|
القاهرة 26 مايو 2026 الساعة 07:18 م

قصة: أحمد بيضون
مُتأسياً بتلك "الحاكُورة" التي أوصانا أبي بالحفاظ عليها في ذاكرة الوجود، تناهى لأسماعي بعد تتمّة العشر ربيعاً بأنها موسومة، (نَبق)، مجبولون أنْ نوليها العناية اللازمة ونضعها نَصب أعيننا، ربّما كنت أول مِمن وقع عليه الاختيار ولم يتأفَّف، لا أدري أيضاً ما عُمر تلك الشجرة العجيبة التي تكاد تحجب ضوء الشمس الخجلى التي تداعب أغصانها، كنتُ أظنها منذ فارَقت الحبو وتجلّت باكورة المشي بأنها أشبهُ بشجرة أجاص أو صفصافة هائلة كتلك بجوار النهر أو "جُميزة" هائلة تفرضُ جدائلها تحت وطأة أُوار الشمس حتى يعقِل الظل، حتى ذُقتُ أول ثمرة طيِّبة تتدلى من الأغصان الوارفة، تُذكرني بأنني كنتُ أتهافت في الحصة المدرسية لما يسألنا المُدرس عن شاعر المهجَر إيليا أبو ماضي.
فأرد مستأذناً على سبيل الدُّعابة وتعلقي بها: (يا أستاذ لماذا آثرَ "إيليا" التينَ على النَّبق الشهيّ لما تلت قصيدته: وتينةٌ غضّةِ الأطرافِ باسقةٍ؛ قالت لأترابِها والصيف يحتضر؟!ُ) فيضحك الجميع من أقراني بالفصل وبسمة فاغرة تمسد ثغر المُعلم، من ثمَّ بِتُّ المُكنَّى (أبو نَبقَة)، كم كان هذا النعت المنسوب إليّ أعظمَ لقبٍ لصيق في حياتي كلّها، لم تفارق أغلفة الذكريات ومغامرات الصبا ولهو العيال من الغميضة والقجقجة وغيرها من الألاعيب والأفاعيل المرحة، ناهيكَ عن عادة أبي أن يأخذنا هنالك ويصورنا صوراً فوتوغرافية كما تعود مع أبيه وأجداده.
أترُاها قد جاوزت المائة عام؟! أتُراها قد ناهزت القرنين من الدهر الراسف؟! أمْ أنها ضد عقارب الساعات ومنذ العصور الحجرية، كثُرت الأقاويل عن تلك الشجرة ولكنها أمثولة حية على الصمود والحروب وتعاقب الأجيال البائدة، بلْ أضحت مَعْلماً يتزاوره مرتادين ومريدين لظلالها وثمارها من الأنحاء، بيد أنها كانت في الفناء المحيط لمنزل العائلة الذي ورثته مع أخوتي، ظللتُ مقروناً بالنَّبق حتى تزوجتُ وأنجبتُ من الأبناء، كذلك كان أخوتي الذين برُّوا أباهم ولكنّهم يتمادون في إهدار ما أوصانا عليه، إلا وهو – الحفاظ على تلك الشجرة العظيمة والتي لا يُدرك قيمةٌ لها إلا أنها مجرَّد نبتة تعملقت وتعاظمت كشاهد على التاريخ، أماه وأبتاه حكا لي قصة عشق لا يشقُ لها غبار في أناهيدها حيثما حوت اسميهما منقوشين على لحائها، ربَّما حذوتُ حذوهما وكتبت اسمي وحبيبتي عليها أيضا أسوة بمن سبقوا ورحلوا.
لكنَّ أخى الأصغر لما يكُن كذلك، فلم يقتنع ببقاء تلك الشجرة في الوقت الراهن، دوماً ما كان يخالفني في الرأي ويراه نفسه الأكثر دراية بمتطلبات العصر ويعدُّ ذاك الأمر بالتفاهات، بلْ ينسب الإصرار على إبقاء تلك النَّبق إلى أنَّ الوالدين أصابهما الخرف والتأخر الذهانيّ من ميراثٍ لا يسمنُ ولا يُغني من جوع، مرَّ الوالدان من عالمنا إلى العالم الآخر حيث الأفنان والجنان وتركوا لنا جنَّة نأوي إليها بين حرٍّ وقرّ.
رابط عجيب بيني وبين تلك الشجرة المترامية الجذور، كأن هناك تليباثيّة بيننا؛ فإذا مرضت أجد وريقاتها شاحبة وكأنها تبادلني التعب وإذا فرحت ألاحظ أغصانها تتأرجح في رقصة تبعث حفيفا كأهزوجة ترانيم من نوع خاص وتستجدي وكنات العنادل لتبادلني أطراف الحديث عن حالي وحال أسرتي.
لم أفش ذاك السرّ لأخي حتى لا يبترها عن بكرة أبيها ويضعني في قائمة المهووسين ومن أصابهم مسٌّ من جنون ولوسة، وساوس تنتابني تجاه بروق أطماع أخي الطامح الذي يترصد لإزاحة تلك الشجرة الصامدة من الوجود، لقد كانت علامة فارقة ومميزة يهتدي من خلالها الزائرون قاصدين بيتنا، منزل النَّبق كان دليلاً على وحدة الكيان الأسري ونواة العائلة السرمديَّة التكوين والوجود.
ذات ليلة غبراء غاب فيها قرص القمر وأمسى فيها عرجوناً قمئياً بلا بصيص وميض، وجدتُّ مقطورة هائلة بونش عملاق يزحف بالقرب من الشجرة ويصحبه أخى العاقّ – كما أعتدتُ مناداته، وبات يدنو مقتلعاً تلك الآثرة بعدما دمر بعض وصلات الجذور بأعماقها السحيقة، كان يرتجي إقامة محِله لبيع البقالة وبخاصة السجائر التي تلقى رواجاً بالنسبة لأخدانه الضليعين في الهمجية والبلطجة من أمثاله، بعدما احترق من رحلوا عن عالمنا يائسين ويتجرعون الغصة في ترويض سلوكيات فلذتهم الصغيرة، لا محيصَ إن اعتبروه بذرة فاسدة سيصلحها الزمن عاجلاً أم آجلاً اقتداءاً بقوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره ومن يعمَل مثقالَ ذرَّة شراً يره)، ريْثما يرى حقيقة العالم وما شانه من أفاعيل، لا يدرُك مغبة العصيان لهؤلاء الذين تكبدوا وضحُّوا ليصير رجُلا ونحن نحتسي بوائقه.
ها قد لملمتُ منامتي واستنهضتُ عزيمتي وهرعت للخارج لألحق بذاك المتهور قبل أن يَحذف تلك النَّبق الغالية، إنها حقيقة بلا مِرية الماضي والحاضر والمستقبل كشجرة للعائلة، كيف يتسنى له طمس أول ثمرة لاستها شفاه من رضاب، لقد كان يتفيأ بظلها ويطعم مطعمها كلما ضاق الحال للتبضع وشراء الفاكهة، لقد كان يتباهى بأن لديه حديقة في منزله أمام ثلته وعصبته ممن لديهم شقة أو مسكن متواضع بالإيجار وسط ضوضاء المدينة الصاخبة، لم يكن يدرك حجم تلك النعمة التي في متناوله بل سوَّل له شيطانه بلْ نفسُه الأمارة أن يُذهِب الخضار وينشر القفار.
(نكأتَ جرحا غائراً يا ولدي)... كلمات تطنُّ في أذني من أبي الذي غربت شمسه مع ذبول ثمار ورضاب النبق في أوان القطاف بسبب ذاك الابن الضال الذي حول الأمل إلى خِراد، مازال رطان المأفون وتهديداته تنثال على أذني كوقع السيف ونصل المعاول التي تجتثني من الوجود وأريد أن ينزل رب العالمين معجزة خارقة لتعيد ذاك الثائر إلى صوابه، لا أعرف ما الذي كنتُ أفعله يومياً لما كنتُ أستأذن من الدائرة المحلية التي كنت أعمل بها لحراسة الشجرة خشية أن يفتك بها ذاك المفترس، ضربات المطارق الفلاذية تمجُل في عروقها وجذعها نكايةً في تجلدها وجسارتها بغريزة البقاء وكأنها تئن وتبحث عن مناص بمنأى عن ذاكرة الرحيل.
لقد شاء العليم القدير أن يذهب البأس وينزل شآبيباً من رحماته للبرايا علها تصحو الضمائر، هذا الاعتداء السافر من أخي تجاه مخلوق من مخلوقات الخالق سبحانه لم تمر مرور الكرام ولكن الجزاء من جنس العمل، لمَّا كان العام على شفير الوداع ليأذن ببداية جديدة، حينئذٍ كنت مسافراً مع عائلتي لأداء واجب العزاء لعزيز لديهم ولم أكن أعلم ما سيحدث هناك حيثما تربدُ حبيبتي "النَّبق"، كانت شغاف الفؤاد تواقة لها وتريد أن تصحبها في رحلة مفاجئة ولكنني أعلم بأن الله يراها ويرعاها، ولن يرد دعوتي وسيستجيب ولو بعد حين، ليهالَني في المذياع نبأٌ هالني وخاتل أحاسيسي؛ حدوث انهيار أرضي في أطراف المدينة وسقوط عدد من المنازل فيما عدا منزل تمّ إنقاذ من فيه وانتشال الضحايا من الموائل المجاورة وجاري أعمال البحث عن جثامين في تلك الأنحاء.
بتُّ ملتاعاً في ريبة من أمري لا أرض تضمني ولا سماء تطويني ولكن السيَّارة كانت تنساب بصُحبة أسرتي في طريق العودة وكأنها تنتهب الخطوات لمشهد تقشعرُّ له الأبدان، لقد حدثت المُعجزة بالفعل، لقد زادت (النَّبق) عن حياض وليفها حيث مُستقر منزل العائلة، ذاك الصرح الشامخ العريق الذي انكفأ من جرّأء الهزة العنيفة عندما كان أخي هنالك مع ذويه ويتبادل عناصر الخطة لمعركته الشخصية مع فريق الشر ضدّ تلك الشجرة؛ التي بدورها لما تبادله سوء النوايا وتضمرُ له الخبث والمكر بلْ أنقذت حياته وكل عزيز لديه لمّا استندت واستنامت إليها وجه البيت في مشهد أقرب لاحتضان الحبيبة لحبيبها، وكأنها تهدهدُ خِلها الأبديّ وتنتظر قدومي لتسلمني الأمانة وإرث الجدود.
أيقنَ الأخ الذي بُهت وأدرك فضل النَّبق التي هزأ منها وعلم أعظم دروس حياته وكأنه قد أوجد رباطاً مقدساً بينه وبينها لما نحت عليها بخط يده: (أنا بخير طالما أنتِ بخير)؛ لربّما اقترب اليوم الذي ترحلُ فيه شجرتنا الغالية لمّا جاءنا مسؤول من الدائرة ليضم تلك المنطقة لساحة طريق سريع، أترى كيف هو عرمرمُ غضبة "النَّبق" هذه المرة؟!
|