|
القاهرة 02 مايو 2026 الساعة 02:15 م

بقلم: د. حسين عبد البصير
تقف مجموعة السلطان حسن في قلب القاهرة بوصفها واحدة من أعظم الشواهد على عبقرية العمارة في عصر الدولة المملوكية، حيث لا يقتصر حضورها على كونها مسجدًا مهيبًا، بل تتجاوز ذلك لتصبح تعبيرًا معماريًا متكاملًا عن السلطة، والفكر، والرغبة العميقة في الخلود. إنها بناء يتحدث بلغة الحجر، ويُفصح عن زمنٍ كان فيه المعمار وسيلة لإثبات الوجود وترسيخ الهيبة.
ينتمي السلطان الناصر حسن بن محمد بن قلاوون إلى أسرة بني قلاوون، التي شكّلت أحد أعمدة الحكم في مصر خلال القرن الرابع عشر الميلادي. وقد عانى هذا السلطان من تقلبات سياسية حادة؛ إذ تولى الحكم صغيرًا، ثم عُزل، قبل أن يعود إلى العرش في ظل صراعات معقّدة بين أمراء المماليك. وفي هذا المناخ المضطرب، بدا مشروعه المعماري الضخم وكأنه محاولة واعية لإعادة صياغة شرعيته، لا عبر السيف وحده، بل عبر الفن والعمارة.
اختار السلطان موقع مسجده بعناية فائقة، فجاء قبالة قلعة صلاح الدين الأيوبي، مركز السلطة السياسية والعسكرية. هذا التوازي بين القلعة والمسجد لم يكن مجرد صدفة مكانية، بل كان تعبيرًا بصريًا عن توازن القوة بين الدين والدولة، بين الروح والسيف. وكأن المدينة نفسها تتحول إلى نص مفتوح، تقرأ فيه علاقة معقدة بين الحكم والإيمان.
يُعد تصميم المسجد من أروع ما وصلت إليه العمارة الإسلامية في ذلك العصر. فالصحن الواسع الذي يتوسط البناء، تحيط به أربعة إيوانات شاهقة، يمثل نموذجًا معماريًا يجمع بين الوظيفة الدينية والتعليمية، حيث خُصص كل إيوان لتدريس أحد المذاهب السنية الأربعة. ويبرز الإيوان الشرقي بوصفه الأكبر والأكثر هيبة؛ إذ يُعد من أضخم الفراغات المعمارية المغطاة في العالم الإسلامي، ما يعكس تقدمًا هندسيًا ملحوظًا في تقنيات البناء والإنشاء.
ولا تقل الزخارف أهمية عن التكوين المعماري؛ إذ تتداخل النقوش الهندسية مع الكتابات القرآنية في تناغم بصري وروحي فريد. فالخط العربي هنا ليس مجرد عنصر زخرفي، بل هو حامل للمعنى، يربط بين النص المقدس والفضاء المعماري، ويمنح المكان بعدًا تأمليًا عميقًا. كما أن توظيف الضوء الطبيعي داخل المسجد يخلق حالة من التوازن بين الظل والنور، فتتحول التجربة الحسية إلى رحلة روحية صامتة.
لم يكن المسجد مجرد مكان للصلاة، بل كان مؤسسة علمية كبرى، استقطبت العلماء والطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وأسهمت في نشر المعرفة وترسيخ مكانة القاهرة كمركز حضاري بارز. وهنا تتجلى الوظيفة الحقيقية للعمارة المملوكية، التي لم تفصل بين الدين والعلم، بل جمعتهما في إطار واحد يعكس رؤية حضارية شاملة.
وعلى الرغم من كل ما تعرض له هذا الصرح من أضرار عبر القرون، سواء بفعل الزلازل أو الاستخدامات العسكرية أو عوامل الزمن، فإنه ظل صامدًا، شاهدًا على قوة البناء وعبقرية التصميم. ولا يزال إلى اليوم يفرض حضوره في المشهد العمراني، بوصفه أحد أهم معالم القاهرة التاريخية، ومقصدًا للزائرين والباحثين عن الجمال والمعنى.
إن مجموعة مسجد السلطان حسن ليست مجرد أثر من الماضي، بل هي رسالة مستمرة عبر الزمن، تذكّرنا بأن الإنسان، مهما كانت صراعاته، يسعى دائمًا إلى أن يترك أثرًا يتجاوز حياته. وفي هذا الأثر، تتجسد لحظة نادرة التقى فيها الفن بالسلطة، والعقيدة بالجمال، ليولد عملٌ خالد لا يزال ينبض بالحياة إلى اليوم.
|