|
القاهرة 19 مايو 2026 الساعة 12:58 م

بقلم: حاتم عبد الهادي السيد
دعاني المؤرخ والباحث والمثقف القدير صديقي عبد العزيز الغالي (جبرتي سيناء) لتناول فنجان قهوة على مقهى (أبو يعقوب التاريخي) ذلك المقهى الذي أسسه أحد مجاهدي سيناء: الحاج صباح يعقوب الكاشف، والد الصحفي والإعلامي الأستاذ يسري الكاشف رئيس تحرير مجلة "دليلي" في هولندا، و"نقيب الصحفيين العرب" هناك .
جلسنا لنتناول القهوة، وحولنا السيارات، والمارة. وبدأنا الحديث عن الثقافة، وتاريخ سيناء القديم، كما تطرقنا إلى سيناء وكيف أسماها الفراعنة " أرض القمر"، و"أرض الفيروز"، و"أرض النخيل والبحر والصحراء"، وأرض "توشيت" أي أرض الجدب والنماء، و "رينو كلورا" أي بلد مجموعي الأنوف، وغيرها.
كما تطرقنا إلى أهمية سيناء التاريخية والعسكرية، وكيف اهتمت الدولة المصرية بسيناء، كونها بوابة مصر الشرقية، التي كانت تمر عبرها هجرات القبائل، كما كانت مسرى الحروب، وأحداث التاريخ.
كانت سيناء ممراً للجيوش من خلال وجود طريق "حوريس الحربي"، كما شهدت مسيرة العائلة المقدسة وهجرة السيدة البتول مريم ابنة عمران، سيدتنا العذراء مريم عليها السلام؛ ومعها السيد المسيح -عليه السلام- كما كانت طريقاً للتجارة (طريق الحرير) حيث تزخر بالكثير من القلاع التاريخية والحربية كذلك.
كما تطرقنا للحديث عن (قلعة العريش التاريخية) - وضرورة إعادة ترميمها من جديد- لتجسد الهوية، وتحفظ التراث التاريخي والحضاري والعسكري لمصرنا الحبيبة، وهل كانت القلعة من عهد العثمانيين، أم من عهد الفراعنة؟!
ثم تحدثت - بحكم خبرتي ومعلوماتي - عن حكام القلعة من عائلات مدينة العريش، كعائلة أولاد سليمان العريقة التي أسسها القائد سليمان القانوني جد عائلة أولاد سليمان، وعن حاكم القلعة غطاس أغا، وكذلك حاكم القلعة (بدران) أحد أجداد عائلة الفواخرية، وعن (بئر عطوان) الشهير. وكذلك عن كبار رجالات القلعة من عائلة الكاشف، والشوربجي، وبعض أجداد عائلات مدينة العريش، وغيرها من العائلات.
كما تطرقنا إلى الحديث عن الهجرات العربية إلى سيناء، وكيف هاجرت هذه العائلات من الجزيرة العربية، أو من اليمن، وغيرها.
ثم تطرقنا الحديث عن عائلة السلايمة، وعائلة الشريف، وبعض عائلات أولاد سليمان؛ وعائلات العريش بشكل عام، وغيرها..
كما أخذنا الحديث لذكر دور (منظمة سيناء العربية) التي تأسست عام 1968م من قبل المخابرات العامة، والمخابرات الحربية، للقيام بعمليات فدائية خلف خطوط العدو الصهيوني منذ احتلال سيناء، وحتى تحريرها، وعن (مؤتمر الحسنة) ورفض أهالي سيناء ومشايخها تدويل سيناء، ودور إذاعة صوت العرب، وإذاعة الشعب من خلال البرامج الموجهة التي كان يذيعها الإعلامي المعروف ابن سيناء حلمي البلك، وكذلك كيف تم استخدام الشعر البدوي كشيفرة من جانب المخابرات المصرية لإيصال الرسائل السرية إلى أبطال المقاومة الشعبية الذين كانوا يقومون بعمليات فدائية خلف خطوط العدو الصهيوني أثناء حرب الاستنزاف، ثم انتصارات أكتوبر المجيدة عام 1973م.
ثم انضم إلينا الشاعر المهندس محمد ناجي حبيشة، وقد كان يمر - مصادفة - بجوار المقهى، لنتطرق ثلاثتنا للحديث عن بعض الموضوعات المختلفة عن عائلة رستم، والبلك، وعائلة آل محسن ( أرناءوط)- أحد كبار قادة القلعة، وغير ذلك.
ولقد سأل المهندس ناجي عن ملاحظة مهمة بأن أغلب العائلات التي هاجرت إلى سيناء كان عددهم ثلاثة رجال؟!. ولقد أجابه عن الأمر. كما تطرق لحديث قديم جمعني وإياه مع المهندس عادل حسن محسن - صهري العزيز- ونائب رئيس جهاز تنمية سيناء الأسبق- أثناء نزوله الانتخابات البرلمانية، وكيف استوضح منه عن بعض الأمور التي يجهلها كثيرون، ثم قال المهندس عادل - وهو صاحب خفة روح معهودة، وثقافة عالية : "لقد عرفت عنا أكثر مما ينبغي"، وكانت دعابة منه لا يزل يذكرها شاعرنا بشموخ واعتزاز .
-
الأبجدية السينائية أقدم أبجديات العالم:
لقد تطرقنا مع الأستاذ عبد العزيز الغالي للحديث عن "الأبجدية السينائية" التي تعد أقدم أبجديات العالم قاطبة، وتطرقنا للحديث عن العالم السيناوي الكبير د. درويش مصطفى الفار، وكتاباته الثمينة عن سيناء، وأحاديثه عن كافة موضوعات وملفات سيناء التنموية، ومن الناحية الطبوغرافية، والجيولوجية، والثقافية كذلك، فقد كان الدكتور درويش عالماً في الجيولوجيا، ومثقفاً، وشاعراً، وأول مكتشف لمنجم فحم المغارة بوسط سيناء، والذي حاز جائزة الدولة التشجيعية عام 1964م -آنذاك- عن هذا الاكتشاف.
ثم تطرق عبد العزيز الغالي ليحكي لنا عن طبوغرافيا المكان والسكان، وأحاديث عن الذات منذ عودته من اليونان؛ ليؤسس مطعماً للأسماك وكازينو سياحي "كازينو عزيز" على شاطىء البحر الأبيض المتوسط الساحر، الذي تتميز مدينة العريش بوجوده وسط واحة من النخيل- قديماً- وحوله طيور السمان والكراكي، وطائر البلشون البديع.
وأضاف جبرتي سيناء عبد العزيز الغالي: منذ أن جئت من أوروبا عام 1980م وعدت إلى بلدتي سيناء، كانت أمنيتي تأسيس مطعم للأسماك على طريقة الأوربيين في مدينة العريش، فأسست "كازينو عزيز" على البحر، بالقرب من " فندق المون لايت"- شاطىء القمر- الذي أسسه المرحوم الراحل المخرج المسرحي والتلفزيوني الكبير أحمد الخليلي، ثم حولته إلى مطعم للمشويات بعد ذلك، وافتتحت فرعاً آخر أمام مسجد الرفاعي بالعريش.
قلت للأستاذ عبد العزيز: دعني أسألك عن حكاية، حكتها لي والدتي -رحمها المولى عز وجل- قد روتها لها جدتها الحاجة "بهية" والدة جدي الحاج عبد الحافظ عبد الله أحمد بدوي - رحمهم المولى، وكانت جدتها تبلغ من العمر - آنذاك- حوالي 105 عام،- ولقد سمعت - أنا- من هذه الجدة الحكاية نفسها ذاتها- قبيل وفاتها بقليل- عندما جئت زائراً لمدينة العريش - عبر الصليب الأحمر- لزيارة الأهل في سيناء عام 1973م، وقبل الحرب بين مصر وإسرائيل بعدة أشهر. قلت له : هذه الحكاية عن عائله الغالي، عائلتك أنت. فبدا عزيز أكثر اهتماماً، واعتدل في جلسته ثم قال - بشياكته المعهودة، وأسلوبه في الإتيكيت- : تفضل؛ يا أستاذ حاتم احكي الحكاية.
فقلت: قالت جدة والدتي بأن سبب ثراء أحد كبار عائلة الغالي - وقد كان على قدر الحال- يرجع إلى أن أحد كباركم وجد أثناء حفر البيت الطيني القديم، أو أثناء ترميم المنزل دجاجة ذهبية، وحولها أولادها الكتاكيت، وسلة بيض ترقد فوقها، وهي من الذهب الخالص، فما صدق هذه القصة ؟!
تبسم الأستاذ عبد العزيز من معرفتي بتلك الحكاية التاريخية التي تشبه الأساطير، فقال : نعم إنها حكاية صحيحة، لكن دعني أصحح لك المعلومة، فلقد كان أحد أجدادنا الحاج محمود الغالي رضوان (عائلة الغالي) يعيد بناء المنزل، فوجد "قطة"- وليس دجاجة من سبيكة الذهب الخالص، وحولها أولادها، وكانت قطة أثرية. حيث تعود الحكاية -كما بحثت- إلى الإله "بسة" -ويقصد الإله "باستت"،الذي كان على هيئة "قط أسود" يقف بشموخ، ولقد عبده الفراعنة، لأن الفئران في العهد القديم كانت تأكل مخازن الغلال، ومزارع القمح والحنطة، والشعير، وكاد المصريون أن يموتوا جوعاً، فما كان من القطط إلا أن أكلت هذه الجرذان. لذا قدّس الفراعنة القط، وهو المعروف بالطبع بالإله "باستت" . كما قدس سكان سيناء من الفراعنة في سيناء القط، حتى كانوا يقومون بعمل مجسمات لصورة القطط ويضعونها على واجهة بيوتهم الطينية التي يسكنونها. ولقد جاء أحد الغزاة بجيشه، وأراد الاستيلاء على مدينة العريش، عبر خدعة، فقام القائد الحربي برفع صورة القط فوق سيفه، وسيوف جنوده، ظناً منه أنه سيخدع أهل مدينة العريش، ويستميلهم بتلك الحيلة، ليرضخوا ويستسلموا، فما كان من أهالي مدينة العريش إلا قد هاجموه، وجعلوه يفر مع قططه، التي تحملها جيوشه الغازية لسيناء، آنذاك.
ويضيف جبرتي سيناء: لقد أصبح الحاج محمود الغالي بعد عثوره على هذا الكنز، ثم بيعه، من أحد أكبر أغنياء مدينه العريش - آنذاك- ثم ابتنى أول عمارة من الطوب الأسمنتي من عدة طوابق، وأسس فيها أول (لوكاندا) - فندق صغير- في مدينه العريش، وأطلق عليها اسم "لوكاندة المنتزه".
وجاءت التسمية لوجودها بجوار (متنزه مدينة العريش)- حديقة المدينة- ومقرها الآن بجوار مسجد الرفاعي الذي ابتناه المرحوم الحاج توفيق رفاعي الكاشف، والد المرحوم النائب حسام رفاعي الكاشف، وأحد أعمام النائب المهندس الكاشف محمد الكاشف -رحمهم المولى جميعاً- وكانت الشوكاني تقع بجانب ميدان البلدية القديم، وكان المنتزه هذا هو الوحيد في البلدة، بل في سيناء كلها، وكان حوله مقر الحاكم "محافظ البلدة"، ومقر البلدية، ومخفر الشرطة، بالقرب من شارع سوق الخميس، وقلعة العريش الحالية التي تقع ملاصقة للمسجد العباسي التاريخي القديم بجوارها.
انتهت الحكايات، وانفضت الجلسة الثرية، ثم افترقنا، على موعد للقاء ممتد، لتنقية تراث مدينة العريش وإعادة انتاجيته، وعرضه، ليعرف الجيل الحالي كيف كان الأجداد قديماً.
وتظل حكايات المقهى شاهدة على تراث سيناء، فمن المعروف أن مقهى أبو يعقوب الحاج صباح يعقوب الكاشف، وهو أحد ابطال منظمة سيناء العربية، حيث جمع الأصدقاء الأبطال مثل الحاج حجاج الكاشف، والحاج محمد مسلم الكاشف، وغيرهم ،من ضمن المجموعات التي كانت تؤسسها المخابرات المصرية للقيام بعمليات خلف خطوط العدو .
ولعل رواية (ثعلب الصحراء) التي قمت - أنا- بتأليفها- لكنها لم تطبع بعد - تؤرخ لمديرة أبطال منظمة سيناء العربية.
وفي النهاية: كان هذا اللقاء الذي لم يستمر أكثر من ساعة، لقاء ثرياً جمع بعض كبار مثقفي سيناء، في مقهى، يقابل شارعاً من شوارع مدينه العريش التاريخية، ليصبح المقهى ذاكرة حية تربط التراث والحكايات، والماضي بالحاضر، لتدلل إلى عظمة أبناء سيناء على مر العصور والأزمان، عبر الكون، والعالم و المجتمع، والحياة.



|