|
القاهرة 26 مايو 2026 الساعة 07:07 م

ملف أعده: مصطفى علي عمار
رحل الشاعر السيد محمد الخميسي في 16 مايو 2026، لكنه ترك خلفه بورسعيد تنطق باسمه في كل زاوية. ابن المدينة الباسلة المولود عام 1947، لم يكن شاعرًا عابرًا ولا موظفًا عاديًا. كان معلمًا صار موجهًا للتعليم الإعدادي، ثم أصبح وجهًا للحركة الثقافية في بورسعيد لعقود، رئيسًا لنادي الأدب أكثر من مرة، وحاضرًا في كل ندوة وأمسية شعرية، من معرض الكتاب إلى الإذاعة والتلفزيون.
بدأ رحلته الأكاديمية بليسانس اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة القاهرة، لكنه لم يحبس نفسه في الفصول. نشر قصائده في إبداع، المجلة العربية، والثقافة الجديدة، وكتب عنه نقاد كبار مثل أحمد سويلم، محمود الربيعي، طه وادي، مدحت الجيار، ويسري العزب. دواوينه نصغي ويقول الموج 1987 والرقص الغجري 1988 كانت شهادات على صوت شعري لا يلعب على الحافة، بل يقف في وسط الحلبة بالسيف المكسور.
الخميسي لم يكن يرى الشعر لعبة. في قصيدة الرقص الغجري يقولها صريحة:
وأنا في وسط الحلبة
ألعب بالسيف المكسور وبالكلمة
مفروض ألا أخرج عن تلك الدائرة الحمراء
لكن الحلبة عندي رومانية
أن تجرح خصمك لا يكفي
بل لعب.. حتى الموت
هذا هو مفتاحه: شاعر يخلط بين النور والنار، بين الخيط الفاصل وبين الخطر المر. شعر لا يُطرب بقدر ما يجرح ويوقظ. وفي إنهم يذبحون الطيور يتحول الصوت إلى صرخة وطنية مكتومة، حيث الصدر فسيح للرصاص والنسر في السماء كفن، لأن كتابة التاريخ عنده لا تكون بلا دماء.
لكن السيد الخميسي لم يكتف بالشعر، فقد ولج فضاء الرواية بقدمين ثابتتين، وكانت البشروش روايته التي خلد بها بورسعيد، حتى رآها أحمد عبد المعطي حجازي رواية تستحق القراءة. هكذا جمع بين المربي والمحرك الثقافي والمبدع. شارك في البرامج الثقافية، ومثل شعراء بورسعيد في أمسيات معرض الكتاب، وظل وفيًا لمبادئه رغم ما نُكل به من السلطة في زمن صعب.
هذا التحقيق يحاول أن يلتقط خيط ذلك الصوت. صوت الشاعر الذي رفض أن يخرج من الدائرة إلا ليواجه، ورفض أن يطفئه الصمت حتى وهو جريح خلف جدار الصمت المخنوق الأصداء.
وتأتي شهادات زملائه وأصدقائه لترسم الوجه الآخر..
-
يرى الشاعر مختار عيسى أن الخميسي باق ويكتب "باقٍ لا تغيب يا سيد":
ثم يتساءل في مستهل كلامه: ماذا تكتب؟ من أين نقطة ابتداء، وإلى أي فاصلة تشير؟
ويقول كيف لك وأنت لا يتوقف نعيك لصديق حتى يفجعك آخر برحيله.
ويصف حاله بأنه يعيش بين لقاء وفراق، غير مدهوش، فهو يدرك إيماناً راسخاً ويقيناً لا يتزعزع أنها أدوار يؤديها كل حسب مشيئة الخالق الأعظم.
ويبين أنه لا يملك إلا أن يرفع أكف الضراعة ويصدق في الدعاء لمن استوفى عمره وغادره دون استئذان أو إخطار بالاستعداد لتلقي نبأ رحيله.
ويستطرد متسائلاً: كيف لك أن تتلقى النبأ وأنت تعلم أنك ستكون أنت الآخر نبأً، قرب وقت إذاعته أم بعد؟
ويؤكد أنه مهما طال وقت انتظار الموت فهو آتٍ لا محالة ولا شفاعة فيه.
ويعترف مع ذلك بأن حزناً دفيناً يشعل ناره في القلب وأنت تتلقى خبر غياب حبيب وصديق كان بينكما من الود والتقدير المتبادل ما يشعرك بالوحشة وهول الفقد.
ويشير إلى أن الأديب الكبير السيد الخميسي لم يكن أول من أوقفه على مأساة الفقد المتتالي للأحبة ولن يكون، فهكذا هي إرادة صاحب الكون وخالق الحياة.
ويصف إحساسه العظيم بالحزن الذي يكاد يوقف تفكيره ويغيّب عقله وهو يسأل رغم يقينه: كيف؟
ويقر أنه يعرف هذا "الكيف" حتماً، ويدرك حقيقة الكون يقيناً وأنها أدوار وكأس تنتظر شاربيها مهما اجتنبوها أو حاولوا.
ويتوقف عند سؤال: أيُموت السيد الخميسي؟
ويجيب: ولم لا؟ فكما يموت الناس مات.
ويستدرك بأن حضوره يهتف آسفاً في نفسه، وقد جمعتهما مواقف وسفرات ولقاءات كثيرة، اختلفا واتفقا، لكن أياً منهما أبداً لم يكن ممسكاً بعصا المنتصف.
ويوضح أنهما عُرفا بالوضوح والمقاومة ونبذ المداهنة والتملق والتعلق بالقشور، وهذا ما يزيد حزنه.
ويخلص إلى أن عضيده قد رحل، وغاب سنده، واختفى رأي كان يعتد به في مسيرته الأدبية وموقفه السياسي والفكري، فقد كانا ابنين وفيين لفكر وطني لا يساوم ولا يهادن ولا يرضى لوطنه لحظة انكسار.
ويخاطبه مباشرة قائلاً: كنت مبدئياً يا سيد، وأعلم أنك عانيت كثيراً في مرضك الذي أرجو أن يكون الله قد طهر به مسيرتك من أي شائبة، وأعدك لجنة الفردوس بصبرك.
ويذكر إيمانه بأهمية إعمال العقل والتفكر والتدبر حتى لو جرّ عليه اختلافه غضباً من هنا أو هناك.
ويحسب أنه كان في ذلك كله يحاول أن يرضي ربه، ويدعوه أن يكون كل حرف كتبه أو رأي أعلنه بنية صادقة إخلاصاً لدينه ووطنه، ولو خسر مقابله العالم كله.
ويختتم كلامه بالدعاء: رحمك الله وأحسن عزاء ذويك جميعاً، وباقٍ في القلب والعقل لا تغيب ذكراك.
-
ويقول عنه القاص سمير الفيل:
سهرنا في صومعة الخميسي نقرأ شعرًا وروايات ونأكل الكاستن على النار. وفي الثالثة صباحًا، لم نجد مواصلة لدمياط، فحملنا في سيارته وقادنا وسط العتمة ثم عاد وحده. أي نبل، وأي شجاعة، وأي إيثار تحلى به الفتى البورسعيدي العظيم.
ويضيف: برحيله فقدنا شاعرًا مطبوعًا، ومحركًا ثقافيًا، وإنسانًا نبيلًا لا يعوض. الحس الوطني عنده متوهج لا يغيب.
كان ثائرًا بطريقته، مخلصًا لقناعاته الفكرية. السيد الخميسي.. عاشق بورسعيد، وقد خلدها في روايته البشروش. طول عمرك كنت جدع، وشهم، وابن بلد.. أبكيك بقلبي، ووجداني، وروحي يا حبيب.
كان الخميسي عاشق بورسعيد بلا ادعاء. جدع، شهم، ابن بلد، عاش ثائرًا بطريقته، مخلصًا لقناعاته الفكرية حتى آخر أيامه. عانى في سنواته الأخيرة، لكنه ظل في قلوب محبيه حيًا.
مع السلامة يا السيد.. رحلت وحبك في القلوب باق.
-
تضيف الشاعرة فاتن متولي حسانين – نقيب اتحاد الكتاب فرع بورسعيد
أن ثمة رحيلًا لا يترك فراغًا عابرًا، بل يشق صدعًا في جدار الروح، خاصة حين يمضي رجل بقامة إبداعية وإنسانية استثنائية كالشاعر والأديب البورسعيدي الكبير سيد الخميسي.
وتوضح أنها اليوم لا تكتب عن الشاعر الذي ملأ الدنيا بقرير قصائده، بل تروي عن "الإنسان" في أبهى تجلياته الطاهرة، عن الأب الذي وجدته ووجدها في زحام الأيام، وعن الكبرياء الطفولي والندى الإنساني الذي رافقه حتى رمقه الأخير.
تذكر أن حكايتهما بدأت في أروقة صالونها الثقافي، حيث كان الراحل سِراجًا وهاجًا وعضوًا فعالًا لا تخطئه العين، وتشير إلى أنه جرى تكريمه مرات ومرات اعترافًا بفضله.
وتضيف أنه وكعادة الحياة حين تختبر متانة الروابط، مرّت بينهما فترة من الجفاء والخلاف، لكن النقاء الكامن في النفوس الكبيرة لا يعرف الخصام الطويل.
وتبين أنه في عام 2022، وعلى هامش انتخابات نقابة اتحاد كتاب مصر، انقشع الضباب وعاد الوصل، بل تولد من رحم ذلك الصلح ما هو أعمق من زمالة الحرف وصداقة المبدعين.
وتروي كيف انمحت فروق السنين، وذابت ألقاب "الأستاذ والشاعرة"، وتلاشت ظلال الخلاف القديم لتولد علاقة دافئة قوامها بنوة صادقة لأبٍ غمرها بعطفه.
وتقول إن الاتصالات الهاتفية صارت جسرًا ممتدًا للاطمئنان، وتحولت زياراتها له برفقة زوجها إلى طقس من طقوس المودة والبر.
وتضيف أنه في تلك المرحلة المتأخرة، تجلى لها "سيد الخميسي" في أصدق صوره الإنسانية: أبًا حنونًا، طيبًا، مستسلمًا لقضاء الله وقدره برضا يملأ الصدر.
وتصف كيف كان في ضعفه الإنساني أمام المرض يشبه راهبًا في محراب القدر وادعًا، لكنه وقف بكبرياء يطاول السحاب، ونفسٍ لا تكبّلها الحاجة.
وتروي من أبهى اللقطات التي تعكس نبل روحه: أنه استدعى ذات يوم عامل الكهرباء لإصلاح عطل في بيته. فلما فرغ الرجل وأراد محاسبته، لم يكتفِ الأديب بإعطائه حقه، بل أغدق عليه أضعاف ما طلب.
وتوضح أنه لم يقف كرمه عند هذا الحد، بل التفت إلى ابن العامل الصغير، وبابتسامة حانية مدّ يده وقال: "هذا من جَدّك.. خُذْه إليك".
وتعلق بأنه كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويزرع الفرح في قلوب البسطاء حتى وهو في أوج محنته.
وتذكر أن المحنة كانت قاسية، وأن تفاصيل آلامه الجسدية ما زالت تفطر قلبها.
وتصف كيف كان الأنين الصامت يشق عتمة الغرفة، والجسد الواهن يئن تحت وطأة المرض العضال.
وتضيف أن أكثر ما كان يمزق قلبها هو عزة نفسه الرهيبة التي كبّلته عن طلب أي شيء، حتى من أقرب المقربين.
وتروي أنها راودتها الرغبة في أن تطهو له بيديها وتقدم له ما يعينه، وكانت ترجوه: "دعني أصنع لك طعامًا بيدي".
وتقول إنه كان يأبى بابتسامة تفيض عزة وترفعًا.
وتوضح أنه حين عرضت عليه أن تخاطب نقابة بورسعيد النقابة العامة لترتيب مساعدة من صندوق الرعاية الصحية، رفض رفضًا قاطعًا وقال بلهجة الرضا: "الحمد لله، أنا مش محتاج حاجة من حد، ربنا رازقني وعندي خير كتير".
وتضيف أنه في أيامه الأخيرة كان يسكنه شجن عميق وحزن صامت؛ لأنه لم يعد قادرًا على الحركة كما يشتهي.
وتذكر أن روحه كانت تضج بالطموحات، تود لو تنهض لتمسك بالقلم وتكتب، وكان يتوق لإعادة طباعة دواوينه، لكن القدر كان ينسج ثوب الختام بخيوط متسارعة.
-
وينتقل بنا صديقه البورسعيدي أسامة كمال أبو زيد عن حياة الخميسي قائلاً:
لم يكن السيد الخميسي بالنسبة لي مجرد شاعر أو روائي عرفت اسمه في الوسط الثقافي ثم اقتربت منه كما يحدث عادة بين الأدباء، بل كان واحداً من أولئك الذين عاشوا حياتهم كما لو أنهم يتحدون شروطها منذ البداية.
ويذكر أن كل شيء في حكايته كان يبدو مستحيلاً؛ مدينة خرجت من الرمل والماء ثم صارت أسطورة، وطفل خرج من بيت فقير ليحمل داخله كل هذا الاتساع، وشاعر ظل يقاوم الزمن والخيبات والهزائم دون أن يفقد إيمانه بالشعر ولا بالحياة.
ويبين أنه كلما اقترب منه شعر أنه لا يقترب من شخص، بل من محاولة إنسانية نادرة لصناعة تلك الحياة المستحيلة.
ويوضح أن بورسعيد نفسها كانت بالنسبة إليه معجزة مصرية نبتت فجأة على حافة البحر، مدينة لم تكمل المائتي عام لكنها امتلكت من العراقة ما لا تملكه مدن أقدم منها بقرون، لأن العراقة الحقيقية لا تصنعها السنوات وحدها، بل تصنعها التجارب والدماء والأحلام.
ويستطرد فيقول إن المدينة كانت عنده سبيكة مصرية كاملة؛ صعايدة جاءوا يحملون الفحم إلى السفن في زمن الفحم، ودمايطة حملوا حرفهم القديمة واستوطنوا المكان، وصيادون خرجوا من بحيرة المنزلة وقراها القريبة، ثم امتزج الجميع في روح واحدة صنعت الشخصية البورسعيدية المتعالية بكبريائها، المفتوحة في الوقت نفسه على العالم كله.
ويذكر أن حي العرب الذي جاور حي الإفرنج لم يكن مجرد حيّين متجاورين، بل كان لقاء بين حضارات ولغات وأجناس متعددة، ومن هذا التماس اليومي بالعالم اكتسب البورسعيدي ذلك الشعور الداخلي بالتفوق والاختلاف، خاصة أن مدينته نفسها كانت بؤرة لصراع الإمبراطوريات القديمة والجديدة، ولهذا استحقت أن تصبح بورسعيد الباسلة.
ويبين أن السيد الخميسي نفسه بدا وكأنه الإيجاز العبقري لروح تلك المدينة التي لم نعد نراها أو نعرفها.
ويقول إنه كان ابن الحياة وعاشقها، بل ومعشوقها أيضاً.
ويذكر أن السيد الخميسي خرج من هذه المدينة حاملاً تناقضاتها كلها؛ ابن حلواني دمياطي جاء مع الموجات الأولى إلى المدينة الجديدة، وعمل شيف حلواني إفرنجي في محل ديليسبس للحلويات بميدان ديليسبس في حي الإفرنج عند جورج مانوفلو، ثم افتتح بعد رحيل الأجانب محلاً للحلويات الشرقية في حي العرب، وأم هي ابنة صياد من النسايمة، إحدى قرى بحيرة المنزلة القريبة.
ويبين أن الحياة كانت شاقة وقاسية، لكنه لم يتحدث عنها قط بروح الشكوى، بل بروح من يرى أن القسوة نفسها كانت جزءاً من تكوينه الإنساني.
ويستطرد فيقول إن تلك الحياة التي صورها لاحقاً في «البشاروش» منحته صلابة مبكرة، واعتماداً على النفس، وثباتاً على المبدأ، وجعلته يشعر أن الأدب الحقيقي لا يمكن أن يكون منفصلاً عن جذوره الأولى، ولذلك ظل يرى أن كل ما كتبه شعراً ونثراً لم يكن سوى تعبير عن تلك الروح المصرية الأصيلة التي تربى عليها في بيت فقير، لكنه ممتلئ بالكرامة والإصرار على التعليم والحياة.
ويوضح أنه ولد عام سبعة وأربعين، فعاش في اللحظة الفاصلة بين عالمين؛ فتح عينيه على الملك فاروق، ثم وجد نفسه يكبر مع ثورة يوليو حتى بدا كأنه واحد من أبنائها الشرعيين.
ويذكر أنه عاش أحلامها الكبرى، وانتصاراتها، وانكساراتها، وصمودها في وجه الاستعمار، ثم دخل الجامعة عام خمسة وستين في زمن كان التعليم فيه مشروعاً حقياً للعدالة الاجتماعية والصعود الإنساني.
ويستطرد فيبين أنه تتلمذ هناك على أيدي جيل يكاد يبدو الآن أسطورياً؛ سهير القلماوي، وشكري عياد، وشوقي ضيف، وعبد العزيز الأهواني، وحسين نصار، ويوسف خليف، وحسن حنفي، وتليمة، ومحمود فهمي حجازي، وعبد الحميد يونس، ومكي، وغيرهم من تلاميذ طه حسين وحملة مشروع التنوير المصري.
ويذكر أن الجامعة لم تكن بالنسبة إليه مكاناً للدراسة فقط، بل حياة كاملة؛ مارس التمثيل والجوالة والتجديف والملاكمة واختراق الضاحية، وزامل شخصيات ستصبح لاحقاً علامات ثقافية وسياسية مثل علاء حمروش، وزين العابدين فؤاد، وسليمان العطار، ووفاء كامل، وعاش في جامعة كانت وقتها صورة مصغرة للعالم العربي والإفريقي والآسيوي، حيث امتزج المصريون بالعرب والأفارقة والصينيين والهنود في مناخ لم يعد له وجود الآن.
ويستطرد فيقول إن هزيمة سبعة وستين جاءت وكأنها الاختبار الحقي لذلك الجيل كله.
ويذكر أنه ترك مقاعد الدراسة والتحق بالفدائيين في الترسانة البحرية ببورفؤاد، قبل أن يعود إلى الجامعة ويشارك مع أبناء جيله في المظاهرات الطلابية الغاضبة.
ويبين أنه كان يرى أن حبه لعبد الناصر لم يكن أبداً أكبر من حبه لمصر، ولذلك ظل طوال حياته منحازاً لفكرة الوطن لا للأشخاص.
ويوضح أنه بعد التخرج عمل في أسوان، بينما هاجرت أسرته إلى القاهرة، ثم جاءت سنوات السادات التي كان يراها سنوات تجريف حقي للوطن، حين تراجع التعليم والصناعة والزراعة والثقافة والبحث العلمي، ولهذا كان موقفه حاداً من كل أشكال التطبيع مع إسرائيل.
ويذكر أنه حتى بورسعيد نفسها رآها تتبدل؛ من مدينة ديليسبس، مدينة المغامرين والأجانب، إلى مدينة للنصر والحرية في زمن عبد الناصر، ثم إلى مدينة أحزان في زمن الانكسارات الكبرى.
ويبين أن الحياة المستحيلة عند السيد الخميسي لم تكن فقط في مواقفه أو سيرته، بل في طريقته في النظر إلى الإبداع نفسه، فقد بدأ الشعر مبكراً جداً، حين كتب أول بيت في المرحلة الإعدادية، ثم صار شاعر مدرسة القناة، واكتشفه البلاسي العطار مبكراً، وفاز في مسابقات الشعر، ووقف في نادي المعلمين بحي الإفرنج يلقي الشعر إلى جوار أسماء كبيرة، قبل أن يصبح في الجامعة شاعر الكلية الثاني بعد صديقه سليمان العطار.
ويبين أنه بعد التخرج شارك في إصدار جريدة السد العالي بأسوان، ثم عاد إلى بورسعيد ليبدأ معاركه الأدبية مبكراً، حين انتقد مستوى الصفحة الأدبية في مجلة «صوت بورسعيد»، فاكتشف أن الكتابة الحقيقية ليست طريقاً ممهداً، وأن المثقف الذي يقول ما يؤمن به يدفع الثمن دائماً.
ويستطرد فيوضح أن أكثر ما كان يلفت فيه أنه لم يتعامل مع الكتابة باعتبارها مهنة أو وسيلة حضور، بل باعتبارها قدراً روحياً.
ويذكر أنه كان يرى أن كل أديب في النهاية يكتب كتاباً واحداً مهما تعددت كتبه، وأن التكرار خيانة للروح، لذلك ظل ينتقل بين الشعر والرواية والفلسفة والتصوف، باحثاً عن الجوهر الواحد المختبئ خلف الأشكال المختلفة.
ويبين أنه كان يؤمن أن الكتابة التي تتحول إلى مجرد عادة تصبح نوعاً من الأشغال الشاقة، بينما الإبداع الحقي لذة داخلية، وأن الكاتب لا يقاس بما كتب، بل بما عجز عن كتابته أو أخفاه بين السطور، لهذا كان شديد الإيمان بالإيجاز والتكثيف والحساسية، وكان يرى الشعر في كل شيء؛ في الموسيقى، والغناء، والرسم، والصمت، والقصة، والمسرح، وحتى في المرأة الجميلة.
ويستطرد فيقول إنه كان يرى أن الشعر ليس نوعاً أدبياً، بل طريقة لرؤية العالم، والدليل الحي على حياة الأحياء.
ويذكر أنه لم يكن بعيداً عن النقد أيضاً، فقد امتلك وعياً نقدياً عميقاً تشكل من دراسته للبلاغة التقليدية وعلم الأسلوب، وقراءاته الواسعة لشكري عياد، ودي سوسير، والمسدي، ومحمد مفتاح، وغيرهم.
ويبين أنه كان يؤمن أن الكاتب الحقي يمارس الإبداع والنقد في اللحظة نفسها، وأن اختيار كلمة دون أخرى فعل نقدي بقدر ما هو فعل إبداعي، وربما لهذا جاءت كتابته مشغولة دائماً باللغة باعتبارها كائناً حياً لا مجرد أداة للتعبير.
ويختم فيقول إنه حين كان يتابع السيد الخميسي في سنواته الأخيرة، كان يشعر أن سره الحقيقي لم يكن في قصائده ولا رواياته وحدها، بل في تلك الطاقة العنيدة التي جعلته يرى العمل معادلاً موضوعياً للحياة، وأن التوقف عن العمل نوع من الموت.
-
ويستهل الشاعر سمير الأمير عن السيد الخميسي حديثه بالقول:
فقدت مصر والأدب المصري واحداً من كتابها ومثقفيها الملتزمين بقضايا تقدمها وحريتها، هو الشاعر والروائي والمثقف الوطني ابن المدينة الباسلة السيد الخميسي.
ويوضح أن هذا الأديب والمثقف العضوي كان يعي جيداً أن كل النصوص الأدبية ليست سوى وسائل ساعية لتشكيل نص أكثر شمولاً وعمومية منها جميعاً، وهو نص الحياة في هذا الوطن. *ويشير* إلى أنه أدرك منذ شبابه قضايا الوطن عبر معاناته مع أهل مدينة بورسعيد في فترات المواجهة مع العدوان الثلاثي، ومن قبل ذلك ما انعكس على طبيعة الحياة في طفولته أيام الاحتلال الإنجليزي.
ويؤكد أن ذروة المعاناة كانت بعد حرب 1967 التي أدت إلى التهجير ورحيل كل سكان مدن القناة عن مدنهم وحواريهم وأملاكهم ومصانعهم، الأمر الذي شكّل خصوصية للأدب وطبيعته المقاومة في منطقة القناة، ولذلك نجد في أدب السيد الخميسي ومجايليه هذا الانعكاس المباشر للقضية الوطنية، وتلك الرغبة المحمومة في استنهاض الناس ودعوتها لتبني المواقف الداعمة لمقاومة المحتل في فترة الستينيات، واستمرار هذا التوجه حتى بعد عودة المهجرين وسياسة الانفتاح ثم توقيع معاهدة كامب ديفيد وخروج مصر من الصراع المسلح مع العدو الصهيوني.
ويستطرد قائلاً: رغم أنني تعرفت على السيد الخميسي والأصدقاء من مدن القناة، ومنهم طبعاً الكابتن غزالي والريس زكريا رحمة الله عليهما، في نهاية التسعينيات، إلا أنني لاحظت هذا الحضور الغريب لذكريات المقاومة وشعرها وفرقها كأولاد الأرض وغيرها. ويضيف أنه حدثنا عن الطقس المسرحي الشعبي المسمى "الضمة"، وعن ذكريات حرق تمثال أو "عروسة" تمثل "اللنبي" كطقس من طقوس الاحتفالات الجماهيرية.
ويعلل هذا الإصرار على الربط بين الإبداع وحركة الجماهير بأنه كان سبباً أيضاً في عدم تركيز السيد الخميسي على نوع أدبي واحد. فقد كتب الشعر الفصيح كديوان "الرقص الغجري" وديوان "نصغي ويقول الموج"، والشعر العامي كديوان "طرح الحروف"، ورواية "البشاروش" ذات النفس التاريخي الطويل، والمسرح كمسرحية "سيف المتنبي".
ويختم بالدعاء: رحم الله الصديق الشاعر والمثقف الوطني السيد الخميسي، فقد كان من هؤلاء الذين وهبوا جل إبداعهم لرفعة مصر وتقدمها، والذين دافعوا في أدبهم عن أحلام شعبها في العدالة والتقدم.
-
ويتحدث الشاعر الدكتور شاكر صبري عن منجزه الأدبي قائلًا:
اهتم السيد الخميسي بأنواع أدبية متنوعة، أهمها الشعر. كتب بالفصحى والعامية على السواء، ولكنه كان أكثر حضورًا وتميزًا في شعر العامية المصرية. عُرف بطلاقته في اللغة الشعبية، وقدرته على التعبير الوجداني بإيقاع سلس قريب من المواطن العادي. ولم يقف عند الشعر وحده، بل كانت له مساهمات في الرواية وأدب الأطفال والقصة القصيرة.
وقد امتاز أسلوب السيد الخميسي الشعري بخصائص واضحة، حيث كانت البساطة والوضوح عنوانه دون تكلّف لغوي، مما جعله أقرب إلى الجمهور. حمل شعره صدقًا عاطفيًا واهتمامًا بالمشاعر الإنسانية باختلاف درجاتها. اختار اللغة الأقرب إلى الناس، خاصة في العامية، واعتمد على موسيقى شعرية سهلة وإيقاع سلس.
كما اهتم بالقضايا الوطنية والاجتماعية والإنسانية، وابتعد بقدر الإمكان عن الغموض الشديد. استخدم صورًا شعرية قريبة للأذهان، وحاول أن يمزج بين الحس الشعبي والثقافة الأدبية. مال إلى الحكمة والتأمل الفلسفي في بعض نصوصه، فمنح شعره طابعًا محليًا وإنسانيًا في الوقت نفسه، يحمل روح بورسعيد وبيئتها الشعبية والثقافية.
من أهم إصداراته: ديوان «طرح الحروف»، ديوان «للحب عنوان»، ديوان «للشمس ألف باب»، ورواية «الطريق إلى المينا». كما نشرت له قصص قصيرة ومقالات أدبية في الصحف والمجلات الثقافية. شارك في الحركة الثقافية والأدبية في بورسعيد عبر الندوات والمؤتمرات والأمسيات الشعرية على مدار حياته.
وعلى المستوى الإنساني، عُرف الخميسي بأنه أديب هادئ الطبع، قريب من المثقفين والأدباء، مهتم بالحوار الثقافي والعمل الأدبي الجماعي. ولهذا نال حب كثيرٍ من الأدباء على مدار حياته الثقافية.





|