|
القاهرة 30 أبريل 2026 الساعة 05:27 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
خلص فرانسيس بيكون إلى أن طريقة الاستنتاج التي كانت متبعة في العصور الوسطي كانت خاطئة، فهم يسلمون بنتيجة التجربة فورا دون التكرار، وبحسب وصف الدكتور زكي نجيب محمود فيقول أنه تسليما أعمى، ثم يتخذون من تلك النتائج التي ليست بالضرورة صحيحة نقطة انطلاق إلى قضايا أخرى مرتبطة، ويولدون منها نتائج جديدة، فحصروا أنفسهم في نتائج سلموا بها من قبل، قد تكون موضعا للشك.
لذلك اتبع بيكون منهجا جديدا، وهو ألا نبدا بالتسليم بالحقائق، وأن تخضع كلها للملاحظة والتجريب، فيقول إذا بدأت بالإيمان أولا فانك ستنتهي إلى الشك، ولكن لابد وأن تبدا بالشك حتى تسلم بالايمان الكامل، وهنا يقدم لنا بيكون طريقة استنتاج من مقدمات افتراضية، والاستقراء الذي يؤدي في النهاية إلى الغاية التي يرضاها، وكانت الخطوات التي وضعها بيكون كالتالي:
* جمع الحقائق : وهي الخطوة الأولي للبحث العلمي، ويقول فيها بيكون أن جمع تاريخ الظاهرة وملاحظاتها ومشاهدة أحداثها بحواسه وفكره هي الخطوة الأولى، ويؤكد أنه من الطبيعي أن يعجز الانسان عن معرفة ما لا يلاحظ، إذا كانت المرحلة الأولى بالنسبة لبيكون في البحث العلمي هي إعداد تاريخ لكل ظاهرة من الظواهر.
ويقول زكي نجيب محمود: "ويُطيل «بيكون» القول والشرح في هذه المرحلة الأولى من طريقته؛ لأنه يثِق كلَّ الثقة أنه بغَير هذا التسجيل لحقائق الطبيعية يتعذَّر أن يتمَّ عمل واحد على أساسٍ صحيح «ولو اجتمع عليه نوابغ العصور كلها.» وهو يهيب بالناس أن يُسجلوا تاريخ الطبيعة حتى يُصبح فهمها وفَهم العلوم كلها عملًا هيِّنًا تكفيه أعوام قلائل".
* المرحلة الثانية: ويطلق عليها بيكون مرحلة كشف الصور أي بمعني أدق المقارنة، وهي المقارنة بين الملاحظات والحقائق التي قمنا بجمعها، وهي المقارنة التي تمكننا من الوصول إلى صورة محددة للظاهرة.
ويقول بيكون: «صورة الظاهرة هي التي إذ أُضيفت إليها أكسبَتْها ماهيتها، وإذا ما انتُزِعت منها تلاشَتْ طبيعتها».
ويشرح هذه الجملة زكي نجيب محمود بقوله : "ولكنها لا تزال مع هذا التعريف مُبهَمة غامضة لا نفهم مدلولها فهمًا دقيقًا، فهي بالبداهة لا تعني شكلَ الشيء الخارجي الذي يُدرَك بإحدى الحواس، وليست هي المثال الأفلاطوني للشيء؛ لأنَّ هذا منفصل عن الشيء وخارج عنه، أما «صورة» الشيء عند «بيكون» فهي فيه، وتتَّصِل به أوثق اتصال".
ونستطيع أن نوضِّحها للقارئ على وجه التقريب بأنها «القانون» الذي تسير على مُقتضاه الظاهرة المُعيَّنة، فصورة الحرارة مثلًا هي قانونها وهكذا. فهذه المرحلة إذن هي استخراج القانون من الأمثلة، بأن نحذف الحقائق التي يتبيَّن لنا أثناء اختبارنا للأمثلة المجموعة أنها عارِضة طارئة، إلى أن نستخلص في النهاية الخصائص الجوهرية التي تتميَّز بها الظاهرة التي نبحثها.
* المرحلة الثالثة وهي الاستنتاج ، فالملاحظات حول ظاهرة واحدة قد تكون كثيرة، لذلك يؤكد "بيكون" على ضرورة المقارنة بين ما هو عرضي زائل قد يصحب الظاهرة أو لا وأن يستبقي الجوهري منه، ثم الترتب، ويرى "بيكون" ألا توضع الأمثلة الجزئية أمام الباحث أكداسا مهوشة، بل يشترط أن تنظم تلك الأمثلة وتبوب في ثلاث قوائم:
القائمة الأولى: وتسجل فيها الأمثلة المؤيدة ، أو الأمثلة التي تتفق كلها في صفة بعينها.
القائمة الثانية: وتسجل فيها الأمثلة التي تنفي ولا تتفق مع القائمة الأولى.
القائمة الثالثة: فيوضع فيها الأمثلة التي تختلف فيها الظاهرة التي بصدد البحث قوة وضعفا.
* المرحلة الرابعة وهي مرحلة التنحية والعزل، وهي المرحلة التي يقول فيها بيكون أنها مرحلة الاستقراء لحذف كل ما هو غير منطقي.
* ثم تأني المرحلة الخامسة والأخيرة وهي مرحلة الأمثلة المرجحة، ويقول فيها بيكون أنه : "في الظواهر قد تتساوي الأمثلة المؤيدة بجانب الأمثلة النافية، وفي هذه الحالة فواجبك عندئذٍ أن تُرسِل البصر إلى العالم الخارجي مرةً أخرى عسى أن تُصادف في الطبيعة حقيقةً تعينك على ترجيح سببٍ على سبب، فإن وجدتَ مثل هذه الحقيقة كانت لك في ضلالك مُرشدًا وهاديًا؛ لأنها ستشير لك إلى الطريق السَّوي كما تفعل الأنصاب الحجرية التي يُقيمها الناس عند مُلتقى الطرق لهداية السائرين، (وكثيرًا ما تكون تلك النُّصب على هيئة الصليب، ولهذا ترى الكلمة الإنجليزية التي معناها مرجِّح Crocial مُشتقة من الكلمة التي معناها صليب Cross).
|