|
القاهرة 05 مايو 2026 الساعة 11:37 ص

بقلم: شيماء عبد الناصر حارس
يقابل المرضى النفسيون دائما بوصم ما أو صفة تلتصق بهم من بعض المحيطين، وأيًا كانت الصفة فإن البعض من المرضى يصدقها، وتتأكد بشكل راسخ في عقولهم، وبالطبع بعد ذلك تظهر في تصرفاتهم وردود أفعالهم، لكني طوال الوقت كنت أرفض الوصم وأبحث، بمعنى أني أرفض مثلا وصفي بالكسولة وأبحث عن ماهيتي أنا لست كسولة، لكن ماذا أنا؟ أنا لست فاشلة لكن ماذا أنا؟
وهكذا في كل وصم أو صفة، رحلة البحث طويلة ومرهقة، فبدلا من أن أعيش الحياة أنا أبحث عنها طوال الوقت، ولا أنكر أن هذا جيد، بدلا من تصديق الوصم والإيمان به، التشكك كان داخلي ناحيته ولم أصدقه قط. ربما إيمان بنفسي أو وعي أو كما قال لي بعض الأطباء هو ذكاء، في النهاية أنا أبحث بكل طريق ممكن عن الإجابة، وفي رحلة البحث المتعبة أجدني وحيدة ولا أحب التعامل مع الناس، الكسول لا يمثلني وأيضًا النشيط لا، من أنا إذن، الغبي لا يمثلني ولكن الذكي الذي لديه إنجاز ما لا، أنا ذكية وأكره الأغبياء وفي الوقت نفسه ليس لدي منجز أضعه في عين من يقلل مني، القضية صعبة ومعضلة، أكتفي بالصمت وأحاول من جديد، في الحقيقة لا شيء ينجح وكل المحاولات ليست مثمرة بالقدر الكافي لكنها خطوة في الطريق الطويل، أكتشف هذا بعد وقت، وهنا لا أشعر بالندم على الخطوات، ولكني أشعر بالحزن أنه لا نتيجة حتى الآن.
هل أنا أفضل من غيري، أولئك الذين يصدقون الوصم؟
لا أعرف.
في الرحلة أجر خلفي صعوبات اليوم، آلام الأيام الماضية، مخاوف الأيام الآتية، صعوبات وآلام ومخاوف تجعل التجربة الحياتية في منتهى الصعوبة، مع القلق، مع طبقات من الخوف تجر بعضها بعضًا، وحتى الإحباط من الناس، الجميع لا يشبهني، أنا لا أشبه الجميع، ليس لدي منطقة آمنة، أخاف من الكل وأندم في محاولة التقرب من الكل، أو من إفساح المجال لأحد كي يؤنسني في الطريق، الاهتمامات مختلفة، الطباع متنافرة، أعود وحدي لنفسي فقط، وهذه جيدة بالقدر الكافي لدرجة أني أمتن لنفسي في الكثير من الأحيان، أمتن لصبري في الطريق الصعب بدون مساعدة، تقاوم الاكتئاب، القلق، الحزن، المخاوف، احتقار الآخرين أيضًا، وهو بند مهم.
وأتعجب من قدرتي على ذلك، فليس لدي منجز مثل الكثير منهم ولكن لدي القدرة على احتقار من هم منافقون منهم، كذابون منهم، ضعفاء منهم، وهذا المزيج الغريب والذي يبدو أنه متكرر في كل الأزمان وهو الغالب للأسف، من متديني اللحظة، يصلون ويصومون ويؤدون الكثير من العبادات اللحظية والتي تضعهم تحت بند الإنسان الجيد أمام الناس، لكنهم في الحقيقة أمام أنفسهم لا يهمهم سوى أنفسهم في النهاية، الصورة الاجتماعية الدينية مثل الآخرين، هذا منتهى أملهم، ولكي يعطيهم هذا القدر الكافي من الجرأة لمحاسبة الآخر لتقصيره في العبادات والتدين، والحقيقة أنهم درجات مختلفة، فمنهم من يصل إلى قمة هرم النفاق ومنهم من يصدق أن الدين –أي دين- هو ما يصنع صورته المجتمع المحيط بهذا الدين.
وهنا تؤرقني أسئلة عن ماذا يعني الدين، وما تعريف الضمير، وكيف يكون هناك اتساق بين الدين والضمير، والأخلاق والعالم، والكثير من الأسئلة الأخرى التي يكاد مخي فيها ينفجر، أن أتساءل بشكل كبير، بمعنى أني أسأل في كل تفصيلة حولي، الأمر الذي يختلف عن الآخرين الذين يأخذون الأشياء كما هي ولا يسألون، يعيشون بدون أسئلة، وأعيش لكي أسأل، فمن منا هو الصح ومن منا هو الخطأ أو ربما نكون جميعًا مخطئون أو على الصواب. أسئلة لا إجابة، لكن حزن.
لا أنكر أن تغيير وجهة نظري نحو التعامل مع العالم أعطاني الكثير من الفرص للراحة، فأن "آكل عيش" مع البشر أراحني جدًا، وأعطاني فرصة لمواجهة أقل عدد من المشكلات، على الأقل منها مشكلاتي الشخصية، وعدم إضافة مشكلات أخرى لا أهمية لها، صحيح الأمر لا يخلو من أسئلة ولكنها لا تعدو عن كونها أسئلة داخلي أنا، أطرحها في المساء حينما أراجع اليوم، فيسقط تركيزي أثناء المراجعة إلى بئر أسئلة عميق، أخرج منه بسهولة بعد دقائق.
عدا فئة المراقبين في عقلي على كتاباتي، في كثير من الأحيان أتخيل من يقرأ ما أكتبه، على حكمه، على رأيه أقرر أن ما أكتبه غير مناسب، وهذا من أخطائي التي أحاول تصحيحها، فتبًا له ولرأيه، ولحكمه، أنا أكتب لنفسي أولا، وأنا موافقة على ما أكتبه تمامًا.
الحرية جميلة، والبعد عن البشر أجمل، فلا أنتظر زيارة ولا أنتظر اتصالا، البيت مليء بالكراكيب والملابس المتسخة والأواني غير المغسولة وأنا مهمومة وأجلس للكتابة أو القراءة فأضحك من نفسي ومن حالي، أتذكر أنه ليس علي أن أضغط على نفسي، فليذهب العالم إلى الجحيم، أريد أن أنظف وأنظم كل ذلك من كل قلبي ولكن أنا مشتتة ما بين كل المهام وليس لدي أي طاقة، بعيدًا عن التفسيرات العلمية أو الطبية لذلك فأنا قررت ولو لليوم أن أتقبل الأمر الواقع ولا أضغط على نفسي، ولو أردت النوم سأنام، الأتربة تملأ الشارع بسبب الطقس وتملأ البيت بأي سبب، لن أبحث عن الأسباب الآن، ربما هي لحظة هدوء مسروقة من عقلي ومن نفسي، ومن اتهاماتي لها ومن عقاباتي لها ومن دفعي المتواصل لها كي تنجز، سأهرب منها قليلا، أكتب بدون خوف من رقيب، أكتب بدون شعور بالذنب أني أكتب وأترك المنزل بدون تنظيف، فقط استرخاء وكتابة، وربما أقرأ في رواية أو أنام، لا مبالاة لحظية لذيذة، لا يهم بعدها ما سوف يحدث، الآن أنا ونفسي والكتابة معًا، وننحي أي شيء آخر.
|