|
القاهرة 19 مايو 2026 الساعة 01:15 م

بقلم: حسن غريب أحمد
في زمن باتت فيه الشهرة تُصنع أحيانًا بالضجيج لا بالموهبة، وبالعلاقات لا بالإبداع، صار كثيرٌ من الكتّاب الحقيقيين يشعرون بأنهم يُدفَعون عمدًا إلى هوامش المشهد الثقافي، بينما تتصدّر أسماءٌ لا تمتلك من الأدب سوى القدرة على التسويق والظهور.
غير أن المبدع الحقيقي لا ينبغي له أن يستسلم لهذا الشعور، ولا أن يُحوّل قلمه إلى دفتر شكاوى مفتوح؛ فالكتابة التي تُولَد من رحم المرارة وحدها سرعان ما تفقد بريقها، بينما الكتابة التي تؤمن برسالتها تبقى، ولو بعد حين.
لقد امتلأت المجلات والصحف الثقافية في كثير من أرجاء الوطن العربي بحسابات ضيقة، ودوائر مغلقة، ومجاملات متبادلة، حتى أصبح بعض المبدعين الحقيقيين غرباء داخل أوطانهم الثقافية. كم من نص عظيم ظل حبيس الأدراج لأن صاحبه لا يجيد فن العلاقات العامة، وكم من موهبة حقيقية أُقصيت لصالح أسماء تُجيد التصفيق المتبادل أكثر مما تُجيد الكتابة نفسها. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: حين يتحول المشهد الثقافي من ساحة للإبداع إلى سوق للمصالح.
ومن هنا يمكن فهم تلك النصيحة العميقة التي يجب أن يتأملها كل كاتب يشعر بالإقصاء والتهميش: لا تُضِع طاقتك في الشكوى والبكاء، ولا وقتك في تَسوُّل الدعوات والأضواء؛ فليس هكذا تُصنع الأفكار الجديرة بالبقاء. بل واصل طريقك بصبر من يعلم أن الكتابة الحقيقية لا تخاطب الناس على مسافة عام أو عامين، بل على امتداد الزمن كله.
إن النص العظيم لا يطلب الإذن كي يعيش، ولا يحتاج إلى موافقة محرر متعالٍ أو ناقد متحيز كي يثبت وجوده. فالأدب الذي كُتب بصدق يملك عمرًا أطول من المؤسسات، وأبقى من الأسماء المؤقتة التي تلمع سريعًا ثم تختفي سريعًا.
لذلك، فإن أكبر انتصار يمكن أن يحققه الكاتب هو أن يواصل الكتابة بإيمان عميق، لا أن ينشغل بمطاردة الأضواء الزائفة. لقد أثبت التاريخ الأدبي أن كثيرًا من الكتاب الكبار عاشوا غرباء في أوطانهم الثقافية، وبعضهم مات دون أن ينال ما يستحقه من تقدير، لكن الزمن أنصفهم لاحقًا؛ لأن الكلمة الصادقة لا تموت، ولأن النص الحقيقي يمتلك قدرة خارقة على النجاة من الغبار والعتمة والمؤامرات الصغيرة. أما الكتابة المصنوعة للمواسم والولائم الثقافية، فإنها غالبًا ما تسقط عند أول اختبار للزمن.
إن الكاتب الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد الدعوات ولا بعدد الصور والمنشورات، بل يقيسه بقدرته على ترك أثر إنساني وفكري وجمالي يتجاوز اللحظة العابرة. فالكتابة ليست سباقًا قصيرًا نحو الشهرة، بل رحلة طويلة نحو الخلود الرمزي. اكتب للبقاء، لا للأضواء. وحين تؤمن بذلك، فلن يستطيع أحد أن يُقصيك حقًا، ولو تكالب عليك طواغيت الإنس والجن؛ فالموهبة الأصيلة قد تتأخر، لكنها لا تموت أبدًا.
|