|
القاهرة 05 مايو 2026 الساعة 11:46 ص

د. هويدا صالح
يُعدُّ كتاب"على خطى الزمن" للفيلسوف الفرنسي كريستوف بوتون(2026) محاولة فلسفية عميقة وطموحة لإعادة تأسيس ميتافيزيقا الزمن في أفق معاصر يتقاطع فيه العلمي بالفلسفي والأنطولوجي بالتجريبي. لا يكتفي هذا العمل بطرح الأسئلة الكلاسيكية حول الزمن، بل يسعى إلى إعادة صياغتها ضمن رؤية نسقية تتجاوز الاختزالات التي حكمت تاريخ التفكير الفلسفي، مقدّمًا الزمن بوصفه بُعدًا بنيويًا للوجود، لا يمكن فصله عن التجربة الإنسانية ولا عن البنية الكونية
يندرج الكتاب ضمن المشروع الفكري المتماسك لبوتون، الذي اشتغل طويلًا على قضايا الزمن والحرية والتاريخ، غير أن هذا العمل يمثّل ذروة هذا المشروع، إذ ينتقل من المعالجة التحليلية الجزئية إلى بناء تصور شامل يعيد ترتيب العلاقة بين الذات والعالم عبر مفهوم الزمن. هنا لا يعود الزمن مجرد إطار للأحداث، بل يتحول إلى شرط إمكانها..
وينطلق بوتون من أسئلة تبدو مألوفة: ما الزمن؟ هل هو واقع مستقل أم بناء ذهني؟ هل هو موضوعي أم ذاتي؟ غير أن قوة الطرح تكمن في تفكيك هذه الثنائيات ذاتها. فالزمن، في تصوره، لا يمكن اختزاله إلى أحد طرفي الثنائية: لا هو مجرد إسقاط للوعي، ولا هو معطى خارجي محايد. بل هو بنية مركبة، تتداخل فيها مستويات متعددة من الواقع، من الفيزياء إلى التاريخ إلى التجربة الحية.
هذا التفكيك يقود إلى إعادة النظر في المسلمات الفلسفية التي طالما فصلت بين الذات والموضوع، ليقترح بدلًا من ذلك تصورًا علائقيًا-واقعيًا، حيث الزمن ليس شيئًا نمتلكه أو نتصوره، بل أفقًا نوجد داخله.
في مواجهة التصورات الاختزالية، يتخذ بوتون موقفًا نقديًا من اتجاهين بارزين "الراهنية" التي تختزل الوجود في اللحظة الحاضرة و"الأبدية" التي ترى الزمن كتلة مكتملة وثابتة(كما في بعض تأويلات الفيزياء الحديثة).
يرفض بوتون هذين التصورين معًا، ليطرح بديلًا ديناميكيًا يقوم على فكرة "الزمن العميق"، حيث يمتد الزمن خارج حدود التجربة الإنسانية، في طبقات جيولوجية وكونية تسبق الوعي وتستمر بعده. هذا التصور يعيد الاعتبار لحركية الزمن، ولطبيعته غير المكتملة، بوصفه صيرورة لا بنية مغلقة.
من أهم إضافات الكتاب بناء ثلاثية مفهومية: **الأثر، الحضور، الإمكان**، وهي ليست مجرد تقسيم زمني، بل نموذج أنطولوجي لفهم الواقع:
ـ الأثر : فالماضي لا ينقضي، بل يظل حاضرًا عبر آثاره في المادة والذاكرة والتاريخ.
ـ الحضور : الحاضر ليس نقطة زمنية، بل مجال تفاعلي مفتوح تتقاطع فيه الأزمنة.
ـ الإمكان: المستقبل ليس فراغا، بل شبكة من الإمكانيات التي تؤثر في الحاضر قبل تحققها.
بهذا، ينتقل التفكير من تصور خطي للزمن إلى بنية ديناميكية تتشابك فيها الأزمنة، حيث لا يُفهم الحاضر إلا بوصفه نقطة توتر بين ما تحقق وما يمكن أن يتحقق.
ما يمنح العمل عمقه هو هذا الحوار الخلاق بين تقاليد فلسفية متباينة. يستلهم بوتون من الظاهراتية عند و مفهوم الزمن المعيش، لكنه في الوقت ذاته ينفتح على الفلسفة التحليلية ونقاشاتها حول الزمن. غير أن بوتون لا يكتفي بالتوفيق بين هذين التيارين، بل يعيد صياغة العلاقة بينهما، مؤكدًا أن العلم لا يلغي التجربة الزمنية، كما أن الظاهراتية لا تنفي البعد الموضوعي للزمن. والنتيجة هي تصور مركّب يعترف بتعدد مستويات الزمن دون تفكيك وحدته.
وفي قلب هذا المشروع، تبرز فكرة "الولادة المزدوجة" للحدث، حيث يوجد الحدث مرتين، مرة كإمكان، ومرة كتحقق.هذا التصور يفتح أفقًا جديدًا لفهم الحرية، إذ لم تعد تعني القطيعة مع الماضي، بل القدرة على التنقل داخل شبكة من الإمكانيات. الحرية هنا ليست نفيًا للحتمية، بل اشتغال داخل أفق مفتوح لم يُحسم بعد.
ويبلغ التحليل ذروته حين ينتقل بوتون إلى المستوى الأنثروبولوجي. فالإنسان، في هذا الإطار، ليس مجرد كائن يعيش في الزمن، بل كائن يتكوّن به:
ـ ذاكرته تشكّله.
ـ حضوره يحدده.
ـ وتوقعاته للمستقبل تعيد توجيه أفعاله.
ومن ثم، يصبح الزمن أساسًا لفهم القلق، والأمل، والمسؤولية، بل والهشاشة الوجودية نفسها. إن ما يسميه بوتون "الهالة الزمنية" للإنسان يكشف أن وجودنا ليس ثابتًا، بل ممتد بين ما كان وما سيكون.
لا يقدّم "على خطى الزمن" إجابات نهائية بقدر ما يفتح أفقًا فلسفيًا جديدًا. إنه كتاب يعيد الاعتبار للزمن بوصفه قلب الفلسفة، لا هامشها، ويقترح تجاوز التصورات السكونية نحو فهم ديناميكي مفتوح.
بهذا المعنى، يغدو الزمن في هذا العمل ليس موضوعًا للدراسة فحسب، بل أداة لإعادة التفكير في الوجود ذاته. فالكتاب لا يدعونا إلى فهم الزمن فقط، بل إلى إعادة التفكير في علاقتنا به، وفي كيفية عيشنا داخله—ككائنات معلّقة دائمًا بين أثرٍ يتلاشى، وحضورٍ يتشكل، وإمكانٍ لم يتحقق بعد.
|