|
القاهرة 19 مايو 2026 الساعة 01:03 م

بقلم: شيماء عبد الناصر حارس
أقف أمام الورقة البيضاء وأطرقع أصابع يدي من التوتر، أريد أن أكتب ولكن بداخلي شيء ما غامض، شيء هو نفسه يبحث عن الكتابة لكي يتضح لي ومن ثم أفهمه، شيء يهرب من الواقع ومن العمل ومن البيت ومن الناس إلى الداخل والأعمق، كي يختفي تمامًا في دمي ولحمي وربما يذهب للسراب واللاشيء، شيء حزين بالطبع، شيء يسبب المرض والكرب.
والمرض في كل أنواعه سيء حتى لو كان صداعًا، نفسيًا أو جسديًا، والكرب مهما كان فهو قاسٍ، ومهما كان تفاعل الإنسان معه فهو في النهاية كرب، المضحك أن القصص القرآني يرد بوضوح في هذه النقطة من ناحية التعامل مع الكرب في حالة الرجال أو النساء وينفي بصرامة أسطورة قدرات المرأة الضعيفة، ففي قصة مريم التي كانت نفساء وفي حالة من الضعف والكرب الشديد طلب منها أن تهز جذع النخلة وهو نشاط بدني يحتاج قدرات جسدية لا تتوفر للمرأة في حالة النفاس، أما في قصة يونس في بطن الحوت لم يطلب منه أي نوع من النشاط البدني ولكنه نشاط لفظي بتكرار جملة: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" وهذه أيضًا تنفي أسطورة الرجل لا يحب النشاط اللفظي ولكنه يفضل النشاط البدني، في الكرب تظهر الحقائق وتموت الأساطير.
وفي الكرب أيضًا يخفت صوت الروح، تصبح عاجزة، فتدعي مريم على نفسها وتتمنى الموت، هل أتمنى الموت؟ هل أخافه؟ هل أعرفه؟ هل أحبه؟ هل أكرهه؟ هل أنتظره؟
هناك أيام يصبح عقلي فيها مجرد من المقاومة، الاكتئاب يحاصرني وأنا أحاصره بالكتابة والأدوية أحدهما أو كلاهما وأحيانًا يجدي وأحيانًا لا يجدي، لكني أحاول على أي حال، فقط أتمنى انتهاء اليوم والنوم، النوم راحة لي من عقلي ومن قلبي ومن صوت روحي المبحوح.
لكن المشكلة أن أحلام اليقظة تطاردني في النوم، أستيقظ مرهقة دائخة عندي مصدعة، فيما مضى كنت أقلق من الخروج للسير والتريض خوفا من التحرش، والآن لدي مشكلة في قدمي تؤلمني وأحتاج للراحة بناء على طلب الطبيب، أصبحت أعرف شعور كبار السن الذين يرغبون في الانطلاق للحياة ويعيقهم الجسد، أو ربما أنا كبار السن هؤلاء بالفعل.
كنت أنام بجوار زوجي ويظن أني أغرق في نوم لذيذ، بينما أنا أذوب داخل أحلام يقظتي اليومية وأصحو من النوم ساخطة على العالم كله وعلى زوجي لأنه لا يشبه أحلامي، وإن حاول مشابهتها أو حتى تفوق عليها في جزء منها، أسخط لأن هذا في الواقع ليس جميلا كما في الأحلام، الأحلام يفرز معها هرمونات تجملها، لكن الواقع بدون هرمونات أو مستقبلات هرمونية تجلها هائلة وعظيمة وتضخمها جدا، فأراها دائمًا أقل، حتى أحلامي عن تأثيرات الأدوية أذوق فيها أثير الوهم اللذيذ، وأصحو على صداع ودوخة من الآثار الجانبية، الابتعاد عن الأحلام وفعل أي شيء آخر هو الحل.
ومع استمراري في تمارين التركيز أكتشف الكثير من الأشياء وأعود للإحباط مع أول مرة أنسي شيئًا في العمل، لكن بالطبع أعرف أن إحباطي مؤقت حتى في وقته، ومع أول نسمات التركيز أيضًا بدأت أقرأ رواية تحكي عن فترة الملك فاروق، ولأني فقط أفكر في مشكلتي وأشعر أن الناس جميعًا مثلي، بدأت أسأل نفسي، هل الناس الذين كانوا يعيشون في القصور وينعمون بالحياة على النيل، والحرية، هم أيضًا كانوا يقومون بتمرين التركيز كي يشعروا بالهدوء والاسترخاء، من في العالم يشعر بالهدوء والاسترخاء، ويفكر في اللحظة الحالية فقط، كيف يقوم بذلك؟ تجاوزت بالطبع الواقع إلى الخيال، كيف لا أفعل ذلك، السؤال الآن، كيف يعيش أبطال الروايات أنفسهم في اللحظة الحالية وكيف يستمتعون بوقتهم؟؟
لا أعرف.
ووصم المرضى النفسيين بالجنون يؤخر الانطلاق في رحلة العلاج، لأن المريض يتساءل عن رد فعل الناس حينما يعرفون ذلك، لكني أذكر أني طلبت من والدي في سن صغيرة أن يأخذني لطبيب نفسي، لم أشرح له أن المشكلة في المذاكرة وأني لا أستطيع التركيز، لا أعرف لماذا، ربما إحباطًا من البداية، فأنا أعرف شخصيته، هو الإنسان الذي يقول: "إن شاء الله" على اعتبار أنها وعد لن ينجز، وبالفعل قالها لي، كنت على ما أعتقد في الثانوية العامة، ولم أكن من الشخصيات التي تعرف الغش أو تفضله، كنت ولا زلت مثالية وهذا شيء سيء.
سمعت في إحدى حلقات البودكاست من طبيب نفسي مصاب بفرط الحركة أن مصابيه يكون لديهم مشاكل في الوظائف التنفيذية وتأخر، وهذا ليس ضرب من الغباء كما قال وردي عليه (وإن كان ضربًا ليس لدي مشكلة في ذلك)، الحقيقة أنه ليس لدي مشكلة إطلاقًا أن أكون مريضة نفسية، أي مرض نفسي، المهم أنه لدي فرصة للعلاج، وأحيانًا لا أرفض وصم المجتمع والناس لي وأقول لا ضير، لكن مشكلتي مع ذلك أنه يتنافى مع حقيقتي التي أعرفها بشكل خاص، يعني مثلا جملة: "غبية" ليس لدي مشكلة إطلاقًا معها، المشكلة هي شعوري في كثير من الأحيان بعكس ذلك، كتابتي هذه أعتبرها نوعًا من أنواع الذكاء، البحث المتواصل داخل نفسي والوعي بنسبة كبيرة من تشكيلات ذهني هو نوع من الذكاء، التركيز أحيانًا والخروج بفكرة جيدة حتى لو لم أنفذها، ذكاء، تنفيذ بعض أفكاري ونشرها، شيء جيد.
الكتابة جيدة ولكنها لا تستوعب أحيانًا الكثير من الأشياء، الأسرار، الأحلام، أو ربما أن التي لا تستطيع لحاق نفسي في أسرارها وأحلامها. ربما أحاول يومًا ما.
|