|
القاهرة 19 مايو 2026 الساعة 01:13 م

كتبت: أميرة عز الدين
يعتبر سوفوكليس أحد أهم أعمدة التراجيديا الإغريقية، حيث مثل مرحلة النضج الفني والفكري في تاريخ المسرح اليوناني، بعد أن طور البناء الدرامي ومنح الشخصيات عمقًا إنسانيًا ونفسيًا، يقوم على مسؤولية الفرد وصراعاته الداخلية وصراعاته مع المجتمع؛ عوضًا عن صراعه السابق مع القدر والآلهة كما في تراجيديا إسخيلوس، كما عمل سوفوكليس على تقليل دور الكورس واعتمد على الحوار والصراع الدرامي في تطور المسرحية، بالإضافة إلى تطوير رسم الشخصيات التي لم تعد آلهة أو أنصاف آلهة لها رموز أسطورية؛ بل أصبحت شخصيات ذات دوافع نفسية معقدة تلعب الدور الرئيسي في تحريك الأحداث.
وتظهر تلك التطورات بوضوح في مسرحيتي “أوديب ملكًا” و”أنتيجوني”، حيث يختار سوفوكليس لحظة درامية معينة من الأسطورة ولا يعيد إنتاجها تمامًا مثل إسخيلوس؛ لكنه يركز عليها ليكشف من خلالها رؤيته الخاصة وليس فقط لتحويل الأسطورة إلى تراجيديا، ففي «أوديب ملكًا» يختار لحظة اكتشاف أوديب لحقيقته المأساوية، بينما يركز في «أنتيجوني» على الصراع بين السلطة السياسية والواجب الأسري والديني.
تبدأ “أوديب ملكًا” بداية مأساوية قوية؛ حيث يتضرع شيوخ طيبة أمام قصر الملك أوديب طالبين منه إنقاذ المدينة من الوباء، ويأخذ الملك على عاتقه مهمة البحث عن السبب الحقيقي لانتشار ذلك الوباء بدلًا من عرض الأسطورة كاملة، لنكتشف أن الوباء ما هو إلا لعنة أصابت المدينة بسبب قتل الملك لايوس؛ وللتخلص منها يجب أن يصل أوديب لقاتل لايوس، هنا يبدأ الخط الدرامي في التصاعد تدريجيًا من خلال سلسلة من الصراعات والتعرفات التي تقود أوديب لاكتشاف الحقيقة.
والتصاعد الدرامي في أوديب ملكًا قائم في الأساس على الحوار بين الشخصيات التي تحمل كل منها دوافع مختلفة؛ لتشي لنا بالحقائق وتوصلنا لنقاط التعرف بالتدريج، فنجد أن سوفوكليس قد غرز أسس الصراع في الحوار بين أوديب والعراف تيريسياس، حيث نكتشف من خلاله طبيعة أوديب المتغطرسة والمندفعة في مقابل حكمة تيريسياس وعقلانيته، بعدها يتحول الحوار تدريجيًا من محاولة أوديب معرفة الحقيقة إلى تبادل للهجوم بينهما؛ حتى يصدمه تيريسياس بأنه هو نفسه قاتل لايوس.
وعلى مستوى آخر؛ نجد الصراع اتسع ليشمل صراع أوديب مع كريون شقيق يوكاستا زوجته، حيث يظهر تهور أوديب واستبداده في مقابل اعتدال كريون واتزانه، كذلك هناك صراع آخر بين أوديب ويوكاستا نفسها؛ حيث تحاول منعه من مواصلة البحث عن الحقيقة خوفًا من العواقب، بينما يصر هو بعناد على الاستمرار حتى النهاية.
ولأن التعرف- أي كشف الحقائق- يعد عنصرًا دراميًا أساسيًا لدى سوفوكليس؛ فقد توالت المعلومات الجديدة حتى لحظة الذروة، ففي البداية يعرف أوديب مكان مقتل لايوس، ثم يكتشف أنه ليس الابن الشرعي لملك كورنثة، حتى نصل إلى اعتراف الراعي بالحقيقة الكاملة، وهنا تبلغ المسرحية ذروتها حين يدرك أوديب أنه قتل أباه وتزوج أمه؛ تمامًا كما أخبرته النبوءة، فتتحول حياته من السعادة إلى الشقاء الكامل.
وبالنظر إلى شخصية أوديب؛ نجد سوفوكليس قد رسمه بوصفه بطلًا تراجيديًا، فهو ذكي وشجاع وأنقذ مدينة طيبة من الهولة التي كانت مرابضة قرب أسوارها؛ ولذلك كافأه أهلها بالزواج من الملكة، لكنه في الوقت نفسه مغرور ومندفع؛ وتلك الصفات هي التي أدت به إلى الوقوع في الخطأ التراجيدي، ومن خلال هذه الشخصية يطرح سوفوكليس فكرة المسؤولية البشرية عن الخطأ عوضًا عن فكرة أن المأساة مجرد قدر مفروض من الآلهة، لذلك عاقب أوديب نفسه بفقء عينيه اعترافًا بمسؤوليته عما حدث.
ومن هنا يتحقق مفهوم التطهير التراجيدي الذي يهدف له سوفوكليس من الأساس، إذ يشعر المتلقي بالشفقة تجاه أوديب والخوف من مصيره نفسه، رغم أنه لم يرتكب جرائمه عن قصد بل بسبب سوء تقدير وغرور إنساني ربما لا يستطيع أحد تجنبه لو وضع في الملابسات نفسها.
أما في مسرحية «أنتيجوني» فقد اختار سوفوكليس لحظة تولي كريون حكم طيبة بعد مقتل الأخوين إيتيوكليس وبولينيكيس؛ والصراع الذي نشأ بسبب قراره بمنع دفن بولينيكيس، أي أنه حول الأسطورة إلى صراع سياسي وإنساني يتعرض لقضايا السلطة والقانون والحرية.
وتبدأ المسرحية بالحوار بين أنتيجوني وأختها إسميني؛ الذي يقدم خلفية مختصرة للأحداث ويكشف قرار كريون بمنع دفن بولينيكيس، كما يوضح طبيعة الشخصيتين- أنتيجوني وكريون- والصراع الأساسي بينهما، ومن هنا نجد أن المسرحية تقوم على شخصيتين تراجيديتين وليست واحدة كما في أوديب ملكًا، في النصف الأول تتصدر أنتيجوني الحدث من خلال تحديها لقرار كريون؛ بينما ينتقل الفعل التراجيدي في النصف الثاني إلى كريون والنتائج المترتبة على قراره المتعسف.
في أنتيجوني أيضًا تتعدد مستويات الصراع رغم ثبات طرفيه، فهناك صراع سياسي بين السلطة التي يمثلها كريون والفرد المعارض الذي تمثله أنتيجوني، وهناك كذلك الصراع بين الدولة والأسرة، حيث يرى كريون أن الحفاظ على هيبة الدولة يقتضي تنفيذ القانون الوضعي لها رغم تناقضه مع الأعراف الإغريقية التي توجب دفن الموتى واحترام الروابط الأسرية، بينما ترى أنتيجوني أن واجبها الأسري والديني يفرض عليها دفن أخيها واحترام قوانين الآلهة.
كذلك تكشف المسرحية عن صراع آخر بين الرجل والمرأة، حيث يخشى كريون أن يؤدي تحدي أنتيجوني له إلى إضعاف صورته أمام شعبه؛ خاصة وقد رسم سوفوكليس شخصية أنتيجوني بوصفها شخصية قوية وعنيدة تصر على تنفيذ ما تؤمن به؛ حتى مع يقينها بأن النهاية ستكون الموت، ومن خلال المقارنة بينها وبين أختها إسميني التي تمثل الخضوع والخوف؛ تظهر قوة شخصيتها وفاعليتها الدرامية كبطلة تراجيدية تدفع ثمن تمسكها بموقفها ضد السلطة في النهاية، تمامًا مثل كريون الذي صوره سوفوكليس بوصفه متعجرفًا ومستبدًا يسعى لتثبيت سلطته؛ ثم يتطور تدريجيًا حتى يدرك خطأه بعد فوات الأوان، ولذلك فإن سقوطه التراجيدي موازي لمأساة أنتيجوني نفسها، لأنه يفقد ابنه وزوجته نتيجة تعنته الأعمى.
في النهاية يمكننا القول إن سوفوكليس قد قام بخطوات مؤثرة لتطوير التراجيديا الإغريقية، أرساها في أوديب ملكًا وطورها في أنتيجوني، فخرج بالبطل التراجيدي من كونه مجرد أداة في يد القدر ليصبح مسؤولًا عن اختياراته وأفعاله في أوديب، ونجح في بناء صراع درامي معقد متعدد المستويات مع تعدد مراكز الفعل التراجيدي في أنتيجوني، وإذا كانت «أوديب ملكًا» تطرح مأساة الإنسان الباحث عن الحقيقة حتى لو قادته إلى الدمار، فإن «أنتيجوني» تكشف مأساة الصراع بين القانون والضمير، وبين السلطة والحق الإنساني، وهو ما جعل مسرح سوفوكليس قادرًا على تجاوز زمنه والبقاء حاضرًا في الوعي الإنساني حتى اليوم.
|