|
القاهرة 12 مايو 2026 الساعة 12:53 م

بقلم: أمل زيادة
سكان كوكبنا الاعزاء،..
ها نحن نلتقي من جديد. تمر الأيام سريعًا وتتوالى الأحداث بشكل أسرع، ونحن نحاول التماسك والتأقلم مع كل المتغيرات التي تحيط بنا... ها هم يتحدثون عن ظهور وباء جديد، وها نحن نسترجع شبح الخوف وأيام العزل وكورونا.
يبدو أن هناك إصرارا على القضاء على البشرية، يتعجلون الأمر! ألا تكفيهم الحروب وما بها من مآسٍ وحكايات تدمي القلوب؟!
سكان كوكبنا الأعزاء..
في هدوء المكتبات، حيث تفوح رائحة الورق العتيق كالبخور، تقف كتب التاريخ صامدة كالتماثيل. ليست مجرد سرد لأحداث مضت، بل لأنها مرايا ممتدة أمام الأجيال؛ نرى فيها انعكاس صورتنا اليوم، وفيها نكتشف أن البشر، رغم التطور والحداثة ، لم تتغير نوازعهم كثيرًا.
سكان كوكبنا الاعزاء،..
إن قراءة التاريخ ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي ضرورة وجودية لأي أمة تريد أن تعرف أين وقفت، وكيف سقطت، وأين يمكن أن تذهب. التاريخ هو نوستالجيا المستقبل، كما قال السابقون: "من لا يعرف الماضي يسكن مستقبلًا واهيًا ".
من دروس الماضي نتعلم أن القوة التي لا تصحبها حكمة تصير طغيانًا، وأن الرحمة التي لا تصاحبها قوة تصير ضعفًا. لنتأمل مصر القديمة، حين أرسلت حملات عسكرية إلى بلاد بونت لم تكن مجرد حملات عسكرية، بل كانت رسالة حضارة "نحن هنا لنحمي، نبني، نتاجر، ونعلم".
الحضارة المصرية عرفت متى أن تمد يدها بالخير ومتى تسحبها استعدادًا للدفاع. وفي العصر الحديث، بقيت هذه القاعدة: التواجد خارج الحدود ليس دائمًا غزوًا أو احتلالًا، بل قد يكون امتدادًا للأمن القومي، أو استجابة لنداء إخوة، أو مساهمة في سلام عالمي.
والحديث اليوم عن وجود قوات مصرية في بلاد أخرى، تحت أي مسمى كان، سواء قوات حفظ سلام، أو بعثات تدريب، أو مهام إنسانية وعسكرية ، يذكرنا بقاعدة ذهبية من تراثنا،"مصر لا تخرج من حدودها إلا لحكمة". فكما كان الجنود المصريون في الكونغو ضمن الأمم المتحدة، أو الخبراء العسكريون في دول الخليج وأفريقيا، فإن هذه الخطوات تُقرأ في سياقها التاريخي، مصر دائمًا عمقًا استراتيجيًا للمنطقة، لا ترسل أبناءها إلى المجهول، بل ترسلهم حين يكون الأمن القومي مترابطًا مع أمن جيرانها، وحين تكون العبرة من تاريخها الطويل أن "الدفاع عن الحدود يبدأ من خارجها أحيانًا."..
ولكن، كما تحذرنا كتب التاريخ دومًا، الوجود خارج الوطن يحتاج إلى ثلاث ركائز أولها الشرعية (أخلاقيًا وقانونيًا)، وثانيها الوضوح (للقوات المصرية وللشعب المصري والشعوب الأخرى)، وثالثها الانضباط. فالمجد لا يأتي من الاحتلال بل من العون، والكرامة لا تُصنع بالقوة وحدها بل بالقوة المسؤولة. أبناء مصر الذين يخدمون في بعثات خارجية يحملون معهم قيمًا تعلموها من نيلهم: الصبر، العدل، والتواضع في النصر.
في النهاية، أيها القارئ الثقافي، حين تمسك كتاب تاريخ، لا تقرأه كخبر قديم، بل كمرآة متحركة. واسأل نفسك، هل نستفيد من دروس الفراعنة الذين بنوا إمبراطوريات بالتحالفات لا بالغزوات فقط؟ هل نتعلم من محمد علي الذي أرسل جيوشه لحماية الجزيرة العربية، لكنه عرف متى يعيدها؟ الحكمة ليست في السؤال "لماذا نرسل قوات؟" فقط، بل في السؤال الحقيقي"هل نرسلها برؤية صحيحة مستفيدين من كل أخطاء الماضي؟". ومصر الحضارة التي تعلمت من ستة آلاف عام.
قد أثبتت مرارًا أن دروس التاريخ ليست مجرد حكايات تُروى، بل دماء تجري في شرايين قراراتها. لذا أطالب ذوي الشأن باتخاذ الحيطة وتوخي الحذر فاليوم ليس كالأمس. اليوم أنت بمفردك تماما وأمامك تحديدات داخلية وخارجية أولى بالاهتمام، نحن في أمسّ الحاجة للاتحاد ونبذ الفرقة. لكن اتخاذ قرارات مفاجئة، بشكل يوحي بأنه تم تخطي ذوي الشأن، مؤشر خطر.
سكان كوكبنا الاعزاء،..
علينا بتوحيد الصف وتوحيد الكلمة كما قالها سعد الله ونوس في مسرحيته "الفيل يا ملك الزمان"..
لذا وجب التنويه، ودمتم سالمين.
|