|
القاهرة 26 مايو 2026 الساعة 06:59 م

كتب: د. جمال الفيشاوي
قدمت الهيئة العامة لقصور الثقافة، الإدارة المركزية للدراسات والبحوث، الإدارة العامة لثقافة الطفل، إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي، فرع ثقافة القليوبية على قصر ثقافة القناطر الخيرية العرض المسرحي "استغماية" تأليف وأشعار صفاء البيلي ومن إخراج محمد عبد الفتاح.
لعبة الاستغماية أو الغميضة، لعبة مسلية ومعروفة حول العالم، ومن أشهر الألعاب المفضلة للأطفال، فهي من الألعاب الجميلة التي تربى عليها أجيال كثيرة حتى اليوم، ولعبة الاستغماية أو الغميضة تساعد الأطفال في تطوير نموهم العقلي والذهني وقدرات جسمهم، وفيها يغلق أحد الأطفال عينيه بينما يحاول الآخرون الاختباء في أماكن مختلفة وعليه أن يجدهم.
-
الرؤية الدرامية للكاتبة د. صفاء البيلي
تتأسس الرؤية الدرامية في نص استغماية على مفهوم المثاقفة بين زمنين، حيث استطاعت الكاتبة أن تجعل من التراث الفرعوني (الفلاح الفصيح) كائناً حياً يتنفس في حارة مصرية معاصرة.
والرؤية هنا لا تستدعي التاريخ من أجل التاريخ، وإنما تضعه في بوتقة المواجهة؛ فالمسرحية تبدأ بصخب وصراخ الأطفال في لعبة الاستغماية التي تعكس في جوهرها حالة البحث الإنساني الدائم عن المفقود، ليتحول هذا البحث تدريجياً من لهو ولعب طفولي إلى سعي وجودي وراء العدل. الكاتبة هنا تنحاز للفرد الذي يمتلك البيان وقوة الحجة، جاعلةً من الفصاحة سلاحاً لا يقل ضراوة عن القوة البدنية، وهو ما يرسخ في وجدان الطفل أن استعادة الحق تتطلب وعياً ومعرفة بالذات قبل كل شيء.
أما عن الأشعار، فهي في هذا النص ليست زينة لفظية، حيث قامت بمهمة شديدة الذكاء وهى مهمة المحرك الإيقاعي الذي ينظم انتقال الطفل بين مستويات السرد. لقد وظفت الكاتبة الأهزوجة أو الأغنية الشعبية كأداة درامية بامتياز؛ فعبارة:
(كلوا بامية.. القطة العامية.. سرقت قميصي الإنجليزي .. عسكر فوق وعسكر تاااحت.. اخص عليك يا بتاع الكحك..) لم تأت بها كونها كلمات لطيفة منمقة موزونة بقدر ما جعلتها رمزاً لحالة العمى عن الظلم والسرقة التي تعرض لها صاحب الحق.. كما في موقع آخر : "يوم ورا يوم.. بيعدي يفوت/ وأبونا هيجيب لنا قوت/ أهو ماشي ولاحدش قده.. / بيمر على قصور وبيوت / لا هو خايف ولا وش سكوت.. / بيغني .. أبو قلب كبير/ وحميره بتاكل ف شعير/ والشمس بتشرق وتغيب / أوعى يا بابا .. ليطلع ديب/ يوم ورا يوم.. بيعدي يفوت/ وابونا هيجيب لنا قوت" .
كما أن الشعر هنا هو الذي يمنح الجدة (الراوية) سلطة التأثير، وهو الذي يعبر ويكثف رحلة الفلاح ومعاناته، محولاً المفاهيم الأخلاقية المجردة إلى صور سمعية وبصرية تلتصق بذاكرة المتلقي الصغير، وتجعل من الكلمة الشاعرة الموزونة وسيلة لإعادة الانكسارات الإنسانية أمام جبروت القوة المسلطة عليه.
إضافة لما سبق اعتمدت الكاتبة د. صفاء البيلي في رؤيتها تقنية خيال الظل، ومن وجهة نظرنا أرى أنها كانت خيارا فنيا وتربويا شديد الذكاء لربط الأطفال بهويتهم في مواجهة توغل التكنولوجيا الرقمية. وقد تخلى المخرج عن هذه التقنية في رؤيته الاخراجية مع أن استخدام خيال الظل لتمثيل حكايتا الماضي هو اعتراف بأن التراث يعيش فينا ويشكل وعينا.
فالكاتبة كانت تراهن على دهشة الفراغ؛ فخيال الظل يترك للطفل مساحة ليكمل الصورة بخياله الخاص، عكس التكنولوجيا التي تقدم صوراً كاملة. ولو أن المخرج اعتمدها لرأينا كيف أن هذا التوظيف لم يعوض غياب الوسائط الحديثة فحسب، بل تفوق عليها بإعادة الاعتبار للبعد الرمزي والأسطوري، مما يجعل الطفل يشارك في تخيل ملامح الحكاية وتفاصيل صراعها.
كما تصل هذه الرؤية لغايتها في المشهد الختامي، حيث يذوب الفاصل بين اللعبة والحقيقة. إن نداء خلاويص؟ والرد عليه بـ إحساس الحب ليسه هو التلخيص الأسمى للعمل؛ فالحق الذي عاد لم يعد بالضجيج أو الانتقام، بل عاد ليخلق حالة من السلم والسكينة.
لقد نجحت الكاتبة في جعل العدل شرطاً أساسياً للأمان، فبدون ميزان مستقيم، لا يمكن للأطفال أن يواصلوا لعبهم بسلام، وهذا النص بلغته الشاعرة ورؤيته البصرية العميقة؛ يعيد صياغة مفهوم المسرح التعليمي ليصبح مسرحاً إنسانياً يشكل الهوية ويحفز العقل والوجدان معاً.
عندما قام المخرج محمد عبد الفتاح بتقديم الرؤية البصرية للمعالجة الدرامية للكاتبة قرر التخلي عن الوسائط البصرية مثل العرائس وخيال الظل في نص استغماية، والاعتماد كلياً على العناصر البشرية، وهنا فإنه ينتقل بالعمل من مربع الفانتازيا التاريخية إلى مربع الواقعية السحرية. هذه الرؤية المغايرة حولت الحكاية الدرامية من حكاية قديمة، لساحة للصراع الإنساني المباشر.
أنسن المخرج الأسطورة عندما قام بإلغاء العرائس، والتحم بالواقع وكسر المسافة بين المتفرج والحكاية. فالفلاح الفصيح لم يعد دمية ترمز للمصري القديم، إنه ممثل من لحم ودم، يمتلك انفعالات حقيقية وصوتاً جهوراً ومعاناة ملموسة. هذا الاختيار جعل قضية العدل قضية آنية تخص الطفل والبالغ في اللحظة الراهنة، وليست استدعاء لتاريخ ومضى من آلاف السنين. فالممثل البشري هنا يجسد الفصاحة كفعل إرادي نابع من القهر الذي تعرض له، وهو أمر يؤكد على قوة الرسالة الدرامية التي يعنى بها العرض ويجعلها أكثر صدقاً وتأثيراً.
كما إنه حين استغنى عن خيال الظل، في العرض وقع العبء الدرامي بالكامل على جسد الممثلين ولغة الحركة. لذا فقد اعتمد المخرج هنا على قدرة الممثلين (الأطفال والكبار) على تشكيل الفضاء المسرحي بوجوههم وأجسادهم، وبدلاً من رؤية ظلال الشخصيات على شاشة خيال الظل، رأينا تجسيداً حركياً للظلم والمراوغة التي مارسها موظف القصر على الفلاح الفصيح.
عندما فرض المخرج الأسلوب الواقعي على العرض الذي لم يتجاوز الخمسين دقيقة جعل الإيقاع مشدوداً، وأصبحت التعبيرات الإنسانية هي المؤثر البصري الأساسي، مما يدفع بالطفل (المتلقي) على التركيز في نظرات العين ونبرة الصوت، وهي مهارات يتسم بها التواصل الإنساني والتي تفتقدها الوسائط التكنولوجية.
كما أن الاعتماد على العناصر البشرية وعناصر الديكور الواقعي والملابس العادية خلق حالة من التوحد بين زمن لعبة الاستغماية وزمن حكاية الفلاح، ولم يعد هناك انفصال بين أطفال الحارة وشخصيات التراث؛ فالطفل الممثل الذي يلعب في الحارة قد يكون هو نفسه جزءاً من موكب أحد الفراعنة بمجرد تغيير طفيف في الأداء أو الإكسسوار. وهذا التداخل يخدم رؤية الكاتبة د. صفاء البيلي التي تؤكد أننا جميعاً أحفاد ذلك الفلاح، وأن الصراع بين الحق والباطل يحتاج للمواجهة أكثر من أي شيء آخر، وهو ما جعل رؤية محمد عبد الفتاح تتعانق معها لتراهن الكاتبة والمخرج على ذكاء المتلقي الصغير؛ فبدلاً من تقديم الظل والعروسة كحلول بصرية سهلة، يطلب المخرج من الطفل أن يبني عالم الفلاح في خياله من خلال مشاهدة حركة الممثلين البشر، وهذا النوع من المسرح الواقعي الفقير في أدواته، الغني في أداءاته، يخلق علاقة تفاعلية قوية، حيث يصبح الممثل والفراغ هو الأداة الوحيدة لنقل الفلسفة الأخلاقية للنص، مما يجعل مشهد النهاية (عودة الأب وانتصار العدل) لحظة تفريغ شعوري (التطهير عند أرسطو) واقعية جداً وحميمية ومحببة.
إن رؤية المخرج محمد عبد الفتاح في الحقيقة هي انتصار للممثل البشري، وتحويل للنص من فرجة بصرية إلى تجربة إنسانية حية، تعيد الاعتبار لقوة الحضور الجسدي في مواجهة الصور المصمتة، تماماً كما أرادت الكاتبة د. صفاء البيلي أن يكون صوت الفلاح هو سلاحه الأوحد في مواجهة الظلم.
كان ديكور(شيرين شحات + الملابس) عبارة عن أربعة لوحات، وتجسد اللوحة الأولى مدخل القرية فنجد في عمق المسرح تنتشر مجموعة من النخل يتخللها على يمين المتلقي بير ماء وعلى اليسار ساقية، أما المشهد الثاني عبارة عن منزل الفلاح، وهو عبارة عن بانوه من الخشب يدخل محملاً على عجل من العمق ويميل ناحية يمين المتلقي، وعلية من الخارج مجموعة من الحصير من سعف النخيل للإيحاء بجو البيوت الريفية، ويخرج من داخل المنزل حمار مصنوع من الخشب ليعبر عن الحمار الذي يستخدمه الفلاح في حياته اليومية بالريف، ثم يدخل بيت الموظف في المشهد الثالث عبارة عن بانوه من الخشب ويقف أمام الباب خيال مآته دون رأس ويدان يتنكر خلفهما موظف القصر ونجد أنه منزل غير متناسق الألوان (به بعض الرقع) فهذا الموظف لص يسرق ممتلكات الغير ويضعها داخل منزلة، أما المشهد الرابع فيظهر بانوه عليه ستارة من الشيفون؛ يمثل بوابة قصر الملك، والبوابة ملونة ببعض الألوان المزركشة (أصفر، برتقال، فضي) أمامها حديقة، وفي نهاية العرض يتم تجميع كل المناظر السابقة على خشبة المسرح ليظهر لنا بواسطة الإضاءة منظر عام للقرية مع وجود كل أهالي القرية.
عبرت ألوان الملابس عن الشخصيات فيرتدي الأطفال ألوان مبهجة عبارة عن تي شيرت ابيض يعكس الإضاءة، وجيب لونه أحمر، وعندما تحكي لهم الجدة الحكايات يدخل الأطفال إلى عالم الخيال فيرتدون وشاحا على شكل جلباب فلاحي، والجدة ترتدي ملابس فلاحي مبهجة عبارة عن جلباب منقوش باللون الوردي ومنديل بقوية وطرحة لبني، فهي ملهمة البهجة للأطفال، والملك الذي لم يعيش حالة الطفولة يرتدي جلبابا لونه بينك ووشاحا ذهبي اللون وعلى رأسه تاج ذهبي، ويرتدي الوزير جلبابا ووشاحا لونهما رمادي حيث إنه رجل حيادي جداً حكيم وعادل ولا يجامل أحدا ويعطي أصحاب الاختصاص (القاض) الحكم في القضية، ويرتدي الفلاح وولده كركور بنطلون وقميص فلاحي لونهما بيج وعليه السديري الفلاحي، وهي ملابس معبرة عن البيئة الترابية التي يعيش فيها، وموظف القصر يرتدي قطعا (رقع) من القماش مختلفة الألوان مما تؤكد على أنه حرامي سرق هذه القطع الذي صنع منها الثوب الذي يرتديه، ويرتدي القاضي جلبابا لونه أخضر وطاقية لونها أزرق، ليعبر عن الحياة والصفاء والعدل (الأرض الخضراء والماء الزرقاء).
كانت الإضاءة عبارة عن إنارة للمكان مع التركيز على بعض البؤر الضوئية للتركيز على الحدث.
اشترك الأطفال في الاستعراضات مع الأشعار والموسيقي التي وظف جميعها لتكملة الصورة المرئية، وهي تعبر عن روح الفرح والسعادة للطفل.
كل الشكر والتحية لكل من شارك في ظهور هذا العرض للنور
الممثلين: محمود فراج (الفلاح)، كارمن سالم (الجدة)، أحمد الملاح (الوزير)، سيد مطر (الموظف)، آدم حامد (كركور)، سامح ابو العلا (القاضي)، محمد عدوي (الملك)، ياسمين سمير (القرد بابون).
الأطفال: (سما سامي، نورين هيثم، سجا محمد، لمار محمد، لمار وليد، حنين حامد، حلا حامد، كارما احمد، رودينا رضا، سوسنه عزيز، سما خالد، روضه محمد، لوجين أيمن).
تصميم ديكور وملابس (شيرين شحات)، إضاءة (محمد عبد الله (دولفين))، الحان و توزيع (عبدالله رجال)، تصميم استعراض (سامح ابو العلا و محمد وادي)، تصميم بوستر (شريف محمد).
تنفيذ ديكور (حامد شاكر)، تنفيذ ملابس (هيلانه سامي)، تنفيذ موسيقى (محمد حسنى)، إدارة هندسية (ناصر رمضان)، تنفيذ صوت (محمد حسني)،
مساعدي الإخراج (عمر عطية، يوسف عصام)، مخرج منفذ (محمد عدوي).
مدير المسرح (شرين شحات)، مدير القصر (جيهان شعبان)، مدير عام الفرع (ياسر فريد).



|