|
القاهرة 05 مايو 2026 الساعة 11:33 ص

بقلم: د. حسين عبد البصير
يقع تمثال محمد علي باشا في ميدان المنشية بمدينة الإسكندرية، وهو أحد أهم الميادين التاريخية والحضرية في قلب المدينة، ويمثل نقطة ارتكاز مركزية في النسيج العمراني والتجاري للإسكندرية منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم.
يُعد هذا الموقع من أكثر المواقع رمزية في المدينة، إذ يجمع بين البعد التاريخي والوظيفة الحضرية المعاصرة، حيث ظل الميدان عبر تاريخه الطويل مركزًا للحركة التجارية والإدارية والمالية، وملتقىً لطبقات اجتماعية وثقافية متعددة، انعكاسًا لطبيعة الإسكندرية بوصفها مدينة متوسطية ذات طابع كوزموبوليتاني واضح.
يتوسط التمثال فضاء ميدان المنشية، ليشكل عنصرًا بصريًا مهيمنًا في تشكيل هوية المكان. وقد أُقيم تخليدًا لدور محمد علي باشا بوصفه مؤسس الدولة المصرية الحديثة، وصاحب المشروع الإصلاحي الذي أعاد صياغة البنية السياسية والإدارية والعسكرية لمصر في القرن التاسع عشر، واضعًا أسس الدولة المركزية الحديثة.
وقد صمّم التمثال النحات الفرنسي هنري جاكمار، وجسّد فيه محمد علي باشا ممتطيًا جواده في وضعية تعكس الهيبة والسلطة والحضور القيادي. ويعكس هذا العمل الفني مرحلة تاريخية شهدت إدخال تقاليد النحت الأوروبي إلى الفضاء العام المصري، في سياق مشروع التحديث الشامل الذي تبنته الدولة في عهد محمد علي وأسرته.
ويكتسب اختيار ميدان المنشية موقعًا لهذا التمثال دلالة خاصة، إذ ارتبط الميدان تاريخيًا بكونه مركزًا للإسكندرية الحديثة خلال مرحلة الازدهار الكوزموبوليتاني، حين احتضن القنصليات الأجنبية والمؤسسات التجارية والمالية الكبرى، وكان يعكس صورة مدينة منفتحة على البحر المتوسط والعالم.
ومن الناحية العمرانية، يحيط بالتمثال نسيج معماري متنوع يعكس تطور مدينة الإسكندرية خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث تنتشر المباني ذات الطرز الأوروبية، خاصة الإيطالية والفرنسية، بما تحمله من زخارف وشرفات حديدية وواجهات كلاسيكية. هذا التداخل بين العمارة والتاريخ يمنح الميدان قيمة حضارية مضاعفة، ويحوّله إلى متحف مفتوح للذاكرة الحضرية.
ويُمكن النظر إلى تمثال محمد علي باشا في ميدان المنشية بوصفه علامة تاريخية تتجاوز كونه عملًا فنيًا، فهو يجسد علاقة معقدة بين الذاكرة الوطنية والفضاء العام، وبين مشروع الدولة الحديثة وتحولات المدينة عبر الزمن. كما أنه يعكس استمرار حضور التاريخ في تشكيل الهوية البصرية والمعنوية للإسكندرية المعاصرة.
وفي النهاية، يظل هذا التمثال أحد أهم الرموز التاريخية في المدينة، ليس فقط لقيمته الفنية، بل لدوره في ترسيخ الذاكرة الجمعية للإسكندرية بوصفها مدينة تتقاطع فيها طبقات التاريخ، وتستمر فيها الحياة بين الماضي والحاضر.
|