|
القاهرة 12 مايو 2026 الساعة 02:28 م

بقلم: أميرة السمني
للموسيقى قدرة سحرية على السفر بنا عبر الأماكن والأزمان وكأنها آلة زمن.. نغمات قد تعيدك طفلًا وتسافر بك إلى مكان بعيد يقبع في حنايا الذاكرة.
أستمع إلى لحن أغنية فيروز لا أنت حبيبي لزياد رحباني، فيلقي علي تعويذة تعيدني طفلة أجلس في سيارة أبي رحمه الله أشاهد شوارع مدينة الرياض الحبيبة، حيث ولدت وعشت سنوات طفولتي الأولى. لا أعرف لماذا هذا اللحن بالتحديد، ولا تسعفني الذاكرة لتذكر المزيد.
يأخذني الحنين إلى أماكن كثيرة أحببتها واحتفظت بها في قلبي، فأتمنى لو كنت رسامة لأعيد تشكيلها على الورق، لا كما هي في الأصل وإنما بعين طفلة لم تكن تعرف من الحياة إلا بهجتها.
لكل مكان رائحة وروح، لا تستطيع الصور دائمًا نقلها، ولكن اللوحات تستطيع، لذا أحب اللوحات التي تصور الأماكن، وخاصة تلك التي تصور البيوت. كل منها يمنحني شعورًا وانطباعًا مختلفًا، ربما سكينة أو دفء أو ونس أو بهجة، وآمل أن تشاركني شغفي بعد هذه الجولة الفنية.
من بين الفنانين المفضلين لدي والذين برعوا في تصوير البيوت من داخلها، الفنان الدنماركي كارل هولسو، بطلة لوحاته دائمًا سيدة تجلس بمفردها، وتنشغل بعمل تجيده أو تحبه ويؤنس وحدتها، فتارة تقرأ
كما في لوحة "القراءة في ضوء الصباح"، وأخرى تعزف أو تحيك، أو تنتظر في هدوء حبيب غائب.
ولك أن تتخيل ما شئت من أغاني وألحان في خلفية هذه اللوحات. في لوحات أخرى له، كلوحة "مشهد داخلي مشمس" يكون البيت هو البطل الأوحد، حيث يصور ركنا من غرفة بأثاث مرتب ونوافذ مضيئة ولوحات معلقة على الجدران وآلات موسيقية. تشعرني لوحاته بالسكينة والدفء، ربما لاعتماده على ألوان ترابية دافئة، وربما لأنني أحب أشعة الشمس عندما تتسلل إلى اللوحات فتضيئها وتدفئ قلبي.
أما في لوحة "أشعة الشمس في غرفة المعيشة" للفنان الدنماركي فيجو بيدرسن فالبيت لا يحوى شمسًا بل شموسًا، واحدة تطل بأشعتها من النافذة وأخرى في ضحكة الأم ونظرتها الحانية، وثالثة في براءة الطفلة،
فيتجسد في اللوحة معنى الحنان.
ومن الحنان إلى الحنين، تأسرني لوحة "تأملات" أو "الغرفة الزرقاء" للفنان البريطاني ليونارد كامبل تايلور، في غرفة كلاسيكية أنيقة، تجلس فتاة أمام خزانة وتتأمل كنوز ذكرياتها في صمت، دائمًا ما تذكرني هذه اللوحة بقصة قصيرة للكاتب الكبير محمد المخزنجي بعنوان "تمارين المود"، وفيها يحكي بأسلوبه العذب كيف ينقذ الراوي روحه من الغرق في تيه العالم وضجيجه باللجوء إلى ذاكرته واستحضار الماضي ووجوه كل من أحبهم وأحبوه، فيقول ما تحمله الذاكرة حي، أكثر مما يجري في الحياة ذاتها، لأنه مقيم وليس بعابر.
وعلى النقيض من السكينة والهدوء في لوحات هولسو وتايلور وبيدرسن، يحتل الونس المشهد في لوحات الفنان الإيطالي يوجينيو زامبيجي التي تتسم بالبهجة في ألوانها وتفاصيلها الغنية، فهو لا يرسم مشهد من بيت ريفي بسيط فحسب في لوحته "عائلة سعيدة" بل يجعلك تشعر وكأنك واحد من أهل البيت، تشاركهم الحكايات والضحكات، وتردد مع أبطالها مقولة عبدالوهاب مطاوع كل شيء جميل بصحبة من تحب.
وفي لوحة "حكايات المساء" للفنان المكسيكي ألفريدو رودريجيز، يتحول البيت إلى رمز للأمان، نستشعره في سكون الصغار في حضن الأب، وفي الدفء الذي توحي به المدفأة في مقابل برد العالم الخارجي، أما أجمل ما يلفت نظري في اللوحة فهو البيوت الصغيرة التي يبنيها لهم الأب بحكاياته، والتي ستبقى بداخلهم إلى الأبد، وربما سيشتاقون مثلي عندما يكبرون إلى أن يرسموها على الورق.
والآن يا عزيزي جاء دورك لتجيب على سؤالي، لو كنت رسامًا ماذا تحب أن ترسم؟!




|