|
القاهرة 07 مايو 2026 الساعة 04:41 م

بقلم: د. سارة صلاح شطا
شكّل المسرح البنائي الروسي في أوائل القرن العشرين نقلة نوعية في تاريخ الفن المسرحي، وكان المخرج فسيفولود مايرهولد في طليعة رواده. لم يكتفِ مايرهولد (1874-1940) – الممثل والمخرج والمدير والمنظِّر المسرحي الروسي السوفييتي – بتجديد أساليب الإخراج، بل أعلن ثورة حقيقية على مفهوم التمثيل ذاته، محولاً جسد الممثل من وعاء للمشاعر النفسية إلى آلة حية متناغمة الحركات، دقيقة الأداء، قابلة للبرمجة والتوجيه كما تدار الآلات في المصانع الحديثة. هذه الثورة العظيمة عُرفت باسم "البيوميكانيك" (Biomechanics)، وهو نظام تدريبي وأسلوب أدائي يقوم على تطوير جسد الممثل إلى الدرجة التي يعمل بها كما تعمل الآلة عند تشغيلها، وهي الرؤية التي أسست لمسرح مغاير تماماً للمسرح النفسي التقليدي الذي ركز على الانفعالات الداخلية والذاكرة العاطفية.
* الجذور الفلسفية للبيوميكانيك
لم تنشأ ميكنة الجسد المسرحي من فراغ، بل جاءت نتيجة تفاعل عميق مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية الهائلة التي شهدتها روسيا ما بعد الثورة البلشفية عام 1917. فقد كان مايرهولد مقتنعاً بأن الفن الجديد يجب أن يعكس روح العصر الصناعي، حيث الدقة والسرعة والإنتاجية المحسوبة. تأثر مايرهولد بفكرة "الممثل الآلي" التي طرحها فنانو المستقبل الإيطاليون، القائمة على تجاوز حدود الجسد العضوي الهش.
* الميكنة الجسدية ونظرية الإنتاج
هناك علاقة وثيقة وعضوية بين طريقة الميكنة الجسمية التي ابتكرها مايرهولد، ونظرية "فن الإنتاج" التي طبقها العديد من المخرجين والمُنظّرين في المجال المسرحي. ففي أحد مقولاته الأساسية (1922)، يؤكد مايرهولد: "يجب على المجتمع الجديد أن يستغل الفن ليس فقط كوسيلة للترفيه والتسلية، ولكن أيضاً كشيء أساسي حيوي لا يمكن أن يستغني عنه العامل العادي في حياته اليومية". تكشف هذه المقولة عن رؤية مستقبلية للفن باعتباره أداة إنتاج بامتياز، تشارك في بناء الإنسان الجديد والمجتمع الجديد معاً.
ما معنى أن يصبح الممثل "وسيلة من وسائل الإنتاج"؟
يعني ذلك إعادة تعريف العلاقة بين خشبة المسرح والمتفرج، وبين الأداء المسرحي ومحيطه الاجتماعي. فالممثل عند مايرهولد ليس فناناً تقليدياً منعزلاً، بل هو "مهندس بشري" (Handsome Man)، يعمل بإيقاع الآلة، ويتقن ترويض جسده كما يتقن العامل ترويض آلات المصنع. هذا التحول الجذري في مفهوم التمثيل يتطلب تغييراً مماثلاً في طريقة تقديم العروض: حيث تتلاشى الستارة التقليدية، وتبرز السقالات والمنصات المعدنية والممرات المعلقة (الترابيس)، ويصبح خشبة المسرح نفسها نموذجاً مصغراً لورشة عمل أو خط إنتاج.
* تحقيق التحكم في الذات والمرونة
يرى مايرهولد أن تدريب الممثل على الميكنة الجسمية يحقق أربعة عناصر أساسية يحتاجها أي عامل في المجتمع الصناعي، وهذه العناصر هي: التحكم في الذات (Self-Control) بأعلى درجات الدقة، والمرونة البدنية (Physical Flexibility) التي تسمح بتأدية مهام متعددة، والوعي الفراغي (Spatial Awareness) الذي يمكّن من تنسيق الحركات مع الآخرين ومع الأدوات، وأخيراً الاقتصاد الجسدي (Physical Economy) الذي يوزع الطاقة بشكل مثالي ليسمح بأطول فترة أداء بأقل إجهاد. هذه العناصر الأربعة تجعل من العمل الصناعي جزءاً لا يتجزأ من التدريب المسرحي، والعكس صحيح أيضاً، حيث يصبح التدريب المسرحي نموذجاً يُحتذى في تنظيم العمل الإنتاجي.
* المسرح مصنعاً
يذهب مايرهولد إلى أبعد من ذلك عندما يتصور عروضاً مسرحية تقدم بجوار آلات المصانع العاملة مباشرة. يقول في مذكراته: "يمكن أن يُخصَّص العرض المسرحي من أجل الأداء الحر الذي يقوم به العمال في وقت راحتهم، حيث يقضون بعضاً من وقت فراغهم في لعبة مرتجلة أو أداء مقنن بجانب مكان العمل الذي تركوه مؤقتاً". هذا التصور الثوري يحطم الجدار الفاصل بين الفن والحياة، وبين الترفيه والإنتاج، وبين خشبة المسرح وورشة المصنع، ليخلق كياناً عضوياً جديداً هو "المسرح-المصنع" أو "الدراما-الإنتاج".
من أشهر أعماله التي طبق فيها نظرية "المسرح مصنعاً للإنتاج" مسرحية "الرجل المخدوع" (The Magnanimous Cuckold) عام 1922، حيث صمم الديكور بشكل بنائي أقرب إلى مصنع إنتاج، بمنصات وعجلات وسلالم متحركة، وارتدى الممثلون أزياءً موحدة أشبه ببدل العمال. كان الأداء الحركي للممثلين ميكانيكياً سريعاً، مما أثار دهشة الجمهور وأحدث صدمة نقدية واسعة. فأظهر أن الممثل الميكانيكي يستطيع تجسيد الشخصيات المختلفة عبر تغيير إيقاع حركاته ووضعيات جسده، لا عبر الغوص في الأعماق النفسية.
في الختام، تبقى ثورة مايرهولد نحو الميكنة الجسمية واحدة من أجرأ التجارب المسرحية في التاريخ الحديث. لقد نجح في تحويل جسد الممثل من أداة انفعالية تقليدية إلى آلة حية متكاملة، ودعا إلى مسرح يعمل بنفس إيقاع المصنع الحديث، وانتقد بحدة المسرح القديم الرومانسي والنفسي. ورغم الانتقادات الموجَّهة إليه بسبب تجريد الجسد من إنسانيته، كما قال منافسيه، فإن جذور ثورته المسرحية ما تزال مشتعلة في كل من يحلم بمسرح مختلف.
إن الفكر المسرحي لمايرهولد لم يقتصر على عصره، بل امتد إلي مدارس وفنون الأداء الحديثة في المسرح والسينما. ليظل البيوميكانيك دعوةً مفتوحة لإعادة التفكير في العلاقة بين الجسد والآلة، وبين الفن والإنتاج، وبين الممثل والعالم الذي يعيش فيه – عالم لا يبكي فيه الممثل ولا يضحك بالمعنى التقليدي، بل يكدح وينتج ويصنع بإيقاع الحياة الصناعية إنساناً جديداً على خشبة المسرح.




|