|
القاهرة 08 مايو 2026 الساعة 03:21 م

تحقيق وإعداد: مصطفى علي عمار
لم يكن سيد مصطفى نوبي، الشهير بسيد العديسي، مجرد شاعر عامية عابر في مشهد الصعيد. كان مشروعًا كاملًا للبوح. كان يهدل كيمامة. لا يصرخ، لا يزعق، لا يستعرض. يجلس على غصن الجنوب ويقول الحب همسًا. يقوله "كيف حالك" فيتحول السؤال العادي إلى اعتراف كامل.
وُلد العديسي في 1 يونيو 1973 في للإسكندرية ، وانتقل مع أسرته إلى الأقصر وعمره ثمان سنوات، واستقرت الأسرة في قرية "العديسات" بحاجر العديسات بحري، مركز الطود، محافظة الأقصر. هناك، بين النيل والصمت الصعيدي الثقيل، تشكل صوته. لم يكن صوتًا يشبه أحدًا. كان يكتب ما لا يُقال. يكتب المسكوت عنه دون أن يجرحه. يعرّي الجرح دون أن يصرخ. يحوّل العبارة اليومية إلى جرح مفتوح.
بدأ من "قبل النجع" عام 2004 عن هيئة قصور الثقافة. ثم صمت تسع سنوات وعاد بـ"ابتسامة نذل يموت" 2013. بعدها انفجر: "يقف احترامًا لامرأة تمر" 2015، ثم "أموت ليظل اسمها سرًا" 2016، وفي العام نفسه خرج ديوانه الأشهر "كيف حالك جدًا" عن دار دون. ديوان حوّل عبارة يومية إلى أيقونة شعرية، ولخص فيه مأزق الصعيدي كله:
«كأي صعيدي لا أستطيع قول أحبك.. وكلما قررت القفز على التقاليد لأقولها، خرجت: كيف حالك؟ فاعذريني لأنني كيف حالك جدًا»
واصل الكتابة. "كقاطع طريق" 2020، ثم "صباح الخير تقريبًا" 2023. وفي 2025 دخل عالم الرواية بـ"طواحين الهوى" عن دار تشكيل، وشارك بها في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته 56. كان يعمل حتى اللحظة الأخيرة. مات وله تحت الطبع ديوان "يشير بيده لمشيعيه"، ورواية "نصف العمى"، وكتاب "المسكوت عنه في صعيد مصر".
لم يكن العديسي شاعرًا فقط. كان صحفيًا يعرف قيمة الكلمة. شغل منصب نائب رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون، وكان عضوًا بنقابة الصحفيين. أجرى حوارات مهمة مع رموز الثقافة المصرية، آخرها مع الروائي إبراهيم عبد المجيد في جريدة الوطن.
شعره كان بسيطًا كالماء وعميقًا كالبئر. يأخذ تفاصيل الصعيد: الجرة، النجع، عيون الفلاحين، ويحولها إلى دهشة. يكتب الحب الذي لا يجد اسمه، والنقد السياسي الذي يتسلل بين صور الصنابير والنجوع. اليمامة لا تصرخ. تهدل. وسيد كان يمامة الشعر الصعيدي. يعرف متى يصمت، ومتى يكون الصمت أعلى من الكلام.
في فجر الأحد 3 مايو 2026، توقف قلب ابن حاجر العديسات بالأقصر. رحل إثر أزمة قلبية في الساعات الأولى من الصباح عن عمر 53 عامًا. رحل فجأة كأنه سطر في إحدى قصائده التي لا تكتمل إلا بالدهشة. رحل وترك خلفه سبعة دواوين ورواية، وثلاثة كتب تحت الطبع، وسؤالًا كبيرًا: ماذا يبقى من الشاعر حين يغيب؟
يبقى الصوت. وتبقى التجربة. وتبقى الحكايات..
قبل رحيله بأيام نشر قصيدة "نحن أبناء الفلاحين" وكأنه يودع:
«نحن أبناء الفلاحين، نمشي بعيون سوداء، من كثرة ما نظرنا إلى الأرض، لو أننا نظرنا إلى السماء فقط بضع دقائق لصارت عيوننا زرقاء، ولمات العالم من الجوع»
وشيع الجثمان من مسقط رأسه بحاجر العديسات بعد وصوله من القاهرة، في جنازة مهيبة خرجت لها القرية عن بكرة أبيها، ومعها القرى المجاورة، ومثقفو وشعراء الأقصر، ولفيف من محبيه وأصدقائه الصحفيين. دُفن بمقابر عائلته في الأقصر.
المفارقة أن عنوان ديوانه الرابع كان "أموت ليظل اسمها سرًا". ومات فعلاً ليظل اسمه هو السر. سر موهبة نضجت بسرعة ورحلت بسرعة. سر صعيدي عرف كيف يقول كل شيء دون أن يقول "أحبك" صراحة.
هذا الملف محاولة منا في مجلة مصر المحروسة للإجابة عن سؤال: ماذا يبقى من الشاعر؟ محاولة لفهم "الظاهرة العديسي" من زواياها الثلاث: الشعر، والتجربة، والإنسان، وهذا الملف ما هو إلا محاولة لأن ننظر إلى السماء قليلًا. إلى سمائه هو.
قصيدة سيد التي نشرها قبل وفاته على صفحته فيس بوك
نحن أبناء الفلاحين
نمشي بعيون سوداء
من كثرة ما نظرنا إلى الأرض
لو أننا نظرنا إلى السماء
-فقط بضع دقائق-
لصارت عيوننا زرقاء
ولمات العالم من الجوع.
...
أنا مزارع فاشل
ودائما ما أنسى شيئًا يتسبب في كارثة
مثلاً
لم أحول مجرى المياه
في الوقت المناسب
فأغرقت محصول القمح
أشعلت النار لأخيف الفئران
فكادت تلتهم ما زرع الجيران
وكثيرًا ما ينبهني الصبية
لألتقط فأسي من الطريق
هل سمع أحد عن فلاح ينسى أين وضع بقراته؟
يا حبيبتي أنا مزارع فاشل
وسيئ الحظ
لكن صدقيني..
كان باستطاعتي أن أكون ماهرا
لو لم يخلق الله بيتكم بجوار الحقل.
...
اعترف لك..
أنا طيب جدا
لدرجة أن القطة دائما ما تشرب اللبن
فأبيت بدون عشاء
وحين أنام لا أجفل،
كي لا تنزعج الوطاويط
هل تصدقينني لو قلت أنني أضع بيضتين
-كل ليلة-
أمام جحر ثعبان عجوز؟
ذات مرة علقت يد لص في جيب الصديري..
طفت النجوع المجاورة حتى وجدته،
فرددت له يده
ومعها حافظة نقودي.
لا أكذب عليك..
أنا وديع
للدرجة التي تغري الذئاب بالاختباء في حظيرة بهائمي.
ومن أبيات سيد الشعرية:
كأي صعيدي،
لا أستطيع قول "أحبك"
وكلما قررت القفز على التقاليد لأقولها
خرجت: كيف حالك؟
فاعذريني لأنني "كيف حالك جدا".
...

وفي الحديث عنه في هذا الملف ابتدر الشاعر عبد الستار سليم بشهادته يقول:
تدور الأيام ويرحل ابن الأقصر (سيد العديسى "أحمس" الثالث والأربعون)
يتساءل متحسرًا: يا للألم . يا للفجيعة . يا للوجع ..!
ويضيف: وتسقط ورقة أخرى من أوراق شجرة أبناء الصعيد المبدع، قبل أن ألتقيه .. السيّد العديسى .. الأديب الشاعر، الذى كان لا يستطيع أن يقول كلمة "أحبك"، وكلما حاول أن يقفز فوق العادات و التقاليد، لكى يقولها، خرجت فى صورة (كيف حالك ؟)، ويطلب الاعتذار
ويعرف به: السيّد العديسى الصحفي المصري، ونائب رئيس تحرير "مجلة الإذاعة والتليفزيون" القاهرية، وأحد أفراد كتيبة الشباب من حاملي لواء الأفكار والنهضة الشبابية الجديدة
ويذكر: ولد هذا الفنان في احدى قرى الجنوب النائى، الموغل في الجنوبية، والذى آثر أن يكون احتفاله بعيد ميلاده الثالث والأربعين، فى مكان أفضل، وبين حضور أفضل من حضورنا (فهو الآن في صحبة الملائكة الأطهار، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون)، السيد العديسى المولود في أول يونيو من عام 1973م، في هذه الجغرافيا التي تجمع النيل والتاريخ والصمت الصعيدي الرهيب، وهو الذى كان يخشى الوقوع في الحب، كما تخشى القطط السقوط في الماء، ويقول "أنا لست على ما يرام .!!" في "قرية العديسات" بمحافظة الأقصر -إحدى قرى "الصعيد الجوّانى" - كما نسمّيه.
يوضح: نحن أبناء هذا الصعيد الذى يبعد عن "القاهرة العاصمة" - صاحبة الاسم المبهر "مصر المحروسة"، كان يُقال لمن يشدّ الرحال إليها، إنه "مِبَحّر" علما بأنه - حسب جغرافية الإدريسي - هو متجه نحو الشمال وليس نحو البحري تلك الكلمة التي ورثناها عن الملك مينا موحّد القطرين البحري والقبلي - لكن هكذا كنا نقول - (وبعضنا ما زال يقولها إلى الآن)، وعمل سيد العديسى صحفيا فى مجلة الإذاعة والتليفزيون مع كتيبة الشباب الناهض، (وبقيادة خالد حنفي أحد أفراد الكتيبة)
ويعدد: سيد العديسى له عدة دواوين شعرية، أشهرها (كيف حالك جدا)، الصادر عام 2016 م، ونشرت كتاباته في عدد من الصحف والمجلات، وهو القائل "أموت ليظل اسمها سرًّا"، وهو الذى كان وقف احتراما لامرأة تمر ..!
ويصف المشهد: لحظات حزينة في الأقصر، أثناء تشييع جثمانه.. منذ أيام قلائل
ويروي: خرجت كل البلد
في وداع ابنها سيد العديسى الوداع الأخير
ويختتم شهادته:
أنا، لم أكن التقيته منذ مجيئه إلى "مصر المحروسة"، وشاء القدر أن نتواصل - هو الذى تفضل عليّ وبحث عنى، وعن رقم هاتفى، وتواصلنا، وتفضل عليّ مرة أخرى وقام معى - بما رآه هو واجبا بأريحيّته الصعيدية الفذة -بعمل حوار أدبى رائع، نشرته جريدة"وطن" على صدر صفحة كاملة …!
ويختم: وهكذا، صمم أن يطوّق عنقى بأقصى درجات التقارب والحميمية، جعله الله فى ميزان حسناته …
ويودع: فإلى اللقاء، ومع السلامة يا مبدع، يا شاعر، يا صحفي، يا سيد العديسي

ومن مكان عمله بمجلة الإذاعة والتليفزيون تأتي رسالة من صديقه وزميل عمله بالمجلة الشاعر د. فارس خضر يقول فيها:
رسالة موجزة إلى سيد العديسي
يتساءل فارس: ثلاثة وخمسون عاما كاملة يا سيد، كيف؟! . كأنك كبرت فجأة، حين رحلت هكذا، في غفلة من محبتنا. أما كانت نبرة صوتك الخفيضة، وعيناك الزائغتان، وملامحك المتعبة.. كافية لأن تجعلني أدرك عمرك الحقيقي.. وهل لمثلك – ولمثلنا أيضاـ أعمار حقيقية؟. فكل خطوة تنزف على طرق شائكة، وكل لحظة مكابدة، وكل فرحة مخطوفة، كأنها سرقة مختلسة من قسوة الحياة.. ألوم نفسي وأعنِّفها، حين أذكر نصائحي لك، وكأنني كنت أمسك في يدي سيناريو حياتك، فأرى ابنتيك وقد صارتا في طول قامتك، رقصة قلبك، وشعور الرضا بعد أن تصالحك الدنيا..
يضيف معاتبًا: ألوم نفسي لأنني أعرفُ الآن أن أحدا منا لا يملك سيناريو حياته ولا حيوات الآخرين، وما كان علىَّ أن أكبح جموحك، ومحاولاتك الدائمة لانتزاع السعادة، حتى ولو اخترعتها اختراعا من عدم.
يستطرد: كان الشعر أحد مباهجك الكبيرة، ولا أظنك كتبت قصائدك لكي يشار إليك في كتب النقاد، أو في قاعات الدرس أو غيرها. كنت تبتهج بالعابرين في العالم الافتراضي، فتحصي أعدادهم، وترد بمحبة على تعليقاتهم المادحة، وهم يمنحونك جرعات من الإعجاب والتشجيع والود غير المشروط.. وكنتُ أفرح لفرحك الطفولي، ولا أناديك إلا بـ "يا نجم النجوم".....
ويتنهد قائلًا: يا لهشاشة الفرح...
يا لطموحاتنا الصغيرة.. ونفوسنا الراضية بالقليل...!!
يتابع: ولا أذكر أننا تكلمنا يوما عن الشعر، وفهمنا لطبيعته، واختلافنا حوله، وكنتُ أراك تكتب ما تحب بطريقتك الخاصة والبسيطة، وتحقق نجاحات وذيوعا، يشبعك ويدعوك للمواصلة، وكنت أقول لنفسي: يكفي هذا ويزيد: أن تختار لنفسك طريقا يخصك، دون أن تشتبك خطواتك مع خطوات الآخرين.. وهل للشعر طريق واحد ينبغي أن يقطعه الشعراء مرغمين؟.. كنتَ كما أحببت أن تكون، ويكفيك من حصيلة الشعر، هذه المحبة التي فاضت بها قلوب أحبابك.
ويكمل: وأنا أفتح عيني على حروف اسمك، وأدقق النظر في كلمة "مات".. تذكرتُ ابنتيك، ضممت رأسي بكفيَّ، وقلت: وإيهاب.. إيهاب.. قلت لك ممازحا في طرقات نقابة الصحفيين: يا فقرى.. فقري من يومك.. إيهاب أخوك يدخل قرعة على شقة، ومعاه مائة نفر، ويفوز.. وأنت تدخل قرعة مع تلات أنفار، وتخسر.. ضحكنا، ثم قلت لي: لا .. إحنا واحد مش اثنين، لو عايز الشقة دلوقت إيهاب يديهاللي .. ارتعشت ملامحي واحتبس صوتي، وكأنك نكأت جرحي الخاص.. وقلت لك: ربنا يبارك فيكم ويخليكوا لبعض.
يتساءل بحرقة: لماذا يدفنني الحزن، هكذا، على رحيلك المبكر يا سيد.. وهل يحق لأبناء الشقاء أن يعمروا أصلا، لقد خُلقنا بأعمار مقصوفة، وما استمرارنا في الحياة إلا استثناء للقاعدة.. ولا أظنك كنت مشغولا بخلود زائف.. وأي خلود يرتجى ؟ ونحن مستهلكون في تفاصيل الغابة البشرية.. ندخل للحياة، ثم نخرج منها، تماما كالذي يخرج من حلبة المصارعة..
ويسأل روحه: هل ستفرح روحك هناك، لو جمعنا قصائدك بالعامية المصرية؟ أعرف أنك تركتها رغما عنك، ورغم تميزك وتفردك في كتابتها، ربما لضيقك من محدودية انتشارها.. وهل ستفرح لو احتفينا براويتك، وأعدنا طباعة دواوينك بالفصحى؟ هل ستسامحنا لأننا على قيد الحياة، بينما تعبر أنت إلى هناك، دون تلويحة وداع؟
ويختم متأسيًا: ماذا كان بوسع ورقة الشجر أن تفعل يا سيد، وهي واقفة في مهب الريح.. سوى أن ترحل؟.. وقد فعلتها؛ فعلتها بإتقان يكسر القلب.

أما الشاعر عمارة إبراهيم ينتقل بنا إلى تجربة العديسي الشعرية متحدثا عن مجازية السرد في بنية الاحتشاد الإنساني عند العديسي، ويقول:
بسبب عدم مشاركتي الأوساط الثقافية الرسمية على منابرها المتعددة، لم ألتق ب سيد العديسي، ومن ثم فلم نكن أصدقاء، غير أنني أتابع بدقة معظم نصوصه الشعرية التي تنشر على حوائط صفحات النشر الإليكتروني، أو على حائط صفحته الرسمية.
ومن واقع هذه المتابعة التي فرضتها عليً تجربته الشعرية، بعد الاطلاع على بعضها، وبحكم جودة قصائده وعمق مبناها في بساطة ألفاظها واختيار اليومي فيها والخاص من أحوالها، وترسيم معالم وتقنية عمله الشعري في صيغتها الحداثية، مستخدما تقنية السردية الشعرية ذات المشاهد التي ترصدها الذات الشاعرة وفق مرسوم بنية الأحوال، حيث تتداخل فيها ثقافة بيئته، تعزها موروثات الثقافة الريفية التي كان لها الأثر الفاعل في جودة قصيدته.
ما اطلعت عليه يؤكد أن الشاعر يؤمن بقوة، أن الشعر العربي بدأ يرتب عمله الشعري من خلال الشعراء الموهوبين الذين تتميز كتاباتهم بالتجديد الذي لا يخل بموروثات وثقافات البيئة التي يعيشون ثقافتها، يضيفون عليها تجديدا يتناسب مع التطور الذي طرأ على مجتمعاتنا العربية، وكان لل عديسي أن يضيف إلى بنية شعريتها، وهي تعبر عن أنساق قناعات ذائقته الشعرية التي وجهها في بنيتها الشاعرة التي تمثله مع قليلين من أبناء جيله الموهوبين.
تتميز تجربة العديسي ببساطة اللغة، حيث أنه يستخدم الألفاظ المناسبة ليومياته الشعرية عبر تقنية المجاز الحديث في بنيته الساردة لتغطية تتفوق على التشكيلات الشعرية الأخرى،.
تمثل أحواله التي تديرها حركية أفعالها، وفق مشحون الدفقة الشعرية، ممهورة بالصور الشعرية التي تعتمد على بساطة المجاز بعمل تقنية السرد الشعري، في تجانس يرتب للبنية الإيقاعية وهي تعتمد على نا أنتجته لها حركية الأفعال عبر الدفقة التي ميز ولادتها باختياراته المناسبة من الألفاظ التي رتبتها لها ثقافة المنشأ الريفي المتخقق من طبيعة أجواء وطقوس هذه المجتمعات الريفية، وتفاعلت مع هذه البنية الشعرية اللافتة.
يكتب العديسي قصيدته، وفق معطيات قناعاته، بأن القصيدة الجديدة عليها أن لا تكرر المجاز البلاغي القديم، وعليها أن تفتكر مجازا بلاغيا يتناسب مع راهن التطور المجتمعي عبر الأصعدة وقبول مجتمعاتنا بها؛ فأعاد للومضة الشعرية بريقا آخر لها يتجانس مع ضروراتها ومكونات عملها لإنتاج الجمالي البسيط فيها.
ويستطرد: ورغم أن قصيدة الومضة المصرية قد انتشرت على استحياء في العقد الثمانيني من الألفية الماضية، وهي تتميز بتكثيف وعمق قوي يحتويه عدة كلمات قليلة، لكنها تمتلك فضاءات واسعة في إنتاج تعددية أوسع في المعنى، رغم بنيتها شديدة التكثيف، غير أن استخدامها عند سيد العديسي يمثل تحولا آخر في بنيتها، لأن الومضة الشعرية التي كتبناها وأنا شخصيا كان لي فيها مسارات مهمة في سياق إنتاجها وقمت بتسجيل الكثير منها في ديواني الأول "الصعود إلي الرحلة القادمة" صدر عن النشر الإقليمي بهيئة قصور الثقافة عام 19.
ويوضح: وكانت تحتوي الومضة السابقة على عوالم متعددة تبرزها قماشة واحدة.
ويفسر: بمعني أن الومضة التي نعرفها، كانت تمثل اكتمالا للحال الشعري في بنية تشكيلها، من حيث دفقة النفس في الجملة أو السطر عبر مشحونها الوجداني، الذي تديره حركية الفعل في بنية الأحوال، كما أنها كانت تبني إيقاعاتها من سياق تفعيلة البحر الشعري الواحد.
ويقارن: أما هنا عند الشاعر فهي ومضة شعرية ترسم اكتمال عوالمها الشعرية داخل النسق العام، لكن تخرج من بنيتها الحالية دواخل آخرى لعوالم أخرى، لكنها تتمم أحوال الومضة الأولى عبر إنتاج المعنى الذي تربطه استكمال بنية أحواله من إتمام وحدته الموضوعية.
ويتابع: وهكذا يتمم عمل ومضاته على هذه النمطية في الومضة التي تليها، ثم الأخرى، وحتى تنتهي الشحنة الكلية في مجمل الومضات التي رسمها الشاعر وكأنها تمثل نصا واحدا رغم تقسيمها إلى عدة ومضات من خلال مسار عمل الوحدة الجامعة لأحوال النص.
ويخلص: ورغم هذه البنية التي تتمم النص الشعري، تبرز عوالمها عبر تعددية الومضات المتممة للبنية الحالية، يتحقق فيها المجاز الشعري الذي تبرز حداثته، لتغطية تعددية الحارات المتحدة في سياقات المعنى المتعدد باتساع رقعة الأحوال التي تخرج من سياقات متفرعة، لكنها ذات بنية أحوال تمثل دفقة شعرية كبيرة، لكنها من بنية بيئة واحدة، تجمعها البنية الإيقاعية الحرة وفق معطيات حركية الأفعال عبر أنساقها الفنية الجامعة.
ويختم تقييمه: إن قصيدته وقد حققت أرضيتها الفنية بما لا يخل بشعرية بيئتها وثقافة ولغة منشأها، لكن بالتحر من صيغة النسخ والتكرار، وكان عليها أن تغزو مطارح فتنة موهبته التي قلما تجدها عند غالبية من يتواجدون على هذه المنصات.

يضيف شاعر أسوان الشاعر حسني الإتلاتي ويحدثنا عن: صورة المرأة في شعر العديسي، يقول:
المنظومة القيمية عند الشاعر سيد العديسي تقوم على الشيء وضده العنف والطيبة القتل والعفو التسامح والانتقام الوطن والغربة الحضور والغياب إلا الحب لم نجد الكره أبدا في قصائده
ويوضح: فالغربة عنده غياب المحبوبة والوطن يصبح غريبا بدونها
ويستشهد بقوله:
البلاد التي تغادرينها
يقتلها الحنين
كأنها
هي الغريبة
وكأنك
أنت الوطن.
ويضيف: الحب عنده مرتبط بالرجولة والعطاء لا الأنانية والأخذ
ويورد من شعره:
منذ أحببتها
وأنا أفكر
كيف أريحها من عناء حمل الجرة
يا رب
امنحني القوة
كي أحول مجرى النهر
ليمر بحجرتها.
ويتابع شارحًا: والمحبوبة تكاد تكون ساحرة أقرب إلى الأسطورة تبعث الحياة في الحجر وتنفخ الشباب في الشيوخ والعاجزين
ويقتبس:
حتى الشيخ الطاعن في السن
تسابق مع الصبية
كي يعيد لك دجاجتك الهاربة
ويصف الشاعر: والشاعر في كل ما يكتبه خفيف الروح خفيف الظل ابن نكتة ككل مصري أصيل
ويستدل بقوله:
لم كلما رأتني أمك
تتذكر إرسال أجولة القمح للطاحون؟
يا طيبة..
لم أكسب من غرامك
سوى انحناء الظهر.
يعلق الإتلاتي: يلتقط الشاعر مفردات البيئة الجنوبية بكل رقة فتتكون لدينا صورة ذهنية مشرقة عن الصعيد فالصعيدي ليس كما تصوره لنا الدراما كأنه بغير قلب ومستحيل يقع في الحب
ويستشهد بقصيدته:
نحن أبناء القرى
نخشى الوقوع في الحب
كما تخشى القطط السقوط في الماء
ولكن إذا أحببنا
فإننا نبذل كل ما في وسعنا
كي نغرق.
ويؤكد: والشاعر الحقيقي تفضحه قصيدته فنتعرفه من قصائده لا من حديثه فالشاعر سيد العديسي لأنه مصري أصيل ستجد تفاعله مع موروثه الشعبي من أمثال شعبية القطة تاكل عشاه
ويورد قوله:
اعترف لك..
أنا طيب جدا
لدرجة أن القطة دائما ما تشرب اللبن
فأبيت بدون عشاء
ويضيف: والتسامح قيمة عظيمة تظهر بوضوح وكأنه صوفي عريق متسامح مع كل الموجودات ولا يرى في أي مخلوقات الله سوء أو شرا أو قبحا
ويقتبس:
وحين أنام لا أجفل،
كي لا تنزعج الوطاويط
هل تصدقينني لو قلت أنني أضع بيضتين
- كل ليلة -
أمام جحر ثعبان عجوز؟
ويذكر: وورد في الأثر عن أحد الصالحين أنه جرى وراء اللص ليخبره أنه مسامحه فيما سرق
ويستشهد بشعره:
ذات مرة
علقت يد لص في جيب الصديري..
طفت النجوع المجاورة حتى وجدته،
فرددت له يده ومعها حافظة نقودي.
لا أكذب عليك..
ويعلق: وهو قارئ وهاضم لتراثه الديني ففي الأثر أن الذئب كان يحرس الغنم في عهد عمر بن عبدالعزيز
ويورد قوله:
أنا وديع للدرجة التي تغري الذئاب
بالاختباء في حظيرة بهائمي
ويبين: وحضور المحبوبة حضور كل شيء جميل حتى الصباح الجميل لا يكون صباح إلا عند صحوها
ويستشهد:
صدقيني
ليست هناك جدوى
من كل هذه الصباحات
حين تكونين نائمة.
ويضيف: والرجل الصعيدي لا يضعف إلا أمام امرأتين المحبوبة والأم
ويقتبس:
حتى أمي لم تمنحني الفرصة أبدا
كي أبدو مهذبا
كلما صحوت مبكرا
لتقبيل يدها
خبأتها في "العجين".
ويوضح: والأم صورتها في أشعره صورة المرأة المصرية المعطاءة والكريمة السخية العطوف الحنون على أطفالها
...
ويستشهد:
أمي سيدة طيبة
كانت تحملني على كتفها
كي لا تتآكل قدماي
ويتابع: والأم هي خزانة الصبر لا تنسى الغائبين وتنفق العمر في انتظارهم
ويورد:
أُمِّي نفْسها لا تغادر البيت
أَمَلًا في عودة الغائبين.
ويضيف: والأم حين تكبر تنسى كل شيء إلا إكرام أولادها
ويقتبس:
أُمِّي التي كبرتْ
تُدركُ كيف تُحاصِرُ الشيب بالحنَّاء
لكنها تنسى مَثَلًا
أنها ذبحتْ لنا بطَّتَها
ويختم مترحمًا: رحم الله الشاعر سيد العديسي ترك دواوين نستحق الاحتفاء به

ويتعجب الشاعر والروائي أحمد فخري الأسواني من أنه بحث عنه بعد الرحيل فيقول:
صباح الخير متأخرًا يا سيد العديسي
لم يكن الشاعر الراحل ابن الأقصر "سيد العديسي" صديقًا لي، ولا أعرف كيف لم أعرفه ولم أنتبه له، إلا حين خطفه الموت، فشعرت أن شيئًا كبيرًا ينقصني، ألمًا خفيًا في صدري لم أفهم معناه أو مخزاه، ربما لأنني اعتدت أن أبحث عن شعراء العامية أكثر من شعراء الفصحى، أو القصيدة النثرية كما يقولون، ولكنني حين بدأت بعد فوات الأوان في قراءة ما كتب، فهمت سبب هذا الألم، وهذا الشعور الذي لم أستطع تحديد كنهه أو تفسيرًا له، لقد كان سيد العديسي شاعرًا عابرًا لأي تصنيف، فهو يكتب بلغة فصحى ومفردات عامية، وموسيقى خاصة لم يصل إليها الخليل، لقد استطاع أن يحقق المعادلة الصعبة، أن يكتب بمفردات غارقة في العامية، على ألسنة الناس في كل مكان، وخاصة في الصعيد، كالجرة والبقرة والصديري، والقطة والحجر، مفرداته ليست غريبة عن ألسنتنا، ولكنه يكتب بالفصحى، وكأنه يخلق لغة جديدة، أو يقوم بتفصيح ما عمّمه الناس، حتى إن الموسيقى التي تحملها قصائده موسيقى شعرية خاصة جدًا، تشعر بكلماته تتراقص داخلك، موزونة بميزان الصدق والإخلاص والحب.
يتابع مكتشفًا: لقد اكتشفت بعد فوات الأوان أن سيد العديسي هو الشاعر الذي كان يجب أن أعرفه قبل أن يرحل، أن أتابع وأقرأ كل ما يكتب، ولكن من المسؤول عن هذا؟ إذا كانت كلماته تعبر عن الرجل الجنوبي العادي، البسيط، المزارع، والعاشق المغامر، قاطع الطريق، فمن المسؤول عن ألا يكون لسيد العديسي شهرة كبيرة خارج الأوساط الأدبية وخارج دائرة معارفه؟ كيف يكون سيد العديسي من الأقصر، وهو الصحفي الذي لم يهتم بنشر أعماله في الجرائد والمجلات المختلفة، أو بفرض نفسه عنوة على الوسط، ولكن هذا لا يتناسب أبدًا مع شخصية العديسي، الرجل الطيب الصادق في شعره، الذي يكتب كأنه يتنفس ويعترف لنفسه، الشعر عند العديسي لم يكن من باب الرفاهية، بل هو احتراق داخلي، فكر ورؤية تظهر واضحة في كل سطر يكتبه، لا يكتب من باب "أنا أكتب إذًا أنا موجود"، بل ربما كان يعرف أنه سيرحل ولن يبقى منه سوى الكلمة والقصيدة، يضع في كل مقطع جزءًا من روحه ومن شخصيته، كيف لم أعرفه وأنا من أسوان وهو من الأقصر؟ حتى إنه عاش لفترة في أسوان، وكان من أعمدة نادي أدب أسوان في التسعينيات كما عرفت، ربما هو تقصير مني أنا، كان يجب أن أبحث عنه، أن أنتبه لوجوده قبل الرحيل، أن أقرأ ما يكتب، كان صديقًا لي على فيسبوك، ولكنني لم أتابعه من قبل، فهل أنا وحدي المقصر في هذا، أم أن هناك تقصيرًا عامًا، وتجاهلًا مقصودًا من أجل ألا يطغى العديسي على الجميع؟ ربما لا أعرف!
يضيف: لقد أصدر سيد العديسي، كما عرفت بعد فوات الأوان، عددًا من الدواوين، منها "قبل النجع" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 2004، و"ابتسامة نذل يموت" عن دار وعد 2013، و"يقف احترامًا لامرأة تمر" عن دار الأدهم 2015، و"أموت ليظل اسمها سرًا" عن دار إبداع 2016، و"كيف حالك جدًا" عن دار دون، و"كقاطع طريق" عن دار دريم بن 2020، و"صباح الخير تقريبًا" عن دار تشكيل 2023، إضافة إلى رواية "طواحين الهوى" الصادرة عن دار تشكيل عام 2025.
يتساءل: فأين كل هذه الدواوين الشعرية؟ كيف يمكن للمحب للشعر أن يحصل عليها؟ يظل السؤال معلقًا بلا إجابة.
يشرح: وإن نظرنا إلى أسماء الأعمال فقط، نستطيع أن نعرف من هو الشاعر سيد العديسي، فهو ابن النجع الذي حمله إلى الورق، الرجل الصعيدي المفتخر بأصله وبنجعه، هو الذي يعترض على أن يبتسم النذل وهو يموت، هو الذي يقف احترامًا لامرأة تمر، هو الذي يفضل الموت على أن يكشف اسم محبوبته، هو الذي يخاف أن ينطق "أحبك" فتخرج "كيف حالك جدًا"، هو الذي يعشق كقاطع طريق، إن أسماء الدواوين وحدها تكشف شخصية الشاعر، فنحن أمام تجربة شعرية مختلفة تمامًا، ومميزة لا تشبه إلا نفسها، وإن نظرنا إلى بعض مقتطفات من شعره نقرأ مثلًا:
اعترف لك..
أنا طيب جدًا
لدرجة أن القطة دائمًا ما تشرب اللبن
فأبيت بدون عشاء
وحين أنام لا أجفل،
كي لا تنزعج الوطاويط
هل تصدقينني لو قلت إنني أضع بيضتين
- كل ليلة -
أمام جحر ثعبان عجوز؟
ذات مرة
علقت يد لص في جيب الصديري..
طفت النجوع المجاورة حتى وجدته،
فرددت له يده ومعها حافظة نقودي.
لا أكذب عليك..
أنا وديع للدرجة التي تغري الذئاب
بالاختباء في حظيرة بهائمي.
ويعلق: وهذا ليس أكثر من مقطع عشوائي جدًا من صفحته على فيسبوك، ولكنها كلمات، ككل كلمات وأبيات وأشعار العديسي، تكشف لنا الإنسان الجنوبي، فهذا الرجل الطيب هو الذي يقف احترامًا لها، وهو الذي يقرر أن يموت ليظل اسمها سرًا، وهو الذي يصبح قاطع طريق إن داس أحدهم كرامته، سيد العديسي كان يعبر عن كل إنسان في الصعيد، لم يكن يعبر عن نفسه فقط، بل عن روح الصعيد عمومًا، وإذا نظرنا إلى مقطع آخر سنجده يقول:
أقول: صباح الخير
فتظل معلقة
بين السماء والأرض
إلى أن تنفتح نافذتك.
...
صدقيني
ليست هناك جدوى
من كل هذه الصباحات
حين تكونين نائمة.
...
لأنك لست هنا
فأنا لست على ما يرام
وهذا الصباح ينقصه الكثير
لأنك لست هنا
أقول لهذا العالم:
صباح الخير تقريبًا.
...
صباح الخير لك وحدك
فلا فائدة من خير هذا العالم
حين يكون صباحك حزينًا.
...
وكيف يدرك الصباح
من لا يستيقظ ولا ينام؟
وكيف يعرفه
من ليس لديه حبيب يخبره:
أنه صباح الخير.
...
منذ غابت
أصحو كل يوم فلا أجد الصباح
منذ غابت
والناس يكذبون دائمًا
كلما رأوني
قالوا: صباح الخير.
يؤكد: إن أشعار العديسي لا تحتاج لمن يشرحها، أو يحللها، أو يكشف أغوارها، فهي كشمس، وكصوت صادق يخرج من القلب، لا تحتاج أكثر من أن تصل إلى القلب، لا تحتاج إلا لمن يقرأها ليقع في حبها مباشرة دون عناء، وفي حب الشاعر الذي يضع قلبه على الورق، فأنت تجد فيها نفسك، تجد ما في قلبك أمامك مكتوبًا. ويختم ناعيًا: لقد اكتشفت بعد فوات الأوان، للأسف الشديد، أن الإنسانية والحب فقدا شاعرًا وعاشقًا شديد الخصوصية، فلمن ننعي سيد العديسي؟ هل نقدم واجب العزاء للحب الذي فقد عاشقًا صادقًا في عشقه مثله، أم للشعر الذي فقد هذا المشعل الكبير وانطفأ نوره صغيرًا، أم ننعي الصعيد الذي فقد من يحمل لواءه وصوته ومفرداته؟ إلى من ننعي وفاة سيد العديسي، الشاعر الحقيقي الصادق، الذي لم أعرفه إلا بعد فوات الأوان للأسف.

وعن إنسانيته تقول روائية الأقصر الشابة ابتهال الشايب:
يشبه سيد العديسي الشاعر أشرف البولاقي إلى حد كبير، فهو مثل البولاقي في نقائه وطيبته ومرحه. كان العديسي نموذجًا للجنوبي الأصيل، يحمل غالبية سماتهم الإنسانية الأساسية، فهو قوي في الحق، لا يخشى أحدًا؛ يمتلك الشجاعة والقدرة على مواجهة المواقف والظلم.
وتضيف: تصفه بأنه هادئ، رزين، اجتماعي، لديه القدرة على احتواء كل الشخصيات المختلفة، يستطيع أن يصبح صديقًا للجميع، وتستطيع أن تكون صديقًا له في دقائق معدودة.
وتؤكد أنه يعد شاعرًا متمكنًا من أدواته، لغته بسيطة، لكنها كانت كافية أن تحقق لدى القارئ المتعة والدهشة في آن واحد.
وترى أنه يرى الحب من منظور الرجل الجنوبي، الذي يخفي خلف قوته هشاشة نفس غير عادية، ويحمل مشاعر، ربما تبدو جافة في ظاهرها، لكن في أعماقها رقة من نوع خاص، غير معتادة.
فتوضح أن التعبير الصريح عن الحب عند الجنوبي يعتبر ضعفًا وهو لا يقبل أن يظهر بهذا الشكل.
وتضيف ابتهال: لم تغيره الحياة في القاهرة كثيرًا، غيرت فقط بعض أفكاره، فأصبح متسامحًا مع المجتمعات المختلفة عن مجتمع الجنوب، أجاد التعامل معها، وربما اندمج بشدة، لكن ظل محافظًا على لهجته وقلبه.
وتصفه بأنه متحضر على الدوام، شخصية ودودة، متواضع، كان يعاملني كفرد من عائلته هو وشقيقه الصحفي إيهاب مصطفى.
وتذكر أنه اعتاد أن يطمئن عليّ، وكان يطلعني على أحواله وتفاصيل حياته.
وترى أنك تستطيع أن تشاكسه بسهولة، فهو مجتهد في عمله الصحفي.
وتتابع قائلة: هو إنسان بسيط، غير متكلف. كانت لديه أحلامه الخاصة، ولم ييأس في حل مشكلاته.
وترى أنه من الصعب أن تغضب منه؛ لأنه لن يحاول أن يضايقك بكلمة أو عن طريق مزاح ثقيل أو بتصرف مؤذ.
وتشير إلى أنه كان معتزًا بجذوره للغاية، فلقب العديسي يعود إلى موطنه قرية العديسات بمحافظة الأقصر، وهو مكان بكر، هادئ محدود، محتفظ بطبيعته إلى حد كبير، صانه في قصائده وترك أثره في أصدقائه والمقربين منه.
وتختم وصفها: عالم العديسي الخاص معزول صامت، لكن بداخله ضجيج الحياة.
وتخلص إلى أن العديسي لا يبوح بهذا الضجيج بشكل مباشر، لكن عندما تستمع إلى صوته، تشعر بهذا الضجيج على الفور.

ويختم مترحمًا عليه من صعيد مصر الكاتب الطيب أديب يقول:
أول مرة عرفت فيها الصديق الشاعر الأقصري سيد العديسي في ريعان شبابه، منذ عشرين سنة تقريبًا، كانت في مدينة قنا. عرّفني عليه صديقي الشاعر محمود مغربي، الذي كان يعتز بسيد كثيرًا لموهبته وأخلاقه وثقافته. وأسمعنا سيد بعض أشعاره التي دلت على تميزه.
يتابع: وبعدها سافر سيد للقاهرة للعمل في مجال الصحافة، وعانى حتى وصل لمجلة الإذاعة والتليفزيون وأصبح كاتبًا صحفيًا متميزًا فيها كمحرر ثقافي. وتطورت تجربته الشعرية، وأصبح له مشروعه الأدبي الخاص به، وصدر له عدة دواوين شعرية ورواية أدبية. ويعدد من دواوينه:
"قبل النجع" عن الهيئة العامة لقصور الثقافة 2004، و"ابتسامة نذل يموت" عن دار وعد 2013، و"يقف احترامًا لامرأة تمر" عن دار الأدهم 2015، و"أموت ليظل اسمها سرًا" عن دار إبداع 2016، و"كيف حالك جدًا" عن دار دون، و"كقاطع طريق" عن دار دريم بن 2020، و"صباح الخير تقريبًا" عن دار تشكيل 2023، إضافة إلى رواية "طواحين الهوى" الصادرة عن دار تشكيل عام 2025.
ويستكمل ذكرياته: قابلته مرات على مقاهي شارع شامبليون التي كان يرتادها. ولكنني منذ سنوات لم أقابل سيد إلا مساء يوم الثلاثاء الماضي صدفة في ندوة بنقابة الصحفيين. وبعدها صعد معنا لكافتيريا النقابة برفقة بعض الأصدقاء الصحفيين والنقاد، فقام سيد والتقط لنا صورة، وجلس جانبي. فطلبت من أحد الأصدقاء أن يلتقط لنا صورة مع سيد، وبعد قليل استأذن وتركنا، وكان اللقاء الأخير بيننا.. خطفه الموت إثر أزمة قلبية مفاجئة، فأبكانا جميعًا. رحمه الله وصبر أهله ومحبيه.
|