|
القاهرة 05 مايو 2026 الساعة 11:34 ص

كتبت: أميرة عز الدين
في الوقت الذي كان من المفترض أن يشهد الفصل الدراسي الثاني ذروة موسم المسرح الجامعي؛ ما زال مصير استكمال الموسم يتأرجح بين الإلغاء غير المعلن- والمغلف بالصمت الإداري- وبين حلول مرتجلة تبدو كمحاولة لتجاوز الأزمة شكليًا، والمحزن جدًا في الأمر أن هذا الغموض يكتنف واحدًا من أعرق وأهم الروافد الثقافية داخل المؤسسة التعليمية المصرية!
البداية كانت في النصف الأول من القرن العشرين حيث ظهور فكرة مسرحة المناهج بوصفها توظيفًا للدراما في العملية التعليمية، حيث ارتبط الأمر بمحاولات تحويل المعرفة إلى فعل حي يُفهم ويُعاش لا مجرد مادة تُلقَّن، ثم تطورت عبر المسرح المدرسي لتمتد بعد ذلك بشكل أوسع داخل الجامعات، حيث تحولت من أداة تعليمية إلى نشاط إبداعي مستقل له مواسمه وفرقُه ومهرجاناته.
وقد برز المسرح الجامعي منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي وبلغ قمة تأثيره في السبعينيات؛ حين أصبح مساحة للتجريب وصناعة الوعي واكتشاف المواهب، ومن هذه المساحة خرجت أسماء صنعت جزءًا مهمًا من تاريخ الفن المصري، مثل سمير غانم الذي بدأ من المسرح الجامعي بجامعة الإسكندرية، والضيف أحمد المرتبط بالمسرح الطلابي بجامعة القاهرة، وجلال الشرقاوي الذي كان نموذجًا للخروج بالمسرح التعليمي إلى الاحتراف، كل هؤلاء وغيرهم من الفنانين أثبتوا أن المسرح الجامعي لم يكن نشاطًا هامشيًا؛ بل في أحيان كثيرة كان بوابة أولى لتكوين الفنان المصري.
لكن بمرور السنين تراجع دور المسرح الجامعي وأصابه الوهن بعد أن زحفت عليه البيروقراطية شيئًا فشيئًا خلال العقدين الأخيرين، ليصبح سوء الإدارة عاملًا يهدد نجاح العملية المسرحية نفسها بالفشل أو الركود على أقل تقدير، ولهذا يبدو ما يجري الآن أكثر من مجرد تعطيل موسم!
ففي بعض الجامعات أُلغي الموسم بالفعل، بينما تواصل جامعات أخرى الصمت دون إعلان واضح عن الاستكمال أو الإلغاء؛ مما ترك الفرق المسرحية في حالة انتظار معلّق ومحبط بعد شهور من البروفات والتحضير والعمل، فرغم كل تعقيدات النشاط المسرحي بالجامعة؛ يظل العرض المسرحي وحده هو ما يهون على الطلاب التضارب الإداري وتأخر تنفيذ المشاريع، ويبدو أن هذا السبب هو ما دفع رعاية الشباب بإحدى الكليات لطرح فكرة تقديم العرض بشكل ودي؛ في محاولة لأن "يمسكوا بالعصا من المنتصف" أكثر منها استكمالًا فعليًا للموسم المسرحي، فمنها تعتبر ترضية شكلية للفرقة، ومنها توفير فقرة ترفيهية للسادة أعضاء هيئة التدريس، وكذلك لإثبات ما تم صرفه من ميزانية العمل، فلكم أن تتخيلوا يا سادة مع حالة عدم الوضوح تلك مدى قتامة المشهد؛ بعد أن تجاوزت الأزمة فكرة التعطيل لتصل إلى استخدام المسرح نفسه كغطاء لتسوية إدارية.
كل هذا دفع بعض شباب الفرق الجامعية لمخاطبة الإدارة طلبًا لتوضيح الموقف، ولقد اجتمع جميعهم تقريبًا على قبول فكرة تأجيل النشاط واستنكروا تمامًا فكرة إلغائه الآن؛ بعد أن بذلوا كل ذلك الوقت والمجهود في "البرو?ات"، فحكم على فكرة الترضية المعنوية التي طرحت بالفشل لأنها ببساطة لا ترضي أحدًا.
وإن كان الشيء بالشيء يذكر، فحديثنا عن هذا الغموض الذي يسيطر على الموسم الحالي؛ يدفعنا لإلقاء الضوء كذلك على بعض الوقائع التي نتجت عن استفحال البيروقراطية الإدارية ووصلت لحد إفشال الهدف الرئيسي لفكرة المسرح الجامعي وتصفيتها من جدواها ومعناها النبيل، حيث تناقل شباب الفرق الجامعية فيما بينهم أخبار أحد زملائهم الممارسين للنشاط الجامعي والاحترافي منذ سنوات؛ والذي استغل العديد من الراغبين منهم في العمل مع فرق محترفة وأخذ يحصل مبالغ مالية منهم بدعوى تشغيلهم أو استخراج كارنيهات نقابة المهن التمثيلية لهم، وآخر فضائحه التي انتشرت منذ أيام كانت حول سرقته لمتعلقات إحدى زميلاته. بالطبع لا يمكن النظر لتلك الواقعة بشكل فردي على الإطلاق؛ خاصة مع تكرارها بين الحين والآخر، فالمفارقة المؤلمة هنا أن المسرح الجامعي القائم أساسًا ليصنع وعيًا ويؤسس قيمًا ويخرج فنانين جددًا؛ لم يعد التوقف هذا الموسم هو جل ما يهدده، بل أصبح ذلك المناخ الفاسد المسيطر عليه يهدد تلك القيم التي كان يؤسس لها من الأساس؛ بعد أن استغل البعض موهبته في التمثيل والتشخيص في عمليات نصب محبوكة.
إذا كان الموسم قد تعطل فهي أزمة، أما أن نغفل عن تلك التراكمات التي تضرب مضمون المسرح الجامعي وتختزله في مجرد بند مالي يظهر في خانة المصروفات بداخل ميزانيات الكليات، أو تضعه في بيئة تسمح باستغلال شبابه فهي كارثة وشيكة الانفجار.
ويبقى السؤال: هل ما نراه تعثر مؤقت، أم علامة على تآكل تجربة كانت يومًا أحد أهم معامل تكوين الفنان المصري؟!
|