|
القاهرة 26 مايو 2026 الساعة 07:03 م

بقلم: إيناس محمد عتمان
ثمة وهم كبير يطاردنا في هذا العالم الصاخب اليوم وكل يوم، وهم يربط النجاح بمنصات التتويج، وأرقام الحسابات البنكية، ونظرات الإعجاب في عيون المارة.
لكننا في غمرة الركض خلف هذه الوجاهة الزائفة الرائجة حديثا في المجتمع، ننسى أن الروح لا ترتوي من الأضواء التي تسلط عليها من الخارج كالعين التي تتلقى النور في بؤبؤها فترى، وحين يشتد النور الذي ينبعث من داخلها تتشتت العتمة.
إن النجاح الحقيقي ليس قصة صعود مستمر تجاه قمة ما أو ضوء في الأفق، بل هو تلك اللحظة الاستثنائية التي تسقط فيها الأقنعة الخارجية، لتجد نفسك وحيداً في عراء الحياة، فتبصر وسط انكسارك وجه الله في كل وجهة!
وتدرك أنك لم تكن يوماً مهجوراً بل هاجرا .
العبور نحو ذلك النضج يتطلب شجاعة فريدة؛ شجاعة الانحياز للكسور التي أصابتنا. تلك الندوب القديمة لم تكن تشوهاً، بل كانت شقوقاً سمحت للضوء أن يعبر إلى غرف أرواحنا المظلمة.
في لحظات الوحدة السقيمة، حين يظن الجميع أنك انتهيت، تنبعث حياً من رمادك كطائر الفينيق، لا لتثبت شيئاً للوجهاء الغرباء ، بل لتعبر إلى ضفتك الآمنة.
هذا العبور لا يحتاج إلى منطق الفلاسفة الجاف، فالأرقام والمعادلات لا تقيس عمق الوجع ولا تصنع الأمل. هنا يأتي دور الحدس؛ ذلك الصوت الخفي الذي يبصر ما وراء الكلام، ويتجاوز جفاف التفسيرات المادية ليصنع للإنسان فلسفته الخاصة في الحياة.
أن تسير على درب لا يراه غيرك، ليس جنوناً، بل هو عين اليقين بأنك اهتديت إلى نفسك.
وفي هذا الدرب، يتعلم الإنسان ألا يشير بأصابع الاتهام أو الشكوى لذلك الجرح أو تلك الندبة على جبين الأيام، بل يشير للجرح الذي قواه. حيث الاحتساب النبيل يكن نصرة ذاتية على زمن قاسٍ، تحول فيه الألم من سكين يذبحك إلى درع يحميك وأجنحة تحملك فوق الصغائر.
هكذا، وهكذا فقط، نعبر الحياة بخفة الغيم الأول في السماء. لا نثقل الأرض بضجيجنا، ولا نطلب منها ثمن مرورنا، بل نكتفي بأن نمطر حباً وأثراً لا يمحى، نكسو الجفاف بزخارف العطاء، ونعمر الفلاة بالخير، ليرحل الجسد ويبقى الأثر طاهراً كالمطر.
|