|
القاهرة 04 مايو 2026 الساعة 01:06 م

كتب: حاتم عبد الهادي السيد
( كأي صعيدي،
لا أستطيع قول "أحبك"
وكلما قررت القفز على التقاليد لأقولها
خرجت: كيف حالك؟
فاعذريني لأنني "كيف حالك جدا).
غيب الموت الكاتب الصحفي والشاعر سيد مصطفي نوبي وشهرته (السيد العديسي) ابن قبيلة بني هلال، وأحد شعراء مدينة الأقصر المتميزين..
عمل شاعرنا صحافياً بمجلة الإذاعة والتلفزيون؛ ثم تنقل للكتابة في عدة صحف مصرية وعربية، منها صحيفة الرأي الأردنية. كما صدر له العديد من الأعمال والمجموعات الشعرية، منها : ديوان :”كيف حالك جدًا" 2016 ؛ ديوان "صباح الخير تقريبًا”، ديوان“أموت.. ليظل اسمها سرًا”، وغيرها.
لقد نقل لنا العديسي أحوال وتقاليد أبناء الصعيد : حياتهم اليومية، عاداتهم وتقاليدهم، حتى الخجل في الحب. ولقد أشتهرت قصائده بفلسفة بسيطة، غير معقدة، وبقراءة لأحوال وشخصية الصعيدي حين يحب، يقول :
( كأي صعيدي/ لا أستطيع قول أحبك../ وكلما قررت القفز على التقاليد لأقولها/ خرجت: كيف حالك؟ /فاعذريني لأنني كيف حالك جدا/ ماذا تعرفون عن الأحزان؟/ما الذي تدركونه عن آداب تربيتها؟/هل جرب أحدكم ارضاع حزن ضعيف/كي يشتد عوده؟/هل حاولتم/إطعامه في فمه بالألم/وسقيتموه المقدار المحدد من الدموع؟/هل هذبتم شعره وهندمتم ملابسه؟/تباً لأحزانكم/التي لا تعاملونها بالاحترام اللائق/وتتركونها لتموت هباء/أما أنا
فوحدي أنا/أصحو كل صباح/ لأتمم عليها/وحدي/ أنا أجمعها كل ليلة/ ونحتفل معا بالبكاء..).
وشاعرنا هنا يحتفي بالألم والحزن، ولكن على طريقته الخاصة- عبر المفارقة، والإزاحة- والبحث خلف ظاهر المعنى، فنراه يستلب ذواتنا، وعقولنا، ويدخل إلى جوانياتنا - كقراء- فنتوقف حثيثاً لنمعن التفكير في طرائقه الشعرية الأثيرة التي تحمل لطافة مستحسنة، وَحِسٍّ رقيق، وقدرة على اصطياد المعنى، وتوظيفه ليحمل دلالات مغايرة، يقول :
( الآن/ يمكننا الاحتفال بالحب أيضاً/كل ما علينا فعله/هو استخراج الخناجر/ _ التي نسيها الأحبة في قلوبنا_ وببساطة شديدة/نردها إليهم/ كهدايا).
وحينما يتحدث عن الحب نلمح فطرة غير متكلفة، وكأنه يتكلم بشكل عادي، إلا أنه يحمل عبق الحقول والبراءة، والإخلاص كذلك، يقول : (نحن أبناء القرى/نخشى الوقوع في الحب/ كما تخشى القطط السقوط في الماء../ولكن إذا أحببنا/فإننا نبذل كل ما في وسعنا /كي نغرق) .
وشاعرنا - كما أسلفت- شاعر رقيق، يخجل من كلام الناس، وتتبع الحبيبة في الأزقة والحواري، وخلف البيوت، لذا نراه يقرر اخفاء حبه، ومنع ذاته من التمادي فيما سيلحظه الناس ، لذا قرر أن يربط قلبه في شجرة، ويصطبر على حبه،وهو يتحرق كمداً، ويذوب رقة وخجلاً، يقول :( محرج أنا/من مشيه خلفها
في بيوت الناس/ لابد من ربط هذا القلب في شجرة !).
ولنلحظ التخييل المتضمن التشبيهات، والصور الإستعارية اللطيفة، والبسيطة؛ التي ترتبط بالبيئة- حيث الحقول والفراشات، والتصوير المخاتل البديع، يقول :
( وهي صغيرة/كانت كلما فقدت إحدى سناتها/تنبت مكانها وردة/عندما كبرت/صار فمها حديقة/حبيبتي حين تحدثني/يطوقني العطر/وحين تقبلني/ترسو فوق رأسي الفراشات والعصافير).
كما يستخدم شاعرنا "الإبيجراما الشعرية" ببراعة، كما يستخدم الإحالات المفارقة،والإزاحة ليخاتل القارىء، ويجعله معه - طوال الوقت- في رحلته الأبدية بحثاً عن الحب خلف المعاني التي يركض وراءها ليحيلنا إلى سيميائية، ومعادلات فنية وموضوعية رقيقة، فهو ببساطة شديدة، لا يتكلف المعنى، إذ هو يكتب "الشعر الصافي"- الذي يحيلنا إلى ذاته المحبة، والمرحة، والحزينة كذلك، يقول : ( تكونين على بعد رمية حجر
وكلما وددت رؤياك
أعد نفسي للسفر...
حدثيني
تحدثي معي كثيرا
كي لا أنسى اللغة
فمنذ سمعتك
صرت لا أفهم أحاديث الناس.
أقف أمام بيتكم بالساعات
وحين تظهرين فجأة
أفتش بيدي في التراب
كأنني أبحث عن قرط أمي الذي وقع.
اكتبوا ما شئتم من العقاقير والأدوية
لن تجدي أبدا أبدا
لو أنكم تفهمون
كان يكفي فقط أن تذكروا اسمها
لأركض مثل الفرس.
منذ سمعتك
صرت كبائع متجول
أتلفت كل حين حولي
بالله عليك
قولي لصوتك أن يكف عن ملاحقتي.
عندما تتأخرين
أجهز لك
العصا والسيف والمشنقة
وحين تظهرين
أتذكر فقط
الوردة التي خبأتها في ملابسي.
حتى الشيخ الطاعن في السن
تسابق مع الصبية
كي يعيد لك دجاجتك الهاربة.
لم كلما رأتني أمك
تتذكر إرسال أجولة القمح للطاحون؟
يا طيبة..
لم أكسب من غرامك
سوى انحناء الظهر) .
وشاعرنا الرقيق السيد العديسي يستخدم ( الهايكو الشعري) عبر قصة شعرية تحيلنا - فوراً- إلى الريف ، في صعيد مصر الذي يزخر بالناس الطيبين، كما يجعلنا نتخاتل، ونركض معه عبر المزارع والحقول، وأحوال القرية، ولغة أهلها البسيطة الحالمة،حيث تتجلى " أكسيولوجيا" عالم القيم؛ الذي يصنع جماليات التصوير، عبر "هارمونيطيقا" اللغة المعيارية، والتي تخش بقوة إلى ذواتنا/ وهيئة أهل الريف، وأحلام البسطاء التي تتكسر عبر صخرة الحياة، يقول :
( نحن أبناء الفلاحين/نمشي بعيون سوداء/من كثرة ما نظرنا إلى الأرض/لو أننا نظرنا إلى السماء/-فقط بضع دقائق-
لصارت عيوننا زرقاء/ولمات العالم من الجوع.../ذات مرة/ستعلمك أمي/كيف تختارين الوقت المناسب لتضعي الخبز/قبل أن تهدأ نار فرننا الطيني/سينكفئ منك، ويحترق/حينها ستضيق بك غرفتك/وتحزنين/بينما أمي في بهو الدار/تجمع جيرانها/لتحكي لهم عن فوائد الخبز المحترق./حتى أمي لم تمنحني الفرصة أبداً/كي أبدو مهذبا/كلما صحوت مبكرا-لتقبيل يدها-/خبأتها في "العجين".../لم نرسل أية رسائل لأحد/ورغم ذلك/نضيع دائما أعمارنا/في انتظار الرد).
وتتجلى إبداعاته الرائعة، وهو يصف الذات والمجتمع، وحبيبته الماورة له في الحقل، وعدم تغربه عبر قطارات العالم - ككثير من الفلاحين، وأهل المدن في الصعيد. ومع ذلك نراه يحيلنا إلى الوطن، الذي يعتب عليه، فنرى النوافذ المستقرة تموت في كل المحطات لتجىء مفارقة النهاية معبرة عن فلسفة مجتمعية ناقدة، ولكن بهدوء، ودون ضجيج، يقول :
( أنا مزارع فاشل/ودائما ما أنسى شيئًا يتسبب في كارثة/مثلاً/لم أحول مجرى المياه في الوقت المناسب/فأغرقت محصول القمح/أشعلت النار لأخيف الفئران/فكادت تلتهم ما زرع الجيران
وكثيرًا ما ينبهني الصبية/لألتقط فأسي من الطريق/هل سمع أحد عن فلاح ينسى أين وضع بقراته؟/يا حبيبتي أنا مزارع فاشل/وسيئ الحظ/لكن صدقيني../كان باستطاعتي أن أكون ماهرا/لو لم يخلق الله بيتكم بجوار الحقل/ وحدها نوافذ القطارات/من يدرك معنى الوداع/أينما ذهبت/تعلق بها أيادي الملوحين/وحدها،
تعصم الوديان من الغرق/بدموع المسافرين../مسكينة النوافذ ما أن تأنس لوطن/يبليها السفر بفراق جديد../مسكينة
تموت في كل المحطات) .
إنه الشاعر الذي يبحث عن الحب والشعر والحياة، رغم الفقر والألم ، والحزن، وحياة البسطاء التي نجح من خلالها في تصوير " القرية المصرية" ببساطتها، وأحلامها،وآمال أبنائها الطيبين.
إن تجربة شاعرنا الجنوبي السيد العديسي تنتمي إلى البساطة العميقة، تلك التي تبدو مألوفة في ظاهرها، لكنها تنطوي على طبقات من التأمل،والقلق الوجودي والبحث الدائم عن المعنى، وما خلف المعنى، وعن الكون واليقين، والعالم؛ لذلك تبدو قصيدته كأنها مرآة للإنسان البسيط، لكنها في الوقت ذاته مرآة للكون بأسره.
كما نلمح تداخل أدب السيرة الذاتية مع التجربة الحياتية للناس، حيث تبدو القصيدة لديه وكأنها سيرة ذاتية ممتدة، ومتداخلة. فتبدو كل قصيدة وكأنها فصل من حياته، أو محاولة لفهم ذاته عبر اللغة. إنه لا يكتب عن الحب بوصفه موضوعًا، بل كحالة وجودية،واحتياج إنساني عميق، وكقوة تُعيد تشكيل العالم من حوله.
وفي النهاية :
تبدو القصيدة لدى شاعرنا السيد العديسي ذات أبعاد انسانية لافتة، وذات حضور وجداني، يخاطب القارىء -طوال الوقت- عبر عملية توازن دقيق بين البساطة والعمق،لكنها نتاج تجربة عميقة؛ وهذا ما يمنح نصوصه قابلية للتأويل، حيث يمكن للقارئ العادي أن يتذوقها بسهولة، بينما يجد فيها القارئ المتخصص شعرية المعنى المكتمل.
كما لا ينفصل الحب في شعر العديسي عن القلق؛ فثمة أسئلة تلوح دائمًا في خلفية النص : ما الحياة؟ ما جدوى الألم؟ أين يذهب الإنسان بعد كل هذا التعب؟. وهذا القلق لا يتحول إلى منطقة رمادية، أو سوداوية لرؤية العالم، بل يحيلنا إلى طاقة شعرية؛ تدفعه نحو البحث عن الذات والكون والعالم والحياة؛عبر رحلة شعرية ممتدة، لا تصل إلى إجابات نهائية، بل تظل معلقة بين الشك والإيمان، وبين الحلم والواقع،عبر مجترحات الحياة الإنسانية العميقة.
وشاعرنا يظل قلقاً- طوال الوقت- يتهجى العالم عبر جغرافيا الجنوب، حيث لا يسعى إلى إجابات، بل يؤسّس لسؤال دائم؛ سؤال يجعل من الشعر أفقًا لا نهائيًا للفهم، لا وسيلةً للطمأنينة، وكأنه يبحث عن "السيموطيقا" - عبر الدوال والمدلولات الرامزة، وكأنه يسألنا، أو يسأل ذاته، والكون والعالم، ويجعلنا نبحث عمن سرق المشار إليه في النص !!.
وختاماً : تبدو تجربة شاعر الجنوب السيد العديسي رحلة ممتدة، عبر "أركولوجيا اللغة"، حيث يطرح الأسئلة، ويبحث في جغرافيا الجنوب عن التاريخ، الإنساني للحياة، عبر سرد إبيجرامي عبر " فسيفساء اللغة" التي تشف، وتتسامق، بحثاً عن المعنى الإنساني الذي ينطلق من الذات؛ ليعبر بنا إلى الكون والعالم والحياة.

|