|
القاهرة 26 مايو 2026 الساعة 07:02 م

كتب: جورج صبحي
رحيل مؤلم لأمير الغناء العربي "هاني شاكر" أثار طوفانا من المشاعر والأحاسيس والكثير من الأحزان بين جموع الشعب المصري والعربي بشكل عام، ولا أقول هنا بين جمهوره ومُحبيه، وهذا لعدة أسباب أهمها: أن "هاني شاكر" يعتبر آخر سلسال جيل العظماء من نجوم زمن الفن الجميل، أو كما قال الأستاذ "عمر زهران" في نعيه له هو الأمير سليل الملوك على حد تعبيره، وهو تعبير شديد البلاغة وشديد الواقعية على حدٍ سواء، فهو كان الحِصن الأخير والواقي والباقي ما بين كل ما هو أصيل وجميل في الفن وكل ما هو مُبتذل ومُسف من مَن يلتصقون بالفن ويدعون أنهم مطربين وفنانين، خصوصاً وقد واكب "هاني شاكر" الكثير والكثير من موجات الغناء عَبر تاريخه الفني المُمتد إلى أكثر من نصف قرن من الزمان، جَرت خلاله مياه كثيرة في بَحر الغناء المصري والعربي، منها ما كان على قَدر المسئولية لهذا الفن العريق ولهذه الأجيال السابقة ل"هاني شاكر" من عظماء زمن الفن الجميل وملوك الطرب والغناء.
ومن هنا جاء تسمية الجمهور له بأمير الغناء العربي فهو كان حلقة الوصل بين نجوم زمن الفن الجميل هؤلاء وبين ما جاء بعده، فتحديداً جاء عقبه مباشرة جيل "محمد منير" و"إيمان البحر درويش" و"محمد الحلو" و"على الحجار" و"محمد ثروت"، ثم تلاهم "محمد فؤاد" و"عمرو دياب" و"أنغام"، وبعدهم جيل بداية الألفية من "شيرين عبد الوهاب" و"آمال ماهر" و"تامر حسني" .....ألخ، إلى أن وصلنا في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين إلى موجة جديدة حينها إجتاح الوسط الغنائي المصري والعربي في هذه الفترة ظاهرة الفيديو كليب الذي يحمل مشاهد عُري به، وحينها قال "هاني شاكر" بالنَص في إحدى الصحف (أنا مُطرب من غير ما اقلع هدومي)، ثم بعد 2011م جاءت موجة الإبتذال العظيم من أمثال حمو بيكا وشاكوش وغيرهم من ما لا يصح حتى ذِكر أسمائهم هنا لكون بعضها يعتبر مجرد اسمه إساءة للذوق العام وتلويث سمعي وبصري لذائقة الجمهور، والبعض الآخر يعتبر مجرد اسمه جُنحة أو جناية قانونية في حد ذاتها.
كل هذا وقف أمامه "هاني شاكر" كحائط صَد منيع لبقاء اسم الأغنية المصرية والعربية نزيه وشريف وجميل على حدٍ سواء، وذلك كله حتى قبل أن يتولى "هاني شاكر" منصب نقيب الموسيقيين، فمجرد وجوده واستمراره في الساحة الغنائية والفنية كان رمزاً وواقعاً جميلاً لتحقيق معنى قوة مصر الناعمة، أما حينما تولى "هاني شاكر" منصب النقيب فقد أخذ على عاتقه قضية مصرية أصيلة وهي حماية الفن المصري الجميل من الدُخلاء المُلوثين والمشبوهين لهذا الفن العريق والقديم والجميل، وادخله في معارك كثيرة شديدة العنف مع كل هؤلاء وهو الذي كان في اصعب حالاته النفسية بسبب وفاة ابنته الكبرى، مما كان كفيلاً وحده بأن يعتذر عن هذا المنصب أصلاً ويقي بنفسه ونفسيته من كل هذا العناء والشقاء، لكنه كان كالجندي الوفي لبلاده والمستعد للتضحية بروحه في مقابل تأدية واجبه، وإنقاذ الفن المصري من هؤلاء، ولكن للأسف كان في معاركه هذه بمفرده تماماً إلا من مساندة جمهوره ومُحبيه ومحبي الطرب الأصيل والغناء الجميل، فقد كان يذكرني حينها بالكاتب الكبير "فرج فودة" الذي اغتالته يد الإرهاب البغيضة في التسعينيات لوقوفه أمام موجات الفِكر المتطرف، ولكن أيضاً كان يقف بمفرده إلا من عُشاق مصر الحقيقيين.
انتصر "هاني شاكر" على المُرتزقة الفنية والغنائية على الرغم من تقديم استقالته على الهواء في إحدى البرامج التلفزيونية حينها، رغم عدم وقوف الجميع معه إلا جمهور الفن الأصيل، فقد حارب "هاني شاكر" إلى أخر نفس يملكه حتى بعد أن ترك منصب النقيب وإلى أخر لقطة في حياته، ولم يفعل كما فعل غيره من حتى البعض من الجيل الذى تلاه هو شخصياً بمجاراة الابتذال والإسفاف لمجرد أن يستمر ويبقى على القمة أو يبقى نمبر وان في ساحة الابتذال والإسفاف.
فقد بَقِىَ وسيبقى "هاني شاكر" إلى النهاية رغم رحيله الجسدي مُخلصاً للفن وللجمهور الذي يستمتع بالفن فقط ولا يستسيغ غيره، ويعشق أغانيه التي شكلت وجدان أجيال متلاحقة لا جيلا واحدا مثل جيل الثمانينيات والتسعينيات كما يذكر البعض، فهو كان حاضراً دائماً في كل مناسبات هذا الشعب الأصيل من مناسباته الوطنية والاجتماعية ومن أغانيه العاطفية السعيدة والحزينة على حدٍ سواء والتي كان يُدغدغ بها مشاعر جمهور مصر كله ولا أقول أيضاً جمهوره، فمن يحب مصر حقاً لا يمكن أن لا يحب "هاني شاكر"، الذي كان يتمتع بروح مرحة وضحكة واسعة وصاحب أفشة ونكتة وإفيه كما المصريين جميعهم رغم أغانيه الحزينة الكثيرة وهي مفارقة لا تجدها إلا في المصريين فقط، فبالرغم من معاركهم وأحزانهم الكثيرة المتعددة الوطنية والشخصية، إلا أنهم لا يتخلون عن الضحكة والنكتة أبداً، بل على العكس كلما زادت معاناتهم زاد ضحكهم وقفشاتهم وكذلك "هاني شاكر".
"هاني شاكر" الذي رأى جمهوره وهو المصريون جميعاً أنه كان يستحق جنازة رسمية وشعبية كاسحة كما كانت في زمن العظماء مثل "أم كلثوم" و"فريد الاطرش" و"عبد الحليم حافظ"، لكن للإسف لم يتم ذلك لأسباب متعددة لا مجال للحديث عنها هنا، يمكن أن يكون منها سبب قدري وهو أن "هاني شاكر" كان دائماً يعيش في هدوء وبساطة بعيداً عن المعارك الفردية السفيهة والإشاعات المُغرضة الكثيرة، فكانت جنازته وعزاؤه كما شخصيته الهادئة المنظمة، ولكن كل هذا لم يمنع الناس من الإلحاح في طلب تكريم وتأبين يليق ب"هاني شاكر" هذا الذي كان بإحساسه العالي بالناس والجمهور يُعبر عن معاناتهم في أغانيه بالرغم من روحه المرحة والفكاهية كما ذكرنا وكما الشعب المصري الذي هو واحد من أنجب أبنائه، هذا الشعب وهذا الجمهور الذي شَعر بأنه يَتيم بعد رحيل آخر عضو من أعضاء عائلة الفن الجميل، فظهر السؤال الذي ذكرناه في العنوان هل طوفان الحزن والدموع على الرحيل المؤلم لأمير الغناء العربي هو حزن عليه أم على أنفسنا من بعده.

|