|
القاهرة 30 أبريل 2026 الساعة 01:32 م

بقلم: عبد العليم حريص
داخل نادي أدب جرجا، تردد اسم "أشرف البولاقي" كثيراً حينما كنت أتعلم أبجديات الشعر.
ونصحني أعضاء النادي بضرورة التعرف على شاعرين هما: أشرف البولاقي، والسيد عبدالقادر شاكر.
فالبولاقي من برديس والسيد من الحرجة وكلاهما من البلينا (بلدياتي يعني). هذا لأن بعض كتاباتي فيها نفس بولاقي وآخر شاكري. وعلمت أن أشرف (أزهري) مثلي فقلت أبدأ بالأقرب فلسفة، والأبعد مسافة..
فحملت أوراقي وركبت القطار إلى محافظة قنا حيث يقيم ويعمل البولاقي بقصر الثقافة.
وبينما أنا أصعد السلم داخل المبنى، قابلت موظفاً يضع على وجهه نظارة مقعرة، سألته بكل زهو عن الشاعر والأستاذ: أشرف البولاقي، فرمقني بنظرة استغراب، أعقبها صمت، توجست قليلاً، فعلى ما يبدو أن هذا الشخص يكرهه..
ثم قال بهدوء: أنا المدعو أشرف مين حضرتك؟
عرفته بنفسي، وبأني جئته خصيصاً من (الشيخ بركة) للتعرف عليه وعرض كتاباتي بين يديه.
رحب وبي، ولم يعطني فرصة لأستفيض في تبجيله، وأجلسني جواره وبعد أن أنهى بعض أعماله، اصطحيني إلى بيته. يصمت كثيراً، ولكنه ودود...
واستضاقني عنده، وترك لي غرفة لأنام بعض الوقت، حتى يتم تجهيز الغداء المناسب لضيف اعتاد أهل بيته على قدوم أمثاله كثيراً لجلوس مع الشاعر وقضاء يوم أو أكثر.
وفي المساء اصطحبني إلى أمسية بالقصر، ومنحني فرصة لألقي شعري.
وبعدها رجعنا ونصحني بمواصلة الدرب، وأهداني ديوانه ((سلوى وأشياء أُخر)).
والذي ما زلت أحتفظ به وقد حفظته عن ظهر قلب، وعند الفجر سمعت حركة غريبة في البيت، لقد حان وقت عمل أشرف الثاني (عربة الكسكسي).
فهو ليس بشاعر فقط ولا موظف فحسب، فهو صاحب مشروع لجلب ما تسير من دخل إضافي ليتمكن من استضافة أمثالنا.
وعندما يحين وقت عمله، يغيّر ملابسه ويرتدي حلّة الموظف والنظارة والأوراق والأقلام ويمضي، ليمارس يومه، ويتحمل شطحات وأحلام القادمين على درب الكتابة.
لم يكن البولافي بالشخص المدلل ولا الفظّ، كان حالة خاصة من الإنسانية والمثالية والتصالح مع الذات، قانع بحياته، قليل الكلام كثيراً ولكنه نزق أكثر ما ينبغي في تجلياته وإبداعاته، كان يحب الحياة التي اختارها لنفسه.
ناديت عليه فعلم أني صحوت دلف للغرفة وطلب مني أن أكمل نومي وسيعود لي عندما تشرق الشمس، استأذنته أن يصطحيني معه لأركب أية مواصلة للبلينا..
فقد أخذت واجبي وزيادة وشكرت له حسن الاستضافة لشخص لا يعرفه يدخله بيته ولا يتركه يعود مساءً لبلده.
فقال تفضل وأفطرني طبقاً شهيّاً مما يبيعه عند الفجر، وأذكر أنه دفع لي أجرة الميكروباص الذي أقلني لمحطة قنا. (نسيت أن أخبركم أن الغداء كان ديكاً وديكاً)
هذه هي المرّة الأولى والأخيرة التي التقيت فيها بأشرف البولاقي، حتى سمعت خبر وفاته، حزنت أيّما حزن لرحيله، فلم تحن فرصة للقاء آخر أو حتى يمهلني القدر وقتاً لأردّ له جميل صنعه معي. فهناك أناس من الصعب أن يتكرروا في حياتنا ومنهم هذا البولاقي النبيل.
صحيح كنّا نتواصل هاتفيّاً أو فيسبوكيّاً، ولكن يظلّ البولاقي أستاذي الذي مدّ لي يد العون في بداياتي، وكلّما ذكر اسمه تضاءلت تجربتي عن الجلوس قباله.
فقديماً قال أشرف البولاقي: سلاماً أم محمود سلاما.
أما والآن: سلاماً أبا هندٍ سلاما.
|