|
القاهرة 05 مايو 2026 الساعة 04:33 م

كتب: مصطفى علي عمار
في 3 يوليو 2013، ضغط فؤاد نصر الدين حسين زر "إنشاء مجموعة" على فيسبوك. سماها "القصة القصيرة جدًا في مختبر السرديات". لم يكن يعرف أنه يزرع شجرة ستظلل 25600 كاتب من طنجة إلى البحر الأحمر.
بدأ وحده. دعا كاتبين على استحياء فلم يستجب له سوى اثنين. لم ييأس. كان يسهر خمس عشرة ساعة يوميًا يقرأ، ويصحح، ويشجع، ويرد على كل نص. بعد شهر صاروا ألفين. بعد ثلاثة أشهر صاروا خمسة آلاف. وبعد عام ونصف امتلأت الصفحة بأسماء لم تلتقِ إلا في حضرته.
كان نصر الدين يؤمن أن الفيسبوك يمكن أن يكون مختبرًا للخلود، وأن "الجروب" يمكن أن يكون أهم من اتحاد كُتّاب. صدقناه. فحوّل "اللايك" إلى شهادة ميلاد كاتب، و"التعليق" إلى ورشة نقد، و"الشير" إلى جسر بين مدن لم يلتق أهلها إلا في صفحته الزرقاء.
لكن الحلم لم يبق حبيس الشاشة. أراد أن يرى أسماءنا على أغلفة الكتب. فبدأ بكتاب "قصص عربية قصيرة جدًا". كان الحجر الأول. جمعنا فيه وقال: اكتبوا، أنتم كُتّاب. فكتبنا. ثم توالت سلسلة "كاتبان × كتاب" بمعرفته وبماله وبقلبه. ثمانية كتب متتالية، ما يقرب من ألف قصة، لأكثر من 120 كاتبًا وكاتبة. كان يفرح بطباعة كتاب لأحدنا كأنه يطبع كتابه العشرين. كنا نرسل له النص في منتصف الليل فيرد قبل الفجر. كنا غرباء فصرنا عائلة.
في 9 ديسمبر 2013 كرمته مكتبة الإسكندرية بدرع التميز لتأسيسه أفضل مجموعة متخصصة على فيسبوك. وفي 17 أغسطس 2014 أطلق "جائزة فؤاد نصر الدين للقصة القصيرة جدًا"، واشترط على كل متسابق أن يتقدم بمائة قصة دفعة واحدة. كان يريد أن يقول إن الكتابة التزام لا ومضة عابرة. تعهد بطباعة الأعمال الخمسة الفائزة بالمراكز الأولى على نفقته، لأن الإيمان بالبدايات كان عقيدته.
هذا هو نصر الدين الذي عرفناه. الكاتب الناقد الذي بدأ علاقته بالكلمة وهو طالب في الثانوية العامة، حين نشرت له مجلة "الجديد" قصته الأولى "الصرخة". لم تمنعه وظيفته موظفًا بإحدى شركات الشحن والتفريغ من أن يواصل الكتابة. كان يؤمن أن الأدب لا يحتاج تفرغًا بقدر ما يحتاج إيمانًا. تخرج من الثانوية عام 1969، ولم يدخل الجامعة. دخل الحياة من باب الكتابة مباشرة.
أصدر "وشم على صدر امرأة" 1982، و"السفر إلى البلاد البعيدة" 1986، ثم اتجه للرواية فكتب "الحويطي" 1993، و"العرابة" 1995، و"النورس لا يعشق البحر" 2006، و"الثعالب" و"كوم الملح" 2009، واختتم بـ"شق قدم" 2013. ولم يكن سردًا فقط. أصدر "السهم والمسار" 1990، و"دراسات نقدية في القصة السعودية" 1993، وشارك في "كتاب مئوية نجيب محفوظ". امتد صوته إلى الإذاعة فتحولت قصصه إلى تمثيليات إذاعية، وأشرف على صفحة الأدب في جريدة "تحيا مصر".
كتب عنه النقاد في مصر والسعودية والجزائر. لكن أهم ما كُتب عنه كان في شهادات الكُتّاب الذين أنقذهم من اليأس. ناصر محمد ناصر من سوريا عاد للكتابة بعد عشرين سنة انقطاع لأن نصر الدين أعجب بقصة له. بدوي الدقادوسي يعتبر 7 مارس 2013 ميلاده الأدبي الحقيقي. بهيجة البقالي القاسمي من طنجة تقول إنها تعلمت النقد بسببه. كلهم يتفقون على شيء واحد: لم يكن مجرد كاتب، كان أبًا روحيًا جعل من الغرباء عائلة.
ثم توفى إلى رحمة مولاه إثر نوبة صدرية مفاجأة ..
في صباح الجمعة 21 أكتوبر 2016، أغلق نصر الدين عينيه للمرة الأخيرة في الإسكندرية التي وُلد فيها يوم 15 يناير 1950 وأحبها حتى النهاية. رحل عن ستة وستين عامًا، لكنه ترك خلفه ما هو أكبر من العمر: ترك مدرسة، وترك جرحًا في قلب كل كاتب عرفه.
يا وجع الكلمة حين يغيب صاحبها. و الحروف التي تركناها بعد أن علمنا كيف نكتبها.
أغلق الجسد ملفه، فأغلقنا نحن الملف الذي فتحه. هجرنا "جروب القصة القصيرة جدًا في مختبر السرديات" الذي أسسه الأستاذ نصر الدين. هجرنا البيت الذي كان شعلة لطباعة مئات الكتب. صمتت القاعة التي جمعنا فيها أول مرة في مكتبة الإسكندرية. توقفت "كاتبان × كتاب" عند الرقم ثمانية. توقفت الجائزة التي أطلقها باسمه. توقفت الحياة التي دبت في القصة القصيرة جدًا على يديه.
ولأنني رغم بعدي عن الجروب الذي أسسه إلا أنني ألوم على إدارته من بعده. وشخصيًا تعرضت لأكثر من موقف تعسفي في التحكم بالنشر بأشياء وضعوها وقرروها لم يكن يفعلها الأستاذ نصر الدين نفسه. في إحدى المرات نشرت في إحدى الجرائد ملفًا عن القصة القصيرة جدًا، واخترت من الجروب قصصًا لكُتّاب عرب ونشرتها في الجريدة، وحاولت نشر صورة الجريدة في الجروب. إلا أن إدارة الجروب رفضت المنشور. حاولت إفهامهم أن ما أفعله هو تحفيز لكُتّاب الجروب حتى تعود الروح للجروب كما كان، لكن للأسف.
ومن العجائب أنني اخترت قصة قصيرة جدًا كتبها الأستاذ نصر الدين نفسه، ونشرتها باسمه في جريدة. ثم أرسلت صورة الجريدة للجروب فرفضوا أيضًا نشرها. تعجبت وشكوت لإحدى المسؤولات بالجروب، فكانت المفاجأة في ردها علي بأنها للأسف لا تتابع الصفحة وسوف تبحث في الأمر مع مسؤولي إدارة الجروب. وعندما ثرت عليها، التمست لي العذر بعلمها بمكانتي عند الأستاذ نصر الدين رحمه الله. وهنا تساءلت: إذا كنتم تعلمون مكانتي عند الأستاذ، فلماذا لا تسمعون ما أعرضه عليكم من رأي فيه مصلحة الجروب وصاحبه؟ تخيلوا: نص لمؤسس الجروب يُرفض في بيته، ومن يعرفه الأستاذ جيدًا لا يُسمع له.
الجروب كان بالإمكان أن يظل مدرسة للقصة القصيرة جدًا كما كان، لو أن الإدارة كانت موضوعية ورأت أن من مصلحة الجروب أولًا الدعاية له كما كان يفعل مؤسسه.
يبدو أن هذا هو قدر المؤسسات في بلادنا حتى لو كانت "جروب فيسبوك".
تواصلت مع بعض ممن يديرون الجروب. حاولت إقناعهم بتكملة مسيرة الأستاذ كما كان يريد لكن دون فائدة. فأنا اليوم أوجه لهم كلمة وسؤال:
كان الأستاذ نصر الدين بمفرده، وكان الجروب كل يوم في ازدياد. لم يكن يحتاج دعاية مدفوعة للجروب، كان هو الدعاية. وكان الأستاذ يطبع الكتب أيضًا بمفرده بمساندة الأعضاء. وكان الأستاذ يعقد المؤتمرات أيضًا بمفرده وبمساندة الأعضاء. وكان الأستاذ يخطط لكل جديد ويبلغ الجروب كي يسعد الأعضاء. بل كان الأستاذ حينما تأتيه قصة جيدة ينشر صور أصحابها معها تشجيعًا لهم، ويكلف من يكتب قراءة للقصة الجيدة. كل هذا بمفرده.
قولوا لي: أنتم أكثر من خمسة، فماذا فعلتم أنتم للجروب؟
أتمنى أن تقرأوا كلامي وتعيدوا حساباتكم وتبدأوا في تكملة مسيرة الأستاذ فؤاد نصر الدين:
إصدار السلاسل من الكتب،
إصدار معجم كُتّاب القصة القصيرة جدًا،
إصدار سلسلة "قصة وناقد"،
إصدار كتاب "قصص عربية حوارية قصيرة جدًا"،
عقد المؤتمر السنوي واللقاءات،
وجائزة القصة القصيرة جدًا باسم فؤاد نصر الدين، التي أسسها قبل وفاته ولم تكتمل.
المؤلم ليس أن الرجل مات. الموت حق. المؤلم أننا قتلنا الفكرة بموته. اعتقدنا أن غياب الفلاح يعني موت الحقل، فتركنا الزرع ييبس. الأردن اليوم تعقد "ملتقى القيصر الثالث"، ونحن الذين صدرنا الفكرة صامتون. لأننا انتظرنا نصر دين آخر، ولم نفهم أن كل واحد فينا كان يجب أن يكون نصر الدين.
غرس ولم نروِه.
فهذه هي الحقيقة التي تطاردنا. الرجل أنفق عمره وماله وصحته ليقول لنا إن الفيسبوك يمكن أن يكون مختبرًا للخلود، وإن "الجروب" يمكن أن يكون أهم من اتحاد كُتّاب. صدقناه وهو حي، وكذبناه وهو ميت.
يا أستاذنا.. سامحنا.
سامحنا لأننا تركنا بيتك الذي بنيته لنا فارغًا. سامحنا لأن "كاتبان × كتاب" توقفت وكان يجب أن تصل إلى مائة. سامحنا لأن سلسلة "قصة وناقد" لم تبدأ، ولأن كتاب "قصص حوارية عربية" لم ننتهِ منه، ولأن سلاسل الكتب الشهرية توقفت، ولأن معجم كُتّاب القصة القصيرة جدًا الذي تعبت فيه وأصدرته إلكترونيًا لم يصدر ورقيًا، ولأن المؤتمر السنوي انطفأت شعلته، ولأن عائلة الجروب العربية تشتتت. سامحنا لأن الكلمة الأخيرة لم تُكتب، لا لأنك رحلت، بل لأننا توقفنا عن الكتابة.
أتمنى أن تعود عائلة الجروب.
أتمنى ذلك.
وبالتوفيق للجميع، ورحم الله الأستاذ فؤاد نصر الدين.
سلامٌ على روحك التي علمتنا أن الحلم يمكن أن يبدأ بزر أزرق.
ووعدٌ، لعله لا يتأخر كثيرًا: أن نعود إلى المختبر، لا لنبكي على الأطلال، بل لنفتح النوافذ من جديد.
لأن البذرة التي وضعتها في 3 يوليو 2013 ما زالت حية تحت التراب.
وتنتظر فقط من يرويها.
|