|
القاهرة 19 مايو 2026 الساعة 01:09 م

بقلم: حسين عبد البصير
أثار فيلم "أسد" منذ الإعلان عنه حالة واسعة من الجدل، ليس فقط بوصفه عملًا سينمائيًا ضخمًا، بل لأنه يقترب من منطقة شديدة الحساسية ترتبط بتاريخ مصر والهوية والذاكرة الثقافية.
وقد تصاعد النقاش بعد اتهام الفيلم من بعض الأصوات بأنه يروج بصورة مباشرة أو غير مباشرة لأفكار “الأفروسنتريك”، بينما دافع صناع العمل عن أنفسهم مؤكدين أن الفيلم يناقش قضية إنسانية تتعلق بالعبودية والعنصرية والتحولات الاجتماعية في القرن التاسع عشر.
ومن هنا يصبح من الضروري أن نتعامل مع القضية بعين علمية هادئة، بعيدًا عن الانفعال أو الأحكام المسبقة، لأن التاريخ ليس مادة للصراع الأيديولوجي، بل مجالا للبحث والدراسة والفهم.
في البداية يجب التأكيد على حقيقة أساسية، وهي أن الفن ليس كتابًا تاريخيًا، والسينما ليست ملزمة بتقديم وقائع الماضي كما ترد حرفيًا في الوثائق والمراجع. فالعمل الفني بطبيعته يعتمد على الخيال وإعادة التشكيل الدرامي وصناعة الشخصيات والأحداث بما يخدم الحبكة والرؤية الفنية. لكن في المقابل، حين يقترب الفن من التاريخ، خاصة تاريخ مصر، فإنه يتحمل مسؤولية أخلاقية وثقافية، لأن ملايين المشاهدين قد يتعاملون مع ما يشاهدونه بوصفه “حقيقة تاريخية”.
وتاريخيًا، عرفت مصر وجود الرقيق مثل معظم المجتمعات القديمة والحديثة في العالم، غير أن طبيعة العبودية في مصر كانت مختلفة عن النموذج الأمريكي والأوروبي القائم على العبودية العرقية الجماعية في المزارع. ولم يعرف التاريخ المصري الحديث ثورة عبيد سود ضد الدولة المصرية بالشكل الذي عرفه التاريخ الأمريكي أو كما حدث في ثورة الزنج الشهيرة في جنوب العراق خلال العصر العباسي، حيث كانت ثورة الزنج حدثًا تاريخيًا ضخمًا وقع في البصرة والأهواز خلال القرن الثالث الهجري، وقادها علي بن محمد، واستمرت سنوات طويلة هددت الدولة العباسية نفسها.
أما مصر في القرن التاسع عشر، فقد كانت تمر بمرحلة مختلفة تمامًا، هي مرحلة بناء الدولة الحديثة في عهد محمد علي باشا، حيث أُعيد تنظيم الجيش والإدارة والاقتصاد، وشهد المجتمع المصري تحولات هائلة.
وقد استعان محمد علي بالفعل بعناصر سودانية وأفريقية في بعض مراحل بناء الجيش، لكن هذا لا يعني وجود “جيش عبيد” بالمعنى الذي يتردد في بعض التفسيرات الدرامية. كما أن التجربة لم تتحول إلى ثورة اجتماعية كبرى ضد الحكم المصري. وبعد ذلك اتجه محمد علي إلى تجنيد المصريين أنفسهم، وأسند مهمة تطوير الجيش إلى سليمان باشا الفرنساوي.
أما قضية إلغاء تجارة الرقيق، فهي قضية معقدة وتدريجية. فقد اتخذ سعيد باشا خطوات مهمة للحد من تجارة الرقيق، ثم جاءت إجراءات أخرى أكثر اتساعًا في عهد الخديو إسماعيل والخديو توفيق، في ظل ضغوط أوروبية وتحولات اقتصادية وسياسية عالمية. ولذلك فإن اختزال هذه العملية التاريخية الطويلة في شخصية واحدة أو حدث واحد قد يخلق صورة درامية جذابة، لكنه لا يعكس التعقيد الحقيقي للتاريخ.
ومن ناحية أخرى، فإن قضية “الأفروسنتريك” تحتاج إلى قدر كبير من الدقة والوعي. فالحضارة المصرية القديمة حضارة مصرية أصيلة نشأت على أرض مصر، صنعها الشعب المصري عبر آلاف السنين. ومصر بحكم موقعها الجغرافي كانت دائمًا نقطة تفاعل بين أفريقيا والشرق الأدنى والبحر المتوسط، وهذا أمر طبيعي لا ينتقص من الهوية المصرية ولا يلغي خصوصيتها الحضارية.
لكن بعض التيارات الأيديولوجية تحاول توظيف التاريخ لخدمة تصورات سياسية أو عرقية معاصرة، وهنا تكمن الخطورة. ولذلك فإن أي عمل فني يقترب من هذه المنطقة يجب أن يكون شديد الحذر حتى لا يُساء فهمه أو يُستخدم خارج سياقه الفني.
وفي تقديري، فإن الأزمة الحقيقية ليست في وجود فيلم يتناول قضية العبودية أو العنصرية، بل في غياب الثقافة التاريخية لدى قطاعات واسعة من الجمهور، مما يجعل الناس أسرع في تصديق الدراما من الوثائق والدراسات العلمية. ولهذا نحن في حاجة إلى مشروع ثقافي وتعليمي وإعلامي يعيد تقديم التاريخ المصري بصورة حديثة وجذابة وعلمية في الوقت نفسه.
إن مصر تمتلك تاريخًا من أعظم تواريخ الإنسانية، ولا تحتاج إلى اختلاق بطولات وهمية أو صراعات مصطنعة كي تقدم سينما عظيمة. فالتاريخ المصري الحقيقي مليء بالقصص الإنسانية والسياسية والعسكرية والحضارية القادرة على إبهار العالم كله إذا قُدمت بوعي واحتراف.
ويبقى فيلم أسد عملًا فنيًا من حق الجمهور أن يشاهده ويناقشه وينتقده. لكن يبقى من المهم أيضًا ألا نخلط بين الدراما والتاريخ، وألا نسمح لأي خطاب متطرف، أيا كان اتجاهه، بأن يختطف الحضارة المصرية أو يعيد تفسيرها بعيدًا عن العلم والمعرفة والحقائق التاريخية الراسخة.
|