|
القاهرة 30 أبريل 2026 الساعة 12:36 م

بقلم | د. سارة صلاح شطا
ما هو المسرح البنائي؟
المسرح البنائي (Constructivist Theatre) هو تيار طليعي نشأ في ثنايا التحولات الفنية الكبرى أوائل القرن العشرين، مستلهماً روحه من "الفن البنائي" الذي انطلق من روسيا ليمد أثره إلى ألمانيا عبر مدرسة "الباوهاوس" العريقة. يكمن جوهر هذا التيار في إخضاع عناصر العرض المسرحي لمبادئ الهندسة والصناعة؛ فالديكور، والأزياء، فأصبحت حركة الممثل بأنها "أشبه بحركة آليّة" (Mechanized Movement) في مختبر بصري وجسدي يختبر العلاقة المعقدة بين الإنسان والفضاء والآلة، محولاً الممثل إلى "عنصر بنائي" متحرك ضمن ماكينة مسرحية ضخمة.
• مسرح بلا ممثل؟ رؤية "أوسكار شليمر"..
تخيل أن تصعد خشبة المسرح لتختفي تماماً خلف كتل صلبة من المعدن والأسلاك، فلا يبدو منك سوى حركات ميكانيكية جافة تحاكي حركة الـ "ماريونت". لم تكن هذه المشهدية ضرباً من الخيال العلمي، بل كانت الفلسفة الإبداعية التي صاغها المخرج والفنان الألماني أوسكار شليمر (Oskar Schlemmer) في عشرينيات القرن الماضي.
شليمر، بوصفه أحد أعمدة مدرسة "الباوهاوس" وقائد ورشتها المسرحية، لم ينشغل بالنص الأدبي أو الدراما التقليدية، بل انصب تركيزه على ما سماه "العروض البصرية للأشكال النحتية". ومن هنا انبثقت فكرته الجريئة: "تحويل الممثل إلى مجرد شكل هندسي متحرك". لقد أعلن شليمر نهاية عصر الممثل التقليدي، ليحل محله "التمثال النحتي" أو الشخصية الاصطناعية (Artificial Figure)، حيث يستمد الممثل وجوده من الزي الهندسي الذي يشكله من الخارج، لا من انفعالاته الدرامية. الزي (أو القناع/الهيكل البنائي النحتي الخارجي له) ليس مجرد ملابس، بل هو المحدد لهوية الممثل وحركته.
ليكون الممثل كـ «شيء» مسرحي: يصبح الممثل كائناً حركياً، «دمية» أو «آلة» بشرية مصممة هندسياً لتؤدي دوراً محددًا، مما يلغي دراما واقعية الممثل ليفسح المجال للدلالة التشكيلية.
الباوهاوس.. عندما يلتقي الفن بالآلة
د. سارة صلاح شطا
ارتبط اسم شليمر بمدرسة "الباوهاوس" (Bauhaus) ـ المشتق اسمها من (Bau) "بناء" و(Haus) "بيت" ـ والتي تأسست عام 1919 على يد "والتر غروبيوس". لم تكن مجرد مؤسسة تعليمية، بل كانت "مختبراً ثورياً" صهر الحواجز بين الفنون الجميلة والحرف الصناعية. وفي المسرح، تجلى هذا التأثير عبر إعادة تعريف جسد الممثل، ليكون "آلة راقصة" تخضع لخمسة مبادئ أساسية:
1. وحدة الفنون: دمج النحت، العمارة، الرسم، الموسيقى، والرقص في عمل بنائي مركب.
2. الهندسة الخالصة: الاعتماد على الأشكال الأساسية (المربع، المثلث، الدائرة).
3. التجريد: رفض الزخرفة الزائدة والعودة إلى جوهر الشكل.
4. الألوان الأولية: استخدام الأحمر، الأزرق، والأصفر لضبط الإيقاع البصري.
5. المزيج الطليعي: الجمع بين التكعيبية والمستقبلية للوصول إلى كتل بنائية معمارية نحتية.
• عندما تصبح الأزياء "بطلاً" للعرض..
في تحفته الشهيرة "عرض الباليه الثلاثي" (Triadic Ballet) عام 1922، أرسى شليمر قاعدة ذهبية قلبت موازين المسرح الكلاسيكي: "الشخصية المسرحية تستمد قيمتها من الزي، وليس العكس".
لم تعد الأزياء مجرد أقمشة تحيط الجسد، بل تحولت إلى هياكل نحتية تشكيلية صلبة من الخشب والورق المقوى والبلاستيك، صُممت على هيئة مجسمات هندسية (مخاريط وكرات ومكعبات). هذا "التشييء" أي جعل الممثل كـ «شيء» مسرحي قيّد حركته الطبيعية، وأجبره على التحرك بآلية ميكانيكية، ليعيد بناء هيكلة تشكيل الجسد البشري ونسبه، محولاً إياه إلى "عمارة متحركة" أو عروس ميكانيكية تشكل حركات ألية على المسرح .
• لماذا أصبحت الأزياء أهم من الممثل؟
في عرض "الباليه الثلاثي"، لم يعد الممثل مصدراً للعاطفة أو الحوار، بل تحول إلى مجرد "حامل" للتمثال النحتي. القيمة الفنية هنا لا تكمن في الأداء الوجداني، بل في التصميم البنائي للزي وحركته الهندسية داخل الفضاء. وهنا يبرز السؤال الجدلي الذي طرحه شليمر ضمناً: إذا كان الممثل قد تحول إلى أداة ميكانيكية، فلماذا نحتاج إلى العنصر البشري من الأساس؟
• جسد مُعاد تشكيله: هل هي النهاية؟
لقد وضع شليمر بذور "المسرح الآلي". فبدلاً من تدريب الممثلين لساعات ليحاكوا الآلة، أليس من الأجدى استبدالهم بعرائس ميكانيكية تؤدي الحركات بدقة متناهية وتكلفة أقل؟
ربما لم تسعفه تكنولوجيا عصره لتحقيق هذا الحلم بالكامل، لكنه أسس لنموذج مسرحي يتجاوز قيود حركة وشكل الجسد الطبيعي. يظل شليمر هو الفنان الذي جعل الزي يمنح الممثل وجوده، تاركاً لنا تساؤلاً مفتوحاً يزداد إلحاحاً في عصر التطور التكنولوجي المصاحب للذكاء الاصطناعي: هل يحتاج المسرح الحقيقي إلى روح بشرية نابضة، أم أن رقص الأشكال الهندسية والألوان كافٍ لخلق عرض مسرحي متكامل؟


|