|
القاهرة 29 أبريل 2026 الساعة 05:13 م

بقلم: د. إنجي عبدالمنعم
الرقص هو اللغة الأولى التي نطق بها الإنسان قبل أن يتعلم الحروف. هو تلك الحالة الوجدانية التي يتحول فيها الجسد إلى قصيدة، والنبض إلى سيمفونية. وفي قلب هذه اللغة العالمية، تقف مصر كحجر زاوية، فمنذ فجر التاريخ، كان الرقص في مصر "مقدساً" تارة، و"احتفالياً" تارة أخرى، ولكنه ظل دائماً مرآة تعكس روح الشعب المصري، وتطوره الحضاري.
أولاً: الرقص في مصر القديمة.. صلاة بالجسد
الحركة عند المصري القديم كانت طقساً يربط الأرض بالسماء. إذا تأملنا جدران المقابر والمعابد في "طيبة" و"سقارة"، سنرى أن الرقص كان جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية والعقائدية.
1. الرقص الجنائزي: كان الرقص وسيلة لمرافقة المتوفى إلى العالم الآخر، بفرقة "المو" الشهيرة التي كانت ترتدي تيجاناً من البردي وتقوم بحركات إيقاعية مهيبة لتهدئة روح المتوفى.
2. الرقص المقدس: كان الكهنة والكاهنات يرقصون في حضرة الآلهة، مثل "حتحور" إلهة الموسيقى والرقص، حيث كانت الحركات تهدف إلى استرضاء الآلهة وجلب البركة.
3. الرقص البهلواني: لم تخلُ مصر القديمة من الرقص الاستعراضي؛ فظهرت صور لفتيات يقمن بحركات بهلوانية صعبة (مثل الجسر والقنطرة)، وهو ما نراه اليوم في رقصات "الجمباز الإيقاعي" و"الباليه المعاصر"، مما يؤكد أن جذور هذه الفنون مصرية أصيلة.
ثانياً: التحولات الوسطى.. من الطقس إلى "الفلكلور"
مع تعاقب العصور، انتقل الرقص من كونه طقساً معبداً ليصبح تعبيراً شعبياً خالصاً. في العصر القبطي والإسلامي، اندمجت الحركات الإيقاعية مع الأفراح والاحتفالات الشعبية (الموالد).
هنا ولدت "الفنون الشعبية" التي نعرفها اليوم؛ "رقصة التحطيب" الصعيدية، التي هي في الأصل تدريب عسكري تحول إلى رقصة رجولية تعتمد على القوة والذكاء، و"رقصة الغوازي" و"العوالم" التي ميزت الأحياء القاهرية القديمة، حيث كانت الراقصة (العالمة) فنانة شاملة تغني وتعزف وترقص، وتحظى بمكانة اجتماعية مرموقة.
ثالثاً: العصر الذهبي.. حين سحرت مصر العالم
في بدايات القرن العشرين، وتحديداً مع نهضة المسرح والسينما، شهد الرقص المصري تحولاً جذرياً. تأسست الكازينوهات والملاهي الليلية الراقية مثل "كازينو بديعة مصابني"، الذي خرجت منه أساطير الرقص الشرقي مثل: تحية كاريوكا وسامية جمال.
الرقص حينها كان "فناً تعبيرياً". فبينما كانت "كاريوكا" تمثل الرزانة والشموخ المصري، كانت "سامية جمال" تدمج الباليه والرقص اللاتيني مع الشرقي، لتخلق حالة من السحر العالمي. في هذه الفترة، كانت القاهرة هي "باريس الشرق"، والمصدر الأول للإبداع الحركي في المنطقة العربية.

رابعاً: مدرسة الباليه والرقص الأكاديمي
في منتصف القرن العشرين، دخل الرقص المصري مرحلة "الأكاديمية" بإنشاء معهد الباليه والفرقة القومية للفنون الشعبية (على يد محمود رضا وعلي رضا).
محمود رضا، هذا الاسم الذي يمثل "العبقرية المصرية"، استطاع أن ينقل رقصات الفلاحين والصعايدة والبحارة من الأزقة والشوارع إلى مسارح العالم. حول "الحجالة" و"السكندري" و"الفلاحي" إلى لوحات فنية مرسومة بمسطرة أكاديمية، ليثبت أن الرقص الشعبي المصري يمكن أن ينافس "البولشوي" الروسي و"أوبرا باريس".

خامساً: الرقص المعاصر.. العودة إلى الجسد
اليوم، يعيش الرقص في مصر مرحلة جديدة من التجريب. ظهرت فرق "الرقص المسرحي الحديث" التابعة لدار الأوبرا المصرية، وبدأ جيل جديد من الفنانين يعتمد على "الرقص المعاصر" كوسيلة للتعبير عن قضايا الهوية، والاغتراب، والحرية.
الرقص المعاصر في مصر الآن لا يكتفي بالحركة الجمالية، بل يطرح أسئلة فلسفية. يستخدم الجسد كأداة للمقاومة، ولإثبات الوجود في عالم رقمي سريع. نرى المهرجانات المستقلة التي تجمع بين راقصي الـ "Street Dance" والباليه الكلاسيكي، مما يخلق مزيجاً يعبر عن "مصر المعاصرة" بكل تناقضاتها وحيويتها.
سادساً: لماذا نحتفل باليوم العالمي للرقص؟
يأتي يوم 29 أبريل من كل عام ليذكرنا بأن الحركة هي أصل الحياة. وفي مصر، نحن نحتفل بفن وتاريخ.
نحتفل لأن الرقص هو الذي حفظ لنا تفاصيل ملابس أجدادنا، كما أنه اللغة التي توحد بين ابن الريف وابن المدينة، بالإضافة إلى أننا شعب "راقص" بالفطرة، يواجه أحزانه بالتمايل على الأنغام، ويعبر عن أفراحه بخطوات واثقة على الأرض.
من "صندل" الراقصة الفرعونية الرقيق، إلى "حذاء" الباليه المطاطي، ومن "عصا" الصعيدي القوية، إلى "تمايل" الراقصة المعاصرة؛ تظل مصر هي المسرح الكبير الذي لم يتوقف فيه العرض منذ سبعة آلاف عام.
إن مجلة "مصر المحروسة" وهي تشارك العالم احتفاله باليوم العالمي للرقص، تؤمن بأن دعم هذا الفن هو دعم للهوية المصرية، وتأكيد على أن جسد الإنسان سيظل دائماً أصدق وسيلة للتعبير عن الحرية والجمال.
كل عام ومصر، بكل مبدعيها، وجهة الفن الأصيل الذي يجمع بين البهجة والسمو.

|