالها كثيرًا، مما أعطاها ثقة كبيرة بجمالها وتأكيدًا قويًّا لحب الأمير إياها، ولكنه اليوم قد خرج إلى الصيد دونها.
امتلأ قلبها بالحزن وغاب عقلها في حيرة وراء السبب. ظلَّت تروح وتجيء في غرفتها المغلقة عليها، وعلى بابها الحراس. فكرت أن تخرج إلى البراري خلف الأمير، ولكن كيف؟! سيمنعها الحراس، غير مسموح لها بالخروج إلا مرة واحدة في اليوم، وبصحبة الحراس. تساءلت: كيف يمكنها الهرب إلى البراري لتلحق بالأمير؟
نظرت من الشبَّاك الوحيد في غرفتها، رأت حديقة القصر، وسرحت في رحلات الصيد. كانت تصاحب الأمير ولا يفارقها أبدًا طوال الرحلة.
استحضرت مشهد خروجهما إلى الصيد وهما يسيران معًا في وسط المقدمة، والحراس من كل جانب يعملون على حمايتهما. كانت تستمتع برؤية البراري والركض فيها، لم تصل يومًا إلى نهايتها على الرغم من أنها حاولت مرات عدة، حتى أيقنت أن البراري كالجنة ليس لها نهاية، وربما كانت هي الجنة نفسها.
أغمضت عينيها وأحنت رأسها في حزن عميق، وكادت دموعها تنهمر، لولا أنها سمعت جلبة واضحة خارج الغرفة، أصوات مختلفة ملأت المكان، العبيد يجرون يمينًا ويسارًا وكأن حدثًا مهمًّا على وشك الحدوث.
اقتربت أكثر من الباب لعلها تسمع بوضوح أكثر. ما زالت الأصوات متداخلة: صرخات، همهمات، وقع أقدام مسرعة… تُرى، ماذا يحدث؟!
غاصت في بحر أفكارها عن سبب تلك الجلبة، هل من الممكن أن يكون الأمير قد عاد؟ لا، ليس بهذه السرعة؛ فرحلات الصيد تستغرق أيامًا وربما أسابيع. هل أصيب الأمير في أثناء رحلة الصيد؟
ارتعشت حين جاءت تلك الفكرة إلى رأسها، وكادت تسقط على الأرض، لا تستطيع تحمُّل أن يصيبه مكروه. ما زالت تذكر رعبها عليه حين عاد من إحدى المعارك مُصابًا بسهم في قدمه اليسرى. لم تنم لياليَ طوالًا ولم تستطع أن تتذوَّق الطعام، حتى رأته من الشبّاك يسير في الحديقة.
أبعدت الفكرة عن عقلها، ولكنها ظلّت في حيرتها عن سبب الجلبة.
فجأة، قفزت فكرة مرعبة إلى عقلها: ربما يكون قد اشترى «زبيدة» جديدة؟ لا وألف لا! فهي متأكدة من حبه إياها، ولكنها عادة الأمراء. ازداد قلقها؛ فتلك الجلبة عادةً ما تحدث مع كل «زبيدة» جديدة في القصر.
حاولت أن تبعد الفكرة من رأسها، ولكن حين أبعدتها قفزت إليها فكرة إصابة الأمير!
تسارعت دقات قلبها وارتعدت أوصالها، أيّ المصيبتين أهون؟ إصابة الأمير، أم «زبيدة» جديدة؟!
إصابة الأمير تعني أنها ستظل وحدها، لا يشاركها أحد، لكن كيف تسعد معه وهو يتألم ويعاني؟ قد تمنعه إصابته من الخروج معها في البراري، وقد يلازم الفراش فترة طويلة فلا تتمكن حتى من رؤيته! لطالما اعتادت أن تراه قويًّا شامخًا، لا تهزه المعارك، فارسًا شجاعًا تهابه الفرسان وتخشاه الأسود، فكيف لها أن تتحمل رؤيته ضعيفًا أو متألمًا؟!
لم تستطع تحمُّل الفكرة إطلاقًا، ولكن «زبيدة» جديدة فكرة مرعبة أيضًا!
«زبيدة» جديدة! قضت عمرها كله لا يشغل بالها غير إسعاده، واليوم يأتي بـ«زبيدة» جديدة! هل يشاركها أحد؟ هل تستطيع أن تراه يخرج إلى البراري بصحبة «زبيدة» الجديدة؟ لن تتحمل رؤية هذا المشهد، ولكنها ستظل تراه قويًّا شامخًا معافى ولا يعاني، ربما هذا هو الأفضل.
نظرت إلى السماء ودعت الله:
– اللهم إن كان أحد الأمرين، فاحفظ الأمير سليمًا معافى، وازرع الصبر في قلبي على رؤية «زبيدة» جديدة.
دقائق مرّت، وسمعت خطوات الأمير. كانت تستطيع أن تميِّز خطواته الواثقة تدبّ على الأرض بقوة حين يخطو بقدمه اليمنى، وأقل قوة حين يخطو بقدمه اليسرى، بسبب أثر ذلك السهم الذي أصابه قديمًا.
الأمير يقترب، رقص قلبها فرحًا وطارت روحها من السعادة، هو غير مصاب! حمدت الله وشكرته على سلامة الأمير، لكن سرعان ما أفاقت من فرحتها. إذا كان غير مصاب، فهل الأمر «زبيدة» جديدة؟
تسمَّرت في مكانها تنتظر وقوع الصاعقة وقلبها يكاد يتوقف والعرق يتصبب منها، أغمضت عينيها وابتعدت عن الشبّاك والباب، اتخذت ركنًا وانزوت تدعو الله بالصبر.
دقائق مرت كالدهر، حتى سمعت الباب يُفتح والخدم يدخلون، لقد أمر الأمير بتجهيزها؛ فهو قادم لها.
فرحت ورقص قلبها، امتثلت للخدم وهم يجهزونها للقاء الأمير، وطاوعتهم في كل خطوة من خطوات تجهيزها حتى انتهوا وانصرفوا.
ظلّت تنتظر الأمير قرابة الساعة، ولكنها مرت كالأيام عليها، ما هوَّن ذلك الانتظار هو أن الأمير سليم، وليس هناك «زبيدة» جديدة.
دخل الأمير الغرفة، نظرت إليه بشوق وحنان، اقترب منها، مسح وجهها بيديه، أعطاها بعض السكر الذي تحبه، ضحكت، سار بيديه على رقبتها فرفعت رأسها ولامس ظهرها برفق.
سمعت كبير الحراس يقول:
– سيدي الأمير، ما سر حبك «زبيدة»؟
ليرد عليه الأمير:
– ألا ترى كم هي جميلة! إنها فاتنة.
يبتسم كبير الحراس ويقول:
– ولكن الجميلات مثلها كثير في القصر يا سيدي!
ينظر الأمير إلى عيني «زبيدة» ويقول:
– ليس لهن مثل عينيها، أشعر بسعادة غامرة معها…
يصمت الأمير برهة ثم يكمل:
– «زبيدة» شاركتني دربي منذ أن كنت مجرد فارس ولم تخذلني أبدًا طوال تلك الرحلة الطويلة.
يمسح رقبتها بيديه ويقول:
– كما أنها سريعة في البراري ولا يمكن منافستها.
يشير الأمير إلى كبير الحراس أن يبتعد، ثم يمتطي «زبيدة»، وينحني برأسه عليها ويهمس لها:
– هل نركض في البراري معًا كما اعتدنا؟
شعرت «زبيدة» بنشوة لذيذة، هزَّت ذيلها وصهلت، لم تنتظر كلمة أخرى، انطلقت نحو البراري وفوقها الأمير، تجري في فرحة غامرة وكأنها أول مرة لها.
|