|
القاهرة 19 مايو 2026 الساعة 01:12 م

عاطف محمد عبد المجيد
يمر العالم العربي والإسلامي بمحنة أخلاقية شديدة بتفشي ظواهر التعصب والتشدد وسيادة أحاديتيْ التفكير والرؤية، واختفاء لغة التفاهم والحوار بين أطياف عالمنا الإسلامي دينيًّا وسياسيًّا ومجتمعيًّا، وسيادة الغضاء والشحناء بين تلك الأطياف التي لم تفهم حقيقة دينها.
هذا ما يكتبه خالد البوهي في كتابه "فقه ثقافة الاختلاف" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وفيه يذكر أن الدين الإسلامي دعا إلى التسامح واحترام الآخر، وإلى قبوله، داخليًّا وخارجيًّا، مشيرًا إلى أننا نرى الأمة الإسلامية وقد اعتورها التشدد، أنهكها التعصب، تربص بها المتربصون، ورأينا أبناءها وقد ابتعدوا عن أصل الفطرة وحقيقة الدين ورحابة الإنسانية، وأن هذا ينتج عنه صراعات داخلية بين أبناء الوطن الواحد الذي لم يفهم أبناؤه قضية قبول الآخر، كما رأينا أصولية عنصرية بغيضة.
الكاتب الذي يسجل هنا رفضه للموقف التعصبي الأصولي من الآخر، داخليًّا وخارجيًّا، يؤكد أن الأصولية طريقة تفكير، لذا لا تقتصر على الأصولية الدينية، وإنما تمتد لتشمل الأصوليات الوطنية والقومية والماركسية كما تمتد لتلاحق المتعصبين من ضيقي الأفق في كل الأديان، مشيرًا إلى أن أوروبا قد شهدت قبل مولد السيد المسيح حضارة يونانية عريقة، قدمت لنا نماذج فكرية رائعة وفلسفات راقية، ورؤى إنسانية ثاقبة، كما وضعت أسسًا لعلوم ونشاطات بشرية متعددة، قبل أن تقوم على أنقاضها حضارة رومانية وثنية تميزت في القانون والعسكرية.
البوهي الذي يشير إلى أننا حين ندعو إلى تبني ثقافة حق الاختلاف وقبول الآخر وحب التسامح وإعلاء قيمة الحوار، فإننا نطالب بالعودة إلى جوهر الدين وتعاليمه المتسامحة، دون أن ينكر دور الغرب في ما وصلنا إليه، والنظرة المنصفة لا بد وأن تدين التحيز الغربي وسوء طوية بعض فئاته على حد قول د. جابر عصفور، كما لا ينكر أن جزءًا كبيرًا من المسئولية يقع علينا، كما يؤكد في طرحه على أهمية رفض ظواهر التعميم والأحكام المسبقة، وعلى أهمية الاستقراء التاريخي وتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية، وكذلك لا ينسى أهمية احترام مقدساتنا، ومنها احترام حق الاختلاف الذي قدسه الدين ودعت إليه الفطرة السليمة، كما نجده يؤكد أيضًا على إنسانية هذه المبادئ وعلى تلقائيتها البديهية، مشيرًا إلى أنه لا ينبغي أن نفهم سنة الاختلاف إلا على طريقة التنوع الإنساني الخلاق.
الكاتب الذي يرى هنا أن ثقافة الاختلاف هي ثقافة تؤمن بالحوار الذي قد يبرز الحقيقة، يشير إلى أن الاستبداد قامع أصيل للاختلاف وقبول الآخر، سواء أكان استبدادًا سلطويًّا من الحاكم، أم كان استبدادًا نخبويًّا، كما أنه يمكن أن يكون هناك استبداد جماعي، مضيفًا أن الباحث في أدبيات الإسلام المحكمة لا يستطيع إلا أن يوقن بأن حضارته قد ارتكزت على الدعوة إلى التسامح، ومنع اللجج والخصومة، وحسن معاملة الآخر، ويشهد على تسامح المسلمين وقبولهم للآخر ما نراه من بقاء دور العبادة من كنائس ومعابد في الوقت الذي تحولت فيه مساجدهم بالأندلس إلى كنائس شاهدة على قمعهم في محاكم تفتيش قاسية، مضيفًا أنه مما قرأناه عن فتوحات العرب وحروبهم التي تميزت بأحكام إنسانية لم تعرفها الحروب قبلهم، وكانت تجاوزاتهم محدودة إذا ما قيست بتجاوزات من سبقهم أو لحقهم من دول حضارات لم تعرف آداب الحروب أو التعامل مع الآخر المهزوم.
كذلك يقول المؤلف إننا نرى المآسي التي يمر بها العالم، من حروب وتطاحن وقتل وإرهاب وتهميش واحتقار، لا سبب لها غير رفض الآخر بعد أن تصبح الأنا لا ترى غير نفسها، كما نرى أن منطقتنا العربية التي استنزفتها الكراهية والشحناء لهي في أشد الاحتياج لمثل هذا النوع من الثقافة العلمية التي ربما تُخرجنا من التيه.
الكاتب الذي يذكر هنا تعرض الحضارة الإسلامية لهزات عنيفة جعلتها تحيد عن النموذج المثالي الذي أرشدنا القرآن إليه، فكان ما كان من انحراف وبُعد عن ثقافة التسامح واحترام الاختلاف وقبول الآخر، يرى أننا نعيش اليوم في حالة عصابية، نؤمن بالصوت الواحد والأسلوب الواحد والطريقة الواحدة، ولا نرى غيرنا في المرايا الذاتية التي جعلناها وجهتنا، ولا نسمع غير أصواتنا في كهوف ازدراء الآخر، متسائلًا هل نستطيع، بما لنا من رصيد حضاري متسامح، أن نتجاوز هذه الأوضاع المأزومة التي جعلت عالمنا الإسلامي في حالة من التربص الدائم؟
هنا أيضًا يكتب خالد البوهي قائلًا إن مصر تميزت بعبقرية مكانية، حسب تعبير د. جمال حمدان، منحتها خصوصية شديدة التفرد في منطقتنا العربية، فجعلت لها حضارة استيعابية تجتذب الآخر ليصبح جزءًا من الآنا، ليظلا متجاذبين رغم تباينهما، وتظل هذه الحضارة بروافدها المتعددة نموذجًا واضحًا للتفاعل المتعايش الذي يقدم تسامحًا ومرونة لوطن يتسع لجميع مواطنيه، مؤكدًا أن تأثير مصر الحضاري والثقافي أكبر من حدودها الجغرافية ممتدًا إلى ما حولها بما يؤكد قيمته المستمدة من العبقرية المصرية مكانًا وسُكانًا، مثلما تنطوي ثقافة مصر العربية والإسلامية على ثوابت ومتغيرات، فالثابت فيها هو جوهر الثقافة الإنسانية العامة بطابعها الهيوماني، مشيرًا إلى أن اقتضت حكمته تعالى وحكمة الإنسانية التي جعلها فينا أن كرّهَ إلينا الاستبداد والطغيان، ونعلم ضرورة أن الاستبداد يناقض الاختلاف، والطغيان يناقض قبول الآخر، وكلاهما لا يقبل ثقافة التسامح أو الحوار.
أيضًا يقول المؤلف هنا إن العصر الحديث شهد رؤى ثقافية ودينية ومجتمعية وسياسية متباينة، وكان كثير منها يخرج عن المألوف الموروث، ورغم ذلك شهد تاريخنا حوارًا حضاريًّا راقيًا بين تلك الرؤى المتناقضة، وإن اتسم أحيانًا بحِدة بالغة، مردها غرابة أفكارها غير المعهودة، وقد رأينا ذلك في المساجلات الفكرية الراقية، والخلافات السياسية الرشيدة، والآراء الاجتماعية والدينية المتصارعة، ذاكرًا من رموز تلك المساجلات د. طه حسين، سلامة موسى، محمود شاكر، الرافعي، العقاد، محمد حسين هيكل، محمد فريد وجدي، وغيرهم، منتهيًا إلى أن الدين الإسلامي يقوم في جوهره على ثقافة التسامح واحترام الآخر، وأن الحضارة العربية قامت على أسس قويمة من الدين الإسلامي وقدمت نماذج مضيئة متسامحة، كما عانت الحضارة الأوروبية كثيرًا في ظل الحكم الديني الذي لم يلتزم يومًا ما بتعاليم المسيحية ولم تنهض حضارتها إلا بالثورة على الدين نفسه وسرعان ما ظهر وجهها الاستعماري الذي تحدى الآخر المسلم في عقر داره، بينما قامت الحضارة الأمريكية على استئصال الآخر وعلى دعم قامعي الآخر بدعمها الكامل للصهاينة في مواجهة الآخر العربي الفلسطيني، ليصبح وجه حضارتها عسكريًّا، يتدخل باسم أمنها القومي في أماكن شتى من بقاع العالم.
|