|
القاهرة 12 مايو 2026 الساعة 02:31 م

كتبت: أميرة عز الدين
حين يُذكر تاريخ المسرح يتجه الوعي مباشرة إلى اليونان، حيث تُقدم التجربة الإغريقية بوصفها البداية المؤسسة للفن المسرحي، غير أن هذه الرواية على شيوعها تتجاهل حقيقة أن المصريين القدماء عرفوا أشكالًا درامية وطقسية سبقت المسرح الإغريقي بقرون طويلة وإن كانت قد اختلفت في الشكل والوظيفة، لكن المسرح الإغريقي كان الأسبق في تحويل الأسطورة إلى مادة للتأويل الفني والفلسفي من خلال بناء درامي مكتمل لا مجرد إعادة تمثيل ديني، وكان هذا في القرن السادس قبل الميلاد تقريبًا وتحديدًا مع احتفالات الإله ديونيسوس في أثينا، مع كتّاب مثل: سوفوكليس ويوربيديس وإسخيلوس؛ الذي يُعد أحد أهم مؤسسي "التراجيديا" الإغريقية للدرجة التي لقبوه معها بـ "أبو التراجيديا”.
تجاوز دور إسخيلوس كتابة النصوص المسرحية المستندة إلى الأساطير؛ ليصل إلى تطوير الشكل الدرامي نفسه، فهو من أضاف الممثل الثاني للعرض؛ مما أبرز الصراع الحي بين الشخصيات، وهو الذي طور دور الكورس ليصبح له دورًا فاعلًا في تشكيل المناخ النفسي والفكري للنص، ولهذا سنقرأ له اليوم مسرحية “بروميثيوس في الأغلال” بوصفها أحد النصوص التي تكشف بوضوح كيف بدأت الأسطورة تتحول إلى بناء درامي مستقل، وكيف صار المسرح قادرًا على طرح سؤال فلسفي وإنساني مفتوح.
تستند المسرحية إلى أسطورة بروميثيوس- أحد الجبابرة (التياتن)- الذي ارتبط اسمه في الأساطير الإغريقية بالحكمة والمعرفة والتنبؤ بالمستقبل، حتى إن اسمه يعني “من يعرف مسبقًا”، وقد ساند بروميثيوس زيوس- كبير الآلهة- في حربه ضد التياتن حتى أوصله إلى العرش، ثم انقلب لاحقًا إلى خصم له بسبب تعاطفه مع البشر حين قرر زيوس حرمانهم من النار، فقرر بروميثيوس سرقتها ومنحها لهم، والنار هنا كانت رمزًا للحضارة والمعرفة والتقدم، ولم يكتفِ بروميثيوس بذلك، بل علم البشر الفنون والصناعات والطب والملاحة ووسائل العيش المختلفة، أي أنه طبقًا للأسطورة صانع الحضارة الإنسانية، لكن زيوس رأى في فعلته تحديًا مباشرًا لسلطته، ولذلك فعاقبه بتقييده فوق صخرة في مكان معزول وتعذيبه بصورة أبدية. كما أرسل للبشر “باندورا” وصندوق الشرور، لتنتشر الآلام والأمراض بين البشر بوصفها عقابًا لهم على ما فعله بروميثيوس لهم.
غير أن إسخيلوس لم يتناول في مسرحيته الأسطورة بكل أحداثها الممتدة عبر أزمنة وأماكن متعددة، بل اختار أن يركز على حدث واحد متوتر ومتصاعد؛ وهو لحظة معاقبة بروميثيوس، لذلك تدور المسرحية كلها تقريبًا فوق قمة جبل مقفر حيث كان مقيدًا؛ لتتحول الحكاية من سرد أسطوري واسع إلى مواجهة درامية بين السلطة والتمرد.
يكشف إسخيلوس منذ البداية طبيعة العالم الذي يحكمه زيوس؛ والقائم على القهر والطاعة المطلقة، فتبدأ المسرحية بمشهد تكبيل بروميثيوس بواسطة هيفايستوس، بأمر من شخصيتي “القوة” و”القدرة”، وهما شخصيتان رمزيتان تنوبان عن زيوس، وبينما يبدو هيفايستوس مترددًا وممزقًا بين شفقتِه على بروميثيوس وطاعته لزيوس نجد "القوة" و"القدرة" لا يناقشان عدالة العقاب بل ينفذان فقط الأوامر.
ومن خلال هذا المشهد تتحدد خطوط الصراع في المسرحية، بين سلطة تريد فرض الخضوع الكامل من جهة؛ وكائن يرفض الاعتراف بشرعية هذه السلطة، ويتصاعد هذا الصراع من خلال الحوارات والمواجهات الكلامية المتتالية، ومع كل شخصية تدخل إلى المشهد لتكشف بعدًا جديدًا من الأزمة، بالإضافة لكون شخصية بروميثيوس نفسها هي المحرك الأساسي للحبكة ولتصاعد التوتر حتى النهاية؛ بعدم استسلامه وكشف السر.
يأتي الكورس المتمثل في بنات أوكيانوس ليبدأ في كشف تفاصيل ما جرى سابقًا؛ وكذلك لتخفيف حدة الموقف، وصحيح أنهن كن متعاطفات مع بروميثيوس ويحاولن مواساته؛ لكنهن في الوقت نفسه كن يحذرنه من تحدي زيوس، على عكس أوكيانوس نفسه الذي يحاول إقناع بروميثيوس بالتراجع والخضوع لكنه يرفض لأن التراجع بالنسبة إليه يعني الاعتراف بشرعية الظلم، وبعدها تدخل شخصية “إيو” التي كانت هي الأخرى ضحية من ضحايا زيوس، وهي دلالة على أن الصراع ليس قائمًا على قضية تخص بروميثيوس وحده، بل هي قضية استبداد السلطة الإلهية نفسها، فإيو لم تُعذب بسبب خطأ ارتكبته، بل بسبب رغبات زيوس نفسه، وهو ما يمنح الصراع بعدًا أخلاقيًا وسياسيًا.
ثم تأتي ذروة الأحداث مع ظهور هيرميس رسول الآلهة ليطالب بروميثيوس بالكشف عن السر الذي يعرفه بشأن مستقبل زيوس وسقوطه المحتمل، فيرفض بروميثيوس الإفصاح عن السر رغم كل التهديدات ويتحول إلى نموذج للبطل التراجيدي المتمرد، وتظل شخصيته تتطور تدريجيًا على مدار المسرحية، من الصمت المتألم تحت وطأة العقاب، للدفاع عن نفسه وتوضيح موقفه، حتى يصل في النهاية إلى مهاجم مباشر لزيوس وسلطته، لقد اختار بروميثيوس أن يتألم دفاعًا عن البشر ولذلك لا يشعر بالندم رغم كل ما يلاقيه بل يشعر بالفخر؛ كما أن معرفته بالسر تجعله يرى زيوس نفسه حاكمًا مؤقتًا لن يستمر طويلًا.
وزيوس لا يظهر فعليًا على المسرح لكن حضوره يسيطر على كل شيء، فهو حاضر في أوامره وفي خوف الشخصيات منه وفي العقاب الذي يتعرض له بروميثيوس وفي التهديد المستمر الذي يمثله، وهو ما ما منح حضوره المستتر رهبة أكبر لدى المتلقي لأنه لا يراه مباشرة بل من خلال آثار سلطته.
أما عن حقيقة الصراع الذي يرسمه إسخيلوس؛ فهو ليس صراعًا بين الخير والشر كالمعتاد بل صراع بين سلطة تخشى الزوال وبين من منحها أسباب الوجود أصلًا، وظهر ذلك في تقديمه لزيوس بوصفه نموذجًا للحاكم المستبد الذي يخشى فقدان السلطة؛ فيلجأ إلى القوة والعنف لتثبيت سيطرته، والمفارقة أن بروميثيوس نفسه- طرف الصراع الآخر- هو من ساعده على الوصول إلى العرش.
كما تعكس المسرحية صراعًا أوسع بين القديم والجديد؛ فالتياتن الذين ينتمي إليهم بروميثيوس يمثلون الجيل القديم الذي أزاحه زيوس والآلهة الجديدة عن السلطة، والمفارقة المهمة هنا كانت في أن الجيل الجديد الذي جاء بوصفه قوة تغيير؛ يتحول هو الآخر إلى سلطة قمعية تمارس الإقصاء والعنف، كذلك يعكس النص صراعًا داخليًا في شخصية هيفايستوس الذي يتمزق بين الطاعة والرحمة؛ وهو ما يضيف للمسرحية بعدًا إنسانيًا مهمًا.
وبالنظر إلى الشخصيات فسنجد أنها انقسمت لثلاث اتجاهات، زيوس ومن هم يأتمرون بسلطته، وبروميثيوس، وأخيرا من يتعاطفون معه دون قوة حقيقية فاعلة فكانوا النقطة السلبية البينية بينهما، فنجد زيوس حاضرًا في تواجد “القوة” و”القدرة” اللتين تتحركان باعتبارهما امتدادًا مباشرًا لإرادته، فلا تفكران ولا تناقشان بل تنفذان فقط، وأما هيفايستوس؛ فيمثل الجانب الإنساني المتردد والمضطر لإيقاع العقاب على بروميثيوس لكنه يشعر بالألم والشفقة تجاه بروميثيوس.
وعن الحوار في هذا النص؛ فنجد أنه كان العنصر الأساسي الذي اعتمد عليه إسخيلوس في كشف الأحداث وبناء الشخصيات والصراع، فالمسرحية قائمة على سلسلة من المواجهات الكلامية التي تنتقد السلطة المستبدة والقمعية، وبالطبع يختلف أسلوب الحوار من شخصية لأخرى، فحديث “القوة” و”القدرة” يتسم بالقسوة والأوامر المباشرة، بينما يبدو هيفايستوس مترددًا ومهمومًا، أما بروميثيوس فيتحدث بلغة مليئة بالكبرياء والثقة والتحدي، ومن خلال حواراته الطويلة نعرف أكثر عن دوره في تعليم البشر كل شيء تقريبًا؛ وكأنه يشير إلى أنه لم يمنحهم النار فقط بل منحهم بداية الحضارة نفسها.
كما يكشف الحوار عن طبيعة الصراع داخل النص، فالقضية ليست مجرد عقاب على سرقة النار بل أصبحت سؤالًا حول العدالة والسلطة والمعرفة، هل يحق للحاكم احتكار المعرفة؟ وهل تُعد المعرفة جريمة حين تمنح البشر القدرة على التحرر من سلطة هذا الحاكم؟ وحينها؛ هل يصبح التمرد ضرورة أخلاقية في مواجهة الاستبداد؟ أي أن المسرحية تحررت من حدود الأسطورة لتصبح نصًا عن الإنسان نفسه والعلاقة الدائمة بين السلطة ومن يرفضون الخضوع لها.
في النهاية، تكشف "بروميثيوس في الأغلال" عن مرحلة مبكرة لكنها شديدة النضج في تاريخ المسرح، حيث أعاد إسخيلوس توظيف الأسطورة ليطرح من خلالها فكره؛ بعد أن حول الحكاية الدينية القديمة إلى تراجيديا إنسانية وفكرية تؤكد أن المسرح منذ بداياته لم يكن مجرد وسيلة للحكي، بل مساحة للتأمل والتفكير في المصير، وربما لهذا بقيت شخصية بروميثيوس حاضرة حتى اليوم، لأنها لم تعد مجرد شخصية أسطورية؛ بل رمزًا دائمًا للإنسان الذي يدفع ثمن المعرفة ويتمسك بحريته حتى في مواجهة الاستبداد.
|