|
القاهرة 19 مايو 2026 الساعة 01:03 م

بقلم: أمل زيادة
سكان كوكبنا الأعزاء،..
ها نحن نلتقي من جديد.. ودّعنا الأسبوع الماضي الفنان القدير هاني شاكر أمير الغناء وها نحن الآن نودع فناناً شاركنا طفولتنا بصوته. إنه الفنان "عبد الرحمن أبو زهرة".
لم يكن عبد الرحمن أبو زهرة مجرد ممثل مر بتاريخ الفن المصري والعربي بل إنه ممثل عاش في وجدان جيل. شاركنا برامج الطفولة بأدوار مميزة وهادفة، وعندما كبرنا قليلا ظل مرافقا لرحلتنا بأدوار ناضجة تضيف لشخصيته وتفيد المجتمع.
لم يكن ممثلا عاديا بل كان من أولئك الذين يبحثون عن الرسالة السامية والأثر الطيب، وزرع القيمة في عالم افتقد كل مقومات الإنسانية وخضع للتكنولوجيا وعصر الصورة والتريند.
سكان كوكبنا الأعزاء،
يموت الفنان مرتين، الأولى حين يتوقف قلبه، والثانية حين يمر العالم بجانب إرثه دون أن ينتبه. لكن المأساة الحقيقية ليست في الموت، بل في أن نعيش حياتنا لا نترك فيها أثراً يذكر، أن نكون مجرد رقم في نظام إداري، أو صورة عابرة في ألبوم لا يفتحه أحد.
هكذا يبدأ الصراع، كيف نثبت أننا كنا هنا؟ كيف نكتب أسماءنا على جدار الزمن الطيني قبل أن تمحوه الأمطار؟
ففي صباح كل يوم عادي، يستيقظ الإنسان ليواجه أعتى معاركه، معركة أن يكون "أحمد" لا "الموظف رقم 47"، أن تكون "ليلى" لا... بل "العميلة المخلصة في الفرع الثالث". إن العالم يجبرنا على القوالب الجاهزة، ببطاقة تعريف، ورقم وطني، وحساب بنكي، وسط قائمة انتظار.
تحت هذه التصنيفات، نلهث خلف مساحة صغيرة لنقول، أننا لسنا هذا الرقم.
لكن الفنان -أياً كان مجاله- يملك سلاحاً سرياً كونه يخلق من تفاصيله اليومية أسطورة. كأس القهوة الباردة تتحول في كتابته إلى طقس حزين، بكاء طفل في الحافلة يصبح قصيدة، غروب عادي على سطح عمارة يتحول في لوحته إلى حريق صامت.
هكذا يهزم الفنان الرقم، لا بالقوة، بل بالتحول. كونه يجعل العالم ينظر إلى التفاصيل الصغيرة فيندهش: " ففي هذا المكان الذي أمر عليه كل يوم.. يكمن كل هذا الجمال... ألا ترون ما أرى؟!".
المشكلة أن الحياة اليومية تمتص الروح. الاستيقاظ، العمل، النوم، التكرار. في هذا الروتين، تغوص محاولات الإبداع وتتحول إلى همسات خفيفة يقمعها صوت المنبه. قليلون هم من يصرون، سأكتب حتى ولو سطراً واحداً اليوم. سألتقط صورة مختلفة. سأقول شيئاً لم أقله من قبل . أولئك هم الذين، عندما يرحلون، لا يتحولون إلى مجرد خبر عابر. لكنهم يتحولون إلى فصول في كتب لا تغلق، إلى صوت حين تحتاجه الحكاية، إلى أثر يمتد في الزمن كندبة جميلة على جسد الذاكرة.
سكان كوكبنا الأعزاء،..
الفن ليس ترفاً، بل هو طريقة الإنسان الوحيدة للقول، أنا هنا الآن باللغة المسرح، أو كنت هنا يوما ما، ورأيت العالم بعيني لا بعيون الآخرين، تألمت بطريقتي، أحببت بغرابتي، وتركت بصمة لا يمكن لأي خوارزمية أو رقم أن يحصيها أو يختزلها.
لذا أيها الفنان، لا تنتظر أن تموت لتصبح خالداً. ابدأ اليوم، في هذا اليوم العادي الذي لا يختلف عن الأمس. اكتب جملة واحدة تصف كيف يبكي المطر على زجاج نافذتك. ارسم شكلاً يلتقط حيرة منتصف الليل. غني للحظة عابرة لا تستحق أن تُنسى.
لأن الموت لا مشكلة فيه إذا سبقته حياة. لكن المشكلة الحقيقية هي أن نموت مرتين، الأولى ألا نُذكر، والثانية ألا نستحق أن نُذكر!
ودائماً، تذكّروا أن هذا العالم مليء بالأرقام. لكنه يفتقر دوماً إلى روح واحدة تقول، أنا هنا، ولهذا السبب، لن يرحل صوتي.
سكان كوكبنا الأعزاء،..
احرصوا أن تكونوا مختلفين وليسوا نمطين، أو مجرد نسخ من الآخرين تتحكم بنا السنين.
|